الكونغرس الأمريكي

في إطار الحملة التي تشنّها المؤسسات التشريعية والحقوقية الأمريكية تنديدًا بالانتهاكات السعودية لحقوق الإنسان، تقدمّ رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور جيم ريش بمشروع قانون يطالب بمعاقبة المملكة على سجلها الحقوقي المشين، مسلّطًا الضوء على ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كونه المسؤول الأول عن تلك الانتهاكات.

تحرّك ربما ليس الأول من نوعه في وقت تشهد فيه العلاقة بين النظام الحاكم في السعودية وإدارة الرئيس دونالد ترامب حالة من التفاهم والتنسيق، وصلت في بعضها إلى الاستماتة في الدفاع عن شخوص بعينها أثبتت التحقيقات تورطها في جرائم عدة، رغم حملات الضغط الداخلية الممارسة.

مشروع القانون الذي يدعمه عضوا مجلس الشيوخ الديمقراطيان جين شاهين وكريس كونز والسيناتور الديمقراطي ماركو روبيو، هو المسعى الأحدث داخل الكونغرس لتحميل الرياض مسؤولية الانتهاكات الحقوقية التي مورست على بعض الأصعدة خلال الآونة الأخيرة، على رأسها مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول بتركيا، أكتوبر الماضي، والكارثة الإنسانية في اليمن التي تسببت فيها الحرب التي تشنها قوات التحالف بقيادة المملكة.

مراجعة العلاقات مع الرياض

يهدف ريش من خلال تقديم هذا المشروع إلى تحويله لقانون ملزم للإدارة الأمريكية بشأن ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة ضد السعودية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في الداخل والخارج، مؤملاً أن يوقع عليه الرئيس  ترامب، وأضاف للصحفيين "هذا جهد صادق للحصول على مشروع قانون يمكن إقراره ويصبح قانونًا".

”دأب ولي العهد على التصرف بطريقة متهورة، ومن ذلك اعتقال المعارضين لحكمه" هكذا يقول نص المشروع وفق ما نشرته "رويترز"، مضيفًا أن أفعال ولي العهد "تلحق ضررًا كبيرًا" بالعلاقات الأمريكية السعودية، إلا أن ذلك لا يمنع من إعادة النظر في تلك العلاقات ومراجعتها مرة أخرى.

السيناتور الأمريكي كريس كونز يعتبر أن علاقة بلاده بالسعودية تهدد قيم بلاده على حد قوله، مؤكدًا ضرورة وضع حد للدعم المقدم للمملكة في حربها ضد اليمنيين، تلك الحرب التي شوهت صورة الأمريكان في المنظمات الحقوقية ووضعت سمعتها الدولية على المحك في ظل الإصرار الواضح من البيت الأبيض على مواصلة الدعم، رغم علامات الاستفهام الكثيرة المحيطة به.

يحتل الدعم الأمريكي للسعودية وغض الطرف عن سجلها الحقوقي مكانة بارزة في مناقشات الكونغرس خلال العامين الأخيرين على وجه الخصوص، ففريق يطالب بوقف هذا الدعم لما يتضمنه من انتهاك خارق لمواثيق حقوق الإنسان الدولية ويشجع على المزيد من الانتهاكات، بينما يلتف فريق آخر على تلك المخاوف بزعم المكاسب المادية العائدة على البلاد من وراء هذا الدعم.

يعتبر ترامب مبيعات الأسلحة عاملاً مهمًا في توفير آلاف الوظائف للأمريكيين، ويرى السعودية ثقلاً موازنًا ضروريًا لنفوذ إيران في الشرق الأوسط

الرفض لسياسات ترامب الخارجية تجاه الرياض لم يقتصر على معارضيه فقط، بل هناك تيار كبير داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه يتبنى ذات التوجه المعارض، ولعل تصويت مجلس الشيوخ الشهر الماضي على وقف مبيعات أسلحة بـ8 مليارات دولار للسعودية والإمارات ودول أخرى خير دليل على موجة الرفض الواضحة لتلك السياسة.

حيث انضم عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين لإقرار مشاريع قوانين لعرقلة المبيعات في رفض لقرار ترامب تجاهل مراجعة الكونغرس لصفقات الأسلحة من هذا النوع وذلك بإعلانه حالة طوارئ نتيجة تهديدات من إيران، فيما وافقت لجنة العلاقات الخارجية ذات الأغلبية الجمهورية على تشريع منفصل أيده السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز العضو الكبير باللجنة يجعل من الصعب على ترامب تجنب مراجعة الكونغرس لمبيعات الأسلحة مما يسلط الضوء على غضب المشرعين من موافقته على مبيعات الأسلحة.

جدير بالذكر أن المشروع المقدم من رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالشيوخ لا يتضمن أي بنود تتعلق بعرقلة مبيعات الأسلحة للمملكة، بينما استعاض عنها بحظر سفر بعض أفراد العائلة الحاكمة الذين يعملون في الحكومة، وإن كان ليس من بينهم الملك أو ولي العهد.

لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الخطوة ستحظى بدعم قوي داخل الكونغرس بما يسمح بتمريرها كقانون ملزم للولايات المتحدة وإدارة ترامب، إلا أنها بلا شك ستحرّك المياه الراكدة في هذا الملف الذي بات وصمة عار في جبين السياسة الخارجية الأمريكية التي تفقد مصداقيتها الدولية يومًا تلو الآخر.

إدانات حقوقية دولية لولي العهد السعودي بسبب مقتل خاشقجي

المكاسب فوق الشعارات

أثار مشروع القانون عن مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية الكثير من الجدل ووضع عددًا من التساؤلات عن ازدواجية التوجه الأمريكي في هذا الشأن، إلا أن ريش أفصح عن ذلك بصورة واضحة حين قال إن وقف مبيعات الأسلحة قد يدفع السعودية تجاه الصين أو روسيا، وأضاف "يمكنهم الذهاب إلى السوق وشراء أسلحة من أي شخص يريدون".

وفي الوقت ذاته يعتبر ترامب مبيعات الأسلحة عاملاً مهمًا في توفير آلاف الوظائف للأمريكيين، ويرى السعودية ثقلاً موازنًا ضروريًا لنفوذ إيران في الشرق الأوسط، ومن ثم أجهض الرجل الذي يحكم أمريكا بعقلية السمسار 22 مشروعًا لرفض مبيعات الأسلحة، مستخدمًا حق النقض (الفيتو) ولم تحصل تلك المشاريع على أصوات كافية في مجلس الشيوخ لتجاوز الفيتو الخاص به.

مجلس النواب من المقرّر أن يصوت على بعض مشاريع القوانين الخاصة برفض مبيعات الأسلحة الأسبوع المقبل، ورغم أن إقرارها ربما يكون محتملاً في ظل سيطرة الديمقراطيين على المجلس، فإنها ستصطدم بالفيتو الترامبي حال فشلها في الحصول على أغلبية الثلثين في الشيوخ.

ترامب كان واضحًا مع نفسه ومع حليفه السعودي أكثر من المتعارف عليه، فبين الحين والآخر كان يلوح بضرورة دفع الرياض ثمن حمايتها، وصل في بعض الأحيان إلى التنويه بأنه لولا تلك الحماية لما استمر العاهل السعودي فوق كرسيه أكثر من أسبوعين

ليس الأول

لم تكن تلك الإدانة هي الأولى للرياض بشأن ملف حقوق الإنسان بها، ففي مارس الماضي، استعرض وزير الخارجية مايك بومبيو خلال مؤتمر صحفي عقده في واشنطن، ورئيس مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان في الخارجية الأمريكية السفير مايكل كوزاك ملخصًا للتقرير الذي تصدره الوزارة سنويًا، وقد شمل 200 دولة، وتناول بشكل تفصيلي تصاعد الانتهاكات الحقوقية في العالم عام 2018.

التقرير تضمن أبرز مظاهر الانتهاكات الحقوقية في السعودية، مركزًا على الجرائم الخماسية (عمليات القتل غير القانوني والإعدام بسبب الجرائم غير العنيفة والترحيل القسري والإخفاء القسري وتعذيب السجناء والمحتجزين على أيدي موظفي الحكومة)، هذا بخلاف جرائم أخرى من قبيل عمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفية والسجناء السياسيين والتدخل التعسفي في الخصوصيات وفرض القيود على حرية التنقل والقيود الصارمة على الحرية الدينية وافتقار المواطنين إلى القدرة على اختيار مواطنيهم من خلال انتخابات حرة والعنف والتمييز الرسمي تجاه المرأة والاتجار بالبشر.

التقرير كشف عشرات حالات التعذيب لسجناء داخل المعتقلات والسجون السعودية وهو ما أسفر عن نقل 17 معتقلاً إلى المستشفيات جراء الاعتداء عليهم جسديًا، فيما تصدرت قضية مقتل جمال خاشقجي قوائم الجرائم المرتكبة، مشيرًا إلى أنه على الرغم من إعلان النائب العام السعودي سعيه لإنزال عقوبة الإعدام بحق 5 معتقلين، وأن تحقيقات إضافية تجري بحق الـ10 الباقين، فإنه لم يذكر أسماء المعتقلين حتى اليوم، ولا أدوارهم في عملية القتل، ولم يقدم تفاصيلاً عن مآلات التحقيقات، هذا بخلاف الجدل بشأن تورط شخصيات بارزة في منظومة الحكم لم يقترب منها أحد حتى الآن رغم ما كشفته التحقيقات.

وفي يناير الماضي أقر مجلس الشيوخ الأمريكي، مشروع قانون ينهي الدعم العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية في الحرب على اليمن، المشروع صُوّت عليه بأغلبية 54 صوتًا مقابل 46 في المجلس المؤلف من 100 عضو لصالح القانون الذي يسعى لمنع القوات الأمريكية من أي نوع من المشاركة في الصراع بما في ذلك توفير دعم للضربات الجوية السعودية على صعيد الاستهداف دون تفويض من الكونغرس.

كارثة إنسانية في اليمن جراء الحرب التي تقودها السعودية ضد الحوثيين

ابتزاز وضغط

منذ الوهلة الأولى لتنصيبه رئيسًا لأمريكا في يناير 2017 فرض ترامب نفسه كـ"تاجر" بارع في جلب الأموال وتوفير فرص العمل والحصول على الاستثمارات من هنا وهناك، ولم يجد الرجل أفضل من حلفائه الخليجيين ليمارس عليهم مهاراته التجارية، وبالفعل لم يمر على تنصيبه أكثر من 4 أشهر حتى حصل على نصف تريليون دولار حصيلة زيارته للسعودية في مايو من نفس العام.

الرجل كان واضحًا مع نفسه ومع حليفه السعودي أكثر من المتعارف عليه، فبين الحين والآخر كان يلوح بضرورة دفع الرياض ثمن حمايتها، وصل في بعض الأحيان إلى التنويه بأنه لولا تلك الحماية لما استمر العاهل السعودي فوق كرسيه أكثر من أسبوعين، ومع ذلك سرعان ما يحصل الرجل بعدها مباشرة على وعود استثمارية جديدة من السعودية.

السعوديون كذلك يبدو أنهم أجادوا التعامل معه بعدما استقر في ضميرهم كيف يفكر وماذا يريد، ولعل هذا ما دفع المراقبون إلى تفسير استماتة الرئيس الأمريكي في الدفاع عن ابن سلمان في أزمة خاشقجي رغم ما كشفته التحقيقات والضغوط التي يتعرض لها داخليًا وخارجيًا بأن ذلك نوعًا من الابتزاز لكن هذه المرة الفاتورة ستكون باهظة.

لكن في الجهة الأخرى فإن تصاعد موجة الضغوط، داخلية كانت أو خارجية، على ترامب بشأن سياساته تلك يصب في السياق ذاته في الدفاع عن سمعة أمريكا الخارجية كدولة مؤسسات تتشدق بدفاعها عن حقوق الإنسان في مختلف دول العالم، لكن وفق ما ذهب إليه البعض فإن معادلة المال السعودي مقابل غض الطرف عن الانتهاكات لن تدوم طويلاً خاصة لو فشل ترامب في الفوز بولاية رئاسية ثانية.