بعد فترة انقطاع دامت قرابة 36 يومًا منذ فض اعتصام القيادة العامة في الـ3 من يونيو الماضي، الذي أدى إلى سقوط عشرات القتلى والمصابين، عادت صباح أمس الثلاثاء خدمات الإنترنت إلى السودانيين في العاصمة الخرطوم، بأمر محكمة سودانية.

السودانيون استقبلوا عودة الخدمة بتدشين حملة واسعة لتوثيق أحداث المجزرة وذلك عبر هاشتاغ "#توثيق_مجزرة_القيادة_العامة" الذي تصدر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" في البلاد، بعدما غرد المئات عليه بآلاف الصور ومقاطع الفيديو التي تظهر حجم الاعتداء الوحشي على المعتصممين من قوات الدعم السريع.

تدشين هذه الحملة بالتزامن مع قرب توقيع الاتفاق المزمع بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير يحمل الكثير من الدلالات التي تأتي في إطار التأكيد على إصرار المحتجين على السير قدمًا في حراكهم الثوري حتى الوصول إلى النقطة الأخيرة من حزمة مطالبهم التي على رأسها تسليم السلطة الكاملة لمدنيين.

وكانت محكمة سودانية قد قضت أمس الثلاثاء بإعادة خدمة الإنترنت للمشتركين في شركتي "سوداني" و"أم.تي.أن"، وذلك على خلفية دعوى قضائية تقدم بها المحامي عبد العظيم حسن ممثلاً لعدد من المشتركين الذين تضررت مصالحهم بسبب قطع خدمة الإنترنت في البلاد، فيما أفادت مصادر أن قرار المحكمة سيكون ملزمًا لكل الشركات دون استثناء.

ضغوط على المجلس العسكري

البعض ذهب إلى أن الاتفاق المزمع بين الطرفين الذي تجري اليوم مشاورات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمناقشة الصيغة النهائية له وبحث تشكيل حكومة انتقالية في السودان، ربما يكون سببًا في تهدئة الأوضاع وتخفيف حدة التوتر لا سيما من الثوار الذين نجحوا في فرض هويتهم بصورة أكبر عقب المليونية الأخيرة في 30 من يونيو الماضي التي جاءت خارج التوقعات.

حالة فقدان الثقة في المجلس وتحركاته بشأن تسليم الحكم لسلطة مدنية وانتهاجة سياسة المماطلة لكسب المزيد من الوقت دفعت المحتجين إلى العمل في إطار خطين متوازيين: الأول وهو المسار التفاوضي مع العسكر وصولًا إلى اتفاق ربما يحقق الحد الأدنى من المطالب وفي الجهة الأخرى تفعيل الحراك الثوري واستمراريته حتى تحقيق أهداف الثورة.

منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشر في أبريل الماضي وتشهد العلاقات بين المعارضة والمجلس الانتقالي موجات من المد والجذر، وبينما كان عبد الفتاح البرهان ورفاقه يؤكدون دعمهم الكامل للثوار كان في الوقت ذاته نائبه حميدتي وقواته يخططون لفض الاعتصام بالقوة، وهو الأمر الذي من الواضح لم ولن ينساه السودانيون.

نشطاء ذهبوا إلى أن توثيق مجزرة القيادة العامة بما تحمله من مقاطع مصورة وصفت بـ"الصادمة" لا شك أنه سيمثّل ورقة ضغط كبرى على المجلس الذي طالما عزف على وتر السلمية والانحياز للحراك الثوري وفتح نوافذ الحوار مع قوى المعارضة، وهو الذي نفى أكثر من مرة تورطه في هذه الجريمة وإن اعترف مؤخرًا بمسؤولية بعض أفراده عما حدث.

حجب الإنترنت أثّر سلبًا على تواصل الثوار، لكنهم سرعان ما استبدلوه بوسائل أخرى مثل الاتصال المباشر وتوزيع المنشورات الورقية والملصقات

تدشين هاشتاغ بهذا المسمى، يتصدر التريند بعد ساعات قليلة من عودة الإنترنت، سيضع العسكر في موقف حرج جدًا، خاصة أنه يسبق المليونية التي دعت إليها قوى الحرية والتغيير المقرر لها الـ13 من يوليو الحاليّ، التي تناسب الذكرى الأربعين لمجزرة القيادة العامة.

جدير بالذكر أن حجب الإنترنت أثّر سلبًا على تواصل الثوار، لكنهم سرعان ما استبدلوه بوسائل أخرى مثل الاتصال المباشر وتوزيع المنشورات الورقية والملصقات، فيما اعتبر نشطاء أن هذه الخطوة تهدف إلى التعتيم على الاعتداءات التي تمارس على المتظاهرين المطالبين بحكومة مدنية، وقالوا إن قطع الشبكة عن الجمهور منح المجلس العسكري الحاكم "الغطاء اللازم لإجهاض المكاسب الزهيدة التي حققها المحتجون".

مباحثات لتشكيل حكومة انتقالية

في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، انطلقت اليوم أولى الاجتماعات التمهيدية بين قوى الحرية والجبهة الثورية لبحث تشكيل حكومة انتقالية في السودان، وذلك برعاية الاتحاد الإفريقي والحكومة الإثيوبية، فيما يأمل المشاركون بتشكيل الحكومة في أقرب وقت، فضلًا عن تنسيق عملية التحول الديمقراطي في البلاد.

تهدف الاجتماعات وفق مصادر إلى احتواء التباينات التي ظهرت بين الجانبين إثر الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في مطلع يوليو/تموز الحاليّ، موضحة أنها - أي الاجتماعات - ستتطرق أيضًا إلى القضايا المهمشة مثل قضية توحيد الجيش في السودان في ظل تعدد القوات السودانية، فضلًا عن قوات الحركات المسلحة.

معروف أن الجبهة الثورية السودانية تضم عددًا من الحركات المسلحة من أقاليم سودانية عدة، كما ضمت مؤخرًا عددًا من ممثلي الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني السوداني، وهي تنظيم معارض، وقد ساندت الحراك الثوري منذ بدايته إلا أنها لم تكن جزءًا مباشرًا في عملية التفاوض مع المجلس العسكري.

يرى السودانيون أنه لا تعارض مطلقًا بين المضي قدمًا في التفاهمات السياسية عبر الاتفاقيات والمفاوضات مع المجلس الانتقالي واستمرار الضغوط على العسكر من خلال تفعيل الحراك الثوري

وفي الإطار ذاته من المقرر أن يشارك في تلك الاجتماعات رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان مالك عقار، ومريم الصادق نائبة حزب الأمة القومي، ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، كذلك رئيس حركة العدل والمساواة السودانية جبريل إبراهيم، والأمين العام للحركة الشعبية - قطاع الشمال ياسر عرمان.

يسعى السودانيون من خلال تلك المباحثات إلى التوصل لصيغة توافقية ترضي جميع الأطراف بشأن المرحلة الانتقالية تجنبًا لحدوث أي انشقاقات أو خلافات من شأنها أن تجهض الحراك الذي يعد اللحمة والتكاتف أحد أبرز سماته محاولًا تماسكه حتى الآن، رغم محاولات التفتيت التي يتعرض لها من القوى المناهضة للثورة في الداخل والخارج.

وكان المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير قد أعلنا في 5 من يوليو الحاليّ التوصل - عبر وساطة إثيوبيا - إلى اتفاق لتقاسم السلطة خلال فترة انتقالية حُددت بثلاث سنوات وثلاثة أشهر، حيث تم تحديد نسبة كل طرف في المجلس السيادي المزمع، بجانب المجلس التشريعي تمهيدًا لإجراء انتخابات بعد انتهاء تلك الفترة.

انتظار وترقب

في تقرير سابق لـ"نون بوست" كشف أنه رغم حالة التفاؤل التي صاحبت إعلان اتفاق الخرطوم،  ففي المقابل هناك حزمة من التخوفات لدى البعض من تعرض الاتفاق للانهيار في أي وقت في ظل وجود عدد من التهديدات التي ربما تجعل مستقبله على المحك، خلال الفترة الانتقالية، وهو التخوف الذي ربما يعيد الأمور إلى المربع رقم صفر مرة أخرى.

التخوف الأول تمثّل في فقدان الثقة بين العسكر والقوى المدنية، فمنذ اللحظات الأولى للإطاحة بالبشير، تخيم حالة من عدم الثقة المتبادلة بين طرفي النزاع في السودان، وبات تقاذف الاتهامات والسجال السياسي بينهما السمة الأغلب رغم جلسات المفاوضات المتباينة التي عقدت في الآونة الأخيرة.

فيما يأتي القلق من حدوث أي انشقاقات داخل قوى المعارضة التخوف الثاني، وهو ما تسعى قوى الحرية والتغيير إلى تفاديه عبر فتح باب للحوار مع القوى السياسية الأخرى، من بينها قوى لم تشارك في الحراك، في محاولة للوصول إلى أرضية مشتركة تبقي على اللحمة والصوت الواحد.

هذا بخلاف القلق من تحركات محور الثورة المضادة الذي تقوده السعودية، الذي سيسعى بلا شك للحيلولة دون انتصار الثورة وتسليم السلطة كاملة لمدنيين، بجانب التخوفات التي أبداها البعض بشأن احتمالية نشوب انشقاقات داخل صفوف الجيش التي بدت إرهاصاتها تلوح في الأفق منذ فترة خاصة مع تصاعد أحلام حميدتي في كرسي الحكم مستندًا إلى وحدة الدعم السريع الذي يرأسها.

وفي المجمل يرى السودانيون أنه لا تعارض مطلقًا بين المضي قدمًا في التفاهمات السياسية عبر الاتفاقيات والمفاوضات مع المجلس الانتقالي واستمرار الضغوط على العسكر من خلال تفعيل الحراك الثوري وفضح جرائمه أمام العالم، وعدم الاستكانة إلى أي مكتسبات على المسار السياسي دون ترجمة ذلك إلى واقع فعلي.