مضيق جبل طارق واحد من أكبر المناطق حساسية في العالم ومعبر للسفن العالمية، تتنازعه سلطتان: إسبانية وبريطانية، تحول إلى ساحة للتصعيد الأمريكي الإيراني متشابك الأطراف الذي تُجهل مالآته بعد أن قررت المحكمة العليا في جبل طارق تمديد احتجاز ناقلة نفط إيرانية، تقول إنها خالفت الحظر الأوروبي المفروض على النظام السوري، فهل تدشن عملية الاحتجاز نهجًا جديدًا لضغط حلفاء واشنطن على طهران لوقف صادراتها النفطية؟

جولة جديدة في غرب المتوسط

في مضيق جبل طارق الواقع أقصى الجنوب الإسباني، كانت الناقلة "غريس 1" التي ترفع العلم البنمي، تمخر عُباب البحر الأبيض المتوسط، محملة بنفط إيراني، وعندما وصلت إلى مسافة 4 كيلومترات جنوب جبل طارق، تعرضت لما يعتبره البعض أول تمرين قاسٍ على ما قد تختبره طهران بعد تشديد العقوبات الأمريكية عليها في مايو/أيار الماضي.

أصرت طهران على أن ناقلة النفط كانت في المياه الدولية، ووصفت الخطوة البريطانية بـ"العمل الغريب والهدَّام وغير القانوني"

تحت جُنح الظلام، اعترضت سلطات الأمن في جبل طارق التابع للتاج البريطاني، مسنودةً بوحدة قوامها 30 جنديًا في مشاة البحرية البريطانية، مسار الناقلة فجر الخميس الماضي، في المياه الإقليمية المتنازع على سيادتها مع إسبانيا، وحلقت مروحية عسكرية فوقها، بينما صعد إليها جنود بريطانيون وأوقفوا طاقمها عن العمل بطلب من الحكومة المحلية.  

ووفًقا لمصادر بحرية ومخابراتية لوكالة "رويترز"، فإن رحلة الناقلة من السواحل الإيرانية مرورًا برأس الرجاء الصالح جنوب القارة الإفريقية قبل وصولها إلى مضيق جبل طارق، تكاد تكون واحدة من المغامرات الإيرانية الكبرى للتحايل على العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليها.

البحرية البريطانية ساعدت في احتجاز ناقلة النفط الإيرانية

وقالت مصادر مخابراتية لـ"رويترز" إنه جرى توثيق تحميل السفينة بالنفط في ميناء البصرة العراقي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، رغم أن سلطات الميناء لم تسجل توقف الناقلة في الميناء أصلاً، بينما تؤكد مصادر أخرى أنها حُمِّلت بالنفط قبالة السواحل الإيرانية.

أمَّا لماذا هذه الرحلة الطويلة جدًا؟ فلأن الخيار الآخر للتحايل على العقوبات كان محفوفًا بالمخاطر، وهو أن تعبر الناقلة عبر قناة السويس، لكن نوعية الحمولة كانت ستفرض على السلطات هناك تفريغ شحنة الناقة ثم تحميلها مرة أخرى وهو إجراء احترازي كان سيؤكد أن الحمولة تخترق عقوبات تلتزم بها السلطات المصرية.

خلاف متشابك الأطراف  

يبدو الجو هادئًا، لكن "غريس 1" لا تزال في قلب عاصفة سياسية دولية، فقد قالت إسبانيا إنها ستقدم بشأن الإجراء احتجاجًا رسميًا لدى الخارجية البريطانية على ما تعتبره انتهاكًا لسيادتها، وذاك غضب قد يفسر غياب التحفظ في تصريحات وزير خارجية إسبانيا جوزيب بوريل، حيث قال إن احتجاز ناقلة النفط جاء بناءً على طلب أمريكي من بريطانيا.

لكن لدى بريطانيا رأي آخر، فهذه الاتهامات رفضتها سلطات جبل طارق التابع للمملكة المتحدة، وشدَّدت في بيان أن إجراءات احتجاز الناقلة الإيرانية اُتخذت بشكل مستقل دون اعتبارات سياسية، وأعلنت امتلاكها كل "الأسباب المعولة" التي تدعو للاعتقاد بأن السفينة كانت متوجهة للنظام السوري.  

مسار التحقيقات قد يكون طويلاً، نظرًا لمشاركة أطراف ثالثة كالشركة المالكة للسفينة، التي تناقلت بعض وسائل الإعلام أن هويتها روسية ومسجلة في دبي

في المقابل، أصرت طهران على أن ناقلة النفط كانت في المياه الدولية، ووصفت الخطوة البريطانية بـ"العمل الغريب والهدَّام وغير القانوني"، واتهمت بريطانيا بالامتثال لأوامر الولايات المتحدة، كما أكدت الخارجية الإيرانية أنها ستفعِّل كل طاقاتها السياسية والقانونية للإفراج عن الناقلة، محذرةً في الوقت نفسه من أن هذه الخطوة من شأنها تأجيج التوتر في المنطقة.

الرواية البريطانية نسفت ما قالته طهران، حين أعلنت لندن رسميًا اعتراض ناقلة النفط العملاقة داخل المياه الإقليمية لجبل طارق، لنقلها شحنة من النفط الخام إلى مصفاة بانياس التابعة لشركة النفط السورية الحكومية التي يرى الاتحاد الأوروبي أنها توفر دعمًا لحكومة النظام السوري التي تخضع لعقوبات بسبب قمعها للمدنيين منذ بداية الثورة ضد نظام الرئيس بشار الأسد عام 2011، وهو ما يعتبر خرقًا لعقوبات الاتحاد الأوروبي على سوريا، ويُسوِّغ اعتراض الناقلة طبقًا للقوانين الأوروبية.   

الناقلة "غريس 1" كانت تحمل نفطا إيرانيًا خامًا إلى سوريا

يُضاف إلى كل ذلك، بوادر أزمة دبلوماسية بين إسبانيا وبريطانيا، فمدريد التي لا تعترف بسيادة بريطانيا على المياه المحيطة بجبل طارق، تؤكد أن العملية وقعت في المياه الإقليمية الإسبانية، وأن الولايات المتحدة رصدت مسار الناقلة الإيرانية فنقلت المعلومات الاستخبارية إلى حكومة إقليم جبل طارق، والحكومة الإسبانية تدرس حاليًّا الظروف المحيطة بالعملية وتأثيرها على سيادتها.

لكن الأزمة الدبلوماسية غير الشديدة حتى الآن بين البلدين لم توقف مجرى التحقيقات التي تجريها سلطات جبل طارق، حيث يتم استجواب طاقم الناقلة وتفتيشها بحثًا عن أدلة توثق تهمة توجهها إلى سوريا، إلا أن مسار التحقيقات قد يكون طويلاً، نظرًا لمشاركة أطراف ثالثة كالشركة المالكة للسفينة، التي تناقلت بعض وسائل الإعلام أن هويتها روسية ومسجلة في دبي.

ولعل ما قد يفاقم الأزمة أن طاقم السفينة من جنسيات مختلفة، بينها باكستان والهند وأوكرانيا، فضلاً عن ضخامة حجمها الذي يحول دون إدخالها ميناء جبل طارق، وهو ما يعني بقائها في المياه الإقليمية مدة غير معلومة.

وفي انتظار قرار القضاء في جبل طارق، لا يُتوقع أن تنتهي فصول هذا النزاع قريبًا، نظرًا لحساسية المنطقة، ووجود خلاف إسباني بريطاني بشأن السيادة على المياه الإقليمية.       

خيارات إيران.. الرد بالمثل؟

هل هذه المغامرة الأولى؟ حسب "رويترز" فإن الناقلة "غريس" واحدة من 4 ناقلات تشارك في نقل النفط الإيراني إلى سنغافورة والصين، في انتهاك للعقوبات الأمريكية، لكنها المرة الأولى التي تُعترض فيها ناقلة لإيران، واللافت أن السبب كان خرق العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا، فهل يعني هذا أن إيران نفسها ليست مستهدفة أم أن الأمريكيين لا يد لهم فيما حدث؟

نددت إيران بل هددت بالمثل، أي باعتراض ناقلة بريطانية، كما أوضح ذلك أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي

وفق التصريحات الإسبانية الرسمية، فإن الخيارين غير واقعيين، ففي حين كان اعتراض الناقلة الإيرانية بطلب أمريكي، دخلت واشنطن على خط الأزمة، حيث سارع مستشار الأمن القومي الأمريكي في البيت الأبيض جون بولتون للترحيب بالخطوة، معتبرًا إياها "بشرى سارة"، وكتب في تغريدة على "تويتر" أن أمريكا وحلفاءها سيواصلون منع نظاميّ طهران ودمشق من تحقيق الأرباح مما سماها "التجارة غير المشروعة" على حد تعبيره.  

لكن ربما نسي بولتون أن إيران أثبتت بالفعل أنها تستطيع أن تقصف وتُسقِط طائرة أمريكية مسيرَّة بالغة التطور، قالت إنها اخترقت أجواءها، وتستطيع أيضًا أن تستعرض حطام الطائرة التي سقطت في مياهها الإقليمية كما تقول، إلا أن الأمر لن يكون بذلك اليسر عندما يتعلق بالبحار البعيدة.  

هنا، يُعتقد أن الحادث نوع من الحصار بالغ القسوة في منطقة لا تستطيع طهران أن تفعل شيئًا فيها إلا أن تعترض، وهو ما فعلته باستدعاء خارجيتها السفير البريطاني للاحتجاج على ما وصفته بأنه "نوع من القرصنة جرت بطلب أمريكي"، ونددت بل هددت بالمثل، أي باعتراض ناقلة بريطانية، كما أوضح ذلك أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي، مشيرًا إلى أن "طهران لن تتوانى في الرد على من يعتدي عليها".

لكن الكثيرين يستبعدون هذا الأمر، خلاف ما يعتبره البعض حقيقة لا تقبل النقاش، وهي أنه كلما توسَّع قوس العقوبات على إيران توسعت معه رقعة المتضررين فعليًا منه أو المفترض تضررهم، لا في الشرق الأوسط فحسب، وإنما عبر البحار أيضًا، وهو ما كان مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، آخر المحذرين منه، بقوله في تصريحات للجزيرة، إن تفجر الصراع سيجعل كل الاحتمالات مفتوحة، وسيغير قدرة حكومة بغداد على ضبط الأمور داخليًا، مشيرًا إلى أن الأزمة في منطقة الخليج بين إيران والولايات المتحدة تهدد السلم والاستقرار الدولي والإقليمي، ووصولها إلى المستوى العسكري سيتسبب في كارثة بالمنطقة لن تستثني أحدًا.

تبعات الخلاف الإمريكي الإيراني

يشير سياق الحدث إلى أنه قد يؤدي إلى تصعيد التوتر بين إيران والغرب بسبب الجدل بشأن برنامجها النووي والعقوبات الأمريكية عليها، وقد بدا هذا التصعيد في تصريحات وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت الذي اعتبر أن التحرك السريع للسلطات في جبل طارق والبحرية البريطانية منع "نظام بشار الأسد الدموي" من الحصول على مورد مهم.

وتأتي رياح الأزمة بين طهران ولندن في سياق أوروبي محموم للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني من خلال توفير آلية للسماح لها ببيع نفطها لمساعدتها على تفادي العقوبات الأمريكية، لكن الحادث الأخير من شأنه أن يعقِّد المساعي الأوروبية إذا وجدت إيران نفسها محرومة من الفوائد التي تنتظرها من الاتفاق.

العملية تأتي بُعيد إعلان طهران تجاوزها سقف اليورانيوم المخصَّب المحدد في اتفاق 2015، وقبل يومين فقط من انتهاء مهلة الـ60 يومًا (غدًا 7 من يوليو/تموز) التي حددتها إيران للدول الأوروبية للالتزام بتعهداتها في الاتفاق

ورغم أن بريطانيا، أحد حلفاء واشنطن الذين لم ينسحبوا من الاتفاق، فإن العلاقات بين إيران وبريطانيا شهدت توترًا بعدما قالت لندن إنها "تكاد تكون متأكدة" من أن النظام الإيراني نفذ الهجمات على ناقلتي نفط في يونيو/ حزيران الماضي، كما تسعى بريطانيا أيضًا إلى الضغط على إيران من أجل الإفراج عن البريطانية من أصل إيراني، نازانين زاغاري رادكليف، المحكوم عليها بالسجن 5 أعوام منذ 2016 بعد إدانتها بالتجسس، وهو ما تنفيه.

ويتزامن هذا الخلاف مع تشبث أمريكي وتعزيز العقوبات وضغوط شديدة تمارسها واشنطن على طهران منذ انسحابها من الاتفاق، لإرغام الأخيرة على إعادة التفاوض بشان الاتفاق النووي، وهو الأمر الذي انعكس على علاقات إيران بدول الغرب، فبعد الـ8 من مايو/أيار الماضي، تغيرت لهجة خطاب إيران تجاه الدول الأوروبية بشأن الاتفاق النووي، وبدأت تتغير معالم برنامجها النووي، فعادت أجهزة الطرد المركزي تعمل بالسرعة التي تريدها إيران.

يُضاف إلى كل ذلك توقيت العملية التي تأتي بُعيد إعلان طهران تجاوزها سقف اليورانيوم المخصَّب المحدد في اتفاق 2015، وقبل يومين فقط من انتهاء مهلة الـ60 يومًا (غدًا 7 من يوليو/تموز) التي حددتها إيران للدول الأوروبية للالتزام بتعهداتها في الاتفاق، تجاوز مخرون إيران من اليورانيوم 300 كيلو جرام، وهو الحد المسموح به في الاتفاق النووي الموقَّع عام 2015 بين القوى العظمى وإيران.   

وتلك خطوة ربما أزعجت الدول الأوروبية، أمَّا إيران فتراها تحذيرية، ويقول ساساتها إنه يمكن التراجع عنها متى نفَّذ الغرب التزاماته، لكن الدول الأوروبية تجد نفسها في وضع حرج بين الطرفين، أمَّا إيران فلا ترى مفرًا من خطوات في برنامجها النووي تقلب بها معدلات التفاوض مع شركاء الاتفاق النووي ولو جزئيًا لصالحها، وربما كذلك تعمل على إعادة ترتيب أوراقها التفاوضية بما يمكنها من تحقيق ما كنت تطمح إليه في الاتفاق النووي.    

لعله إذًا صيف سيكون ساخنًا جدًا في إيران والمنطقة، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب حذَّرها قبل أيام من "اللعب بالنار"، بعد إعلانها تجاوز حد اليورانيوم المخصب، أمَّا طهران فمضت بالقول "إذا لم تتراجعوا فسنعود إلى النووي تخصيبًا"، وربما تلوِّح بما هو أكثر، وهذا يجري خطوة خطوة، كما يقول مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي ولايتي.

وفي انتظار ما قد تنفذه الدول الأوروبية من الاتفاق النووي، تصر طهران على تحريك برنامجها النووي، سواء بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم أم إعادة العمل في مفاعلات حساسة، وهو ما قد يدفع الدول الأوروبية لبذل مزيد من الجهد لثني إيران عن خطواتها.