ترجمة وتحرير: نون بوست

يكاد يكون من المؤكد أن لديك الآن زوجًا من سماعات الرأس بالقرب منك، حتى أنك قد تكون بصدد استخدامها أثناء قراءتك لهذا التقرير. فانطلاقًا من سماعات الرأس الاحترافية المتطورة التي تستخدمها كبرى استوديوهات الموسيقى وصولًا إلى سماعات الأذن بخسة الثمن التي سرعان ما تتوقف عن العمل في غضون شهر أو شهرين على أقصى تقدير، تعد سماعات الرأس أكثر أجهزة التكنولوجيا الاستهلاكية انتشارًا. ونظرًا لوجودها المستمر والأساسي في حياتنا، يبدو من المثير للدهشة أنها تمثل تكنولوجيا قديمة تعود إلى قرن من الزمان. وعلى الرغم من أن سماعات الرأس الأولى تعتبر غريبة إلى حد ما وفقًا لمعايير اليوم، إلا أن التكنولوجيا الأساسية كانت موجودة منذ أكثر من قرن ولم تتغير كثيرًا.

الإلكتروفون

على الرغم من أنه لا يُشبه تماما سماعات الرأس التي نعرفها اليوم، إلا أن الإلكتروفون اختُرع خلال تسعينيات القرن 19 في المملكة المتحدة، حيث سمح لمستخدمه بالاتصال بمشغل لوحة تبديل يقوم لاحقا بتوصيل المستخدم كي يستمع للعروض الحية وحتى خدمات كنيسة يوم الأحد في لندن. وقد ظل الإلكتروفون موجودا لمدة 30 سنة قبل أن يُستبدل في نهاية المطاف بتكنولوجيا الراديو التي صعدت في عشرينيات القرن الماضي، والتي كانت تحمل الفكرة ذاتها المرتبطة بسماعات الرأس اليوم، حيث تضع هذا الزوج السخيف من أجهزة الاستقبال على عصا ومن ثم على أذنيك. وعندها، يمكنك الاستماع إلى الموسيقى عند الطلب، كخدمة قديمة من آبل ميوزك، حتى أنك تكون قد دفعت رسوم الاشتراك لقاءها.

تأسست شركة الإلكتروفون في سنة 1894 ووصل عدد المشتركين فيها إلى 50 شخصا بحلول سنة 1896

في سنة 1906، ووفقا لإعلان نُشر على صفحة كاملة في دليل هاتف لندن، كان هناك 14 مسرحًا يمكن للمشتركين الاستماع إليها في أي ليلة، بينما كانت هناك 15 خدمة كنسية مختلفة أيام الأحد التي يمكنهم الاتصال بها. وفي الواقع، كانت الخدمة صغيرة الحجم وفقا لمقاييس اليوم، لكنها كانت تزداد شعبية. وقد تأسست شركة الإلكتروفون في سنة 1894 ووصل عدد المشتركين فيها إلى 50 شخصا بحلول سنة 1896. وقد نمت قاعدة مشتركيها إلى ألف شخص في سنة 1919، ووصلت إلى أعلى علامة مائية لها في 1923 مع ما يزيد قليلا عن ألفي مشترك. لكن، بحلول ذلك الوقت، كانت أجهزة الاستقبال اللاسلكية قد بدأت تكتسب شهرة واسعة، وخلال السنة التالية، في 1924، خسرت شركة الإلكتروفون ألف مشترك وتوقفت عن العمل في سنة 1925.

سماعات الرأس من ناثانيال بالدوين إلى جون كوس

في الوقت الذي كانت تتنامى فيه شعبية الإلكتروفون على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، كان ناثانيال بالدوين جالسا أمام طاولة مطبخه في سنة 1910 ويعبث بأسلاك نحاسية ملفوفة. وباستخدام أكثر من ميل لكل سماعة أذن، كان بالدوين يأمل في إيجاد طريقة لتضخيم صوت المواعظ في المعبد المورموني المحلي. وقد نجح في صنع جهاز يمكنه استقبال الصوت دون كهرباء، ووضع بتصميمه الأولي الأسس لتصميم غطاء الأذن للسماعات التي لا نزال نستخدمها إلى غاية اليوم.

والجدير بالذكر أن المستثمرين من القطاع الخاص سخروا من الفكرة آنذاك، لكن البحرية الأمريكية كان لها رأي آخر، حيث أنها اشترت العشرات من الأجهزة الجديدة لعمال اللاسلكي التابعين لها، ليُسجّل الاختراع انطلاقته من هذه النقطة. ووفقا لشركة سينس: "أعطى نشر الجيش لهذه السماعات، التي استخدمها البحارة لعزل الأصوات التي تُبث من مواقع بعيدة، جمالية وانفرادا أكبر من سماعات رأس الإلكتروفون المحمولة. ويصدر الصوت من قطع من النحاس الأصفر على شكل هوائي من كل سماعة، مما سمح بضبط سماعة الرأس حسب أحجام الرأس المختلفة، والتي أصبحت توحي بمظهر نمط ستيم بانك في قصص جول فيرن".

أثبتت سماعات كوس أنها تحظى بشعبية لا تصدق تماما مثلما استحوذت موسيقى الروك آند رول على صناعة الموسيقى

من جانبها، عملت العديد من الشركات على أجهزة مماثلة على مدار الأربعين سنة التالية، بما في ذلك شركة بايرديناميك الألمانية، التي أنتجت أول سماعات استهلاكية ديناميكية في سنة 1937. مع ذلك، جاءت القفزة الرئيسية التالية في سنة 1958، عندما اخترع المخترع جون كوس أول زوج من سماعات الرأس ستيريو. وقد كان الهدف منها بالأساس إظهار جودة مشغل الأسطوانات المحمول الذي تنتجه شركته، والذي كان يحتوي على مفتاح الاستماع الخاص الأنيق.

لقد أثبتت سماعات كوس أنها تحظى بشعبية لا تصدق تماما مثلما استحوذت موسيقى الروك آند رول على صناعة الموسيقى. وفي ستينيات القرن الماضي، قامت شركة كوس بالترويج المشترك لأحدث سماعات للرأس مع فرقة البيتلز، مما أدى إلى إنتاج "البيتلزفون" التي سُوّقت خصيصا للجمهور الأصغر سنا وبدء اتجاه تسويقي موجه نحو جمهور الاستماع للموسيقى الأصغر سنا بدلا من عشاق الموسيقى.

من سينهايزر إلى سوني إلى بوز إلى آي بود

بحلول نهاية الستينيات، لم تعد شركة كوس اللاعب الوحيد في السوق فيما يتعلق بسماعات الرأس. فقد بدأت شركات مثل فيليبس في طرح سماعات أكثر بأسعار معقولة، لكن سماعات سينهايزر إتش دي 414 مثلت الثورة الكبرى التالية في سماعات الرأس. ونظرا لتخليها عن تصميم أغطية الأذنين الإسفنجية والسميكة، كانت سماعات سينهايزر إتش دي 414 ذات تصميم مفتوح، ما جعلها أقل وزنا وحجما. وقد حققت نجاحا فوريا، حيث بيعت منها أكثر من 100 ألف وحدة في سنة 1969 وأصبح تصميمها هو التصميم الافتراضي لسماعات الرأس لأكثر من عقد من الزمان.

بينما كانت سوني تطلق ثورة موسيقية جديدة مع جهاز وُكمان في سنة 1979، استلهم الدكتور عمار بوز من الجودة الفظيعة لسماعات الرأس التي تُمنح للركاب أثناء السفر الجوي وطوّر طريقة لإلغاء الضوضاء الخارجية

ومن ثم، صدر جهاز وُكمان التابع لشركة سوني، الذي أُطلق في سنة 1979. وقد استفاد مشغل الموسيقى المحمول هذا من التصميم المفتوح وخفيف الوزن على غرار سماعات سينهايزر إتش دي 414 لخلق تجربة موسيقية محمولة والذي اجتاح العالم بسرعة. وفي حين أن الصوت الصادر عن سماعات الرأس المرفقة مع جهاز وُكمان كان رهيبًا عموما، استفاد صانعو الطرف الثالث لسماعات الرأس من نجاحات وُكمان، ومن مشغل الأقراص المضغوطة سي دي في وقت لاحق، الذي حقق نجاحًا كبيرا لسد الفجوة.

بينما كانت سوني تطلق ثورة موسيقية جديدة مع جهاز وُكمان في سنة 1979، استلهم الدكتور عمار بوز من الجودة الفظيعة لسماعات الرأس التي تُمنح للركاب أثناء السفر الجوي وطوّر طريقة لإلغاء الضوضاء الخارجية. وقد سُوّقت هذه التكنولوجيا بالأساس لاستخدامها من قبل الطيارين بدلا من المستهلكين، لكنها وصلت في نهاية المطاف إلى سوق الإلكترونيات الاستهلاكية بفضل سماعات الرأس "بوز كوايت كومفورت" في سنة 2000. ومن ثم، ظهر الآي بود.

في الواقع، لم تخترع شركة آبل سماعات الأذن، إذ أنها كانت موجودة منذ الأيام الأولى لجهاز وُكمان، ولكن قرار استخدام تصميم السماعات عندما أطلقت الشركة مشغل موسيقى "آي بود أم بي 3" الجديد في سنة 2001 رسّخ سماعة الأذن باعتبارها تصميم سماعة الرأس بحكم الأمر الواقع للعقد القادم. وانتهى الأمر بشركة آبل بشحن 600 مليون مجموعة من سماعات الأذن من الجيل الأول.

ما هو قديم يعتبر جديدا مرة أخرى، مع التخلص من الأسلاك

في سنة 2008، تعاون جيمي إيوفين مع أسطورة موسيقى الراب، أندريه يونغ، المعروف عالميا باسم دكتور دري، لطرح مجموعة جديدة من سماعات الرأس التي تُعرف باسم "بيتس من دكتور دري". وقد صُممت هذه السماعات لإعادة صوت السماعات القديمة الجهير من أجل مشاهد موسيقية جديدة تؤثر عليها موسيقى الراب والهيب هوب، وبالتالي، سجلت أغطية الأذنين القديمة عودتها بعد أن ظلت حبيسة منازل عشاق الموسيقى على امتداد جيل كامل تقريبا.

سيصر عشاق الموسيقى المستقبليون على أن السماعات التناظرية الهاي فاي ما تزال هي الوحيدة المناسبة للاستماع إلى الموسيقى.

وفي تطور رئيسي آخر حدث في الوقت ذاته، وبعد قرن من اختراعها، بدأت سماعات الرأس تصبح لاسلكية مع إدخال تقنية بلوتوث. ومع مرورها بذلك كله، احتفظت سماعات الرأس بوظيفتها الأساسية من خلال المساعدة على تزويدنا بالموسيقى التصويرية. وعموما، تميل التكنولوجيات إلى الظهور والاختفاء، لكن طالما أن هناك موسيقى، فستكون سماعات الرأس جزءا منها، إلى أن تُزرع في المخ رقاقات تسمح بإيصال الموسيقى كإشارات كهربائية مباشرة إلى خلايانا العصبية. ومثلما هو الحال الآن ومن قبل، سيصر عشاق الموسيقى المستقبليون على أن السماعات التناظرية الهاي فاي ما تزال هي الوحيدة المناسبة للاستماع إلى الموسيقى.

المصدر: إنترستنغ إنجينيرينغ