لا يتوقف إيلون ماسك، رجل الأعمال والمهندس الكندي - الأمريكي ذو الأصول الجنوب إفريقية، عن إبهار وإلهام العالم، عبر الاستثمار في ابتكارات تبدو مجنونة وغير واقعية للوهلة الأولى، في مجالات التكنولوجيا والعلوم، فمنذ دخوله سوق الصناعة والتطوير الإلكتروني، أدهشت أعماله العلماء والناس وحققت الكثير من أهداف حلمنا بها سنوات طويلة، أشهرها شركة space-x التي تعدّ الشركة الخاصّة الأولى على مُستوى العالم القادرة على إنتاج مركبات ومُحرّكات وصواريخ فضائية، وشركة تيسلا المنتجة للسيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية وأنظمة للقيادة الذاتية، وغيرها من مشاريعه المعروفة.

أمّا جديده الذي أفصح عنه قبل أيام قليلة، فاختراع جديد من شأنه ربط الدماغ البشري بشبكة الإنترنت من خلال زرع جهاز اتصال في الدماغ بشكل آمن وغير مؤلم، بالتعاون مع شركة "نيورالينك". الأمر الذي أثار اهتمام الكثير من جراحي الأعصاب والمجتمع التكنولوجي حول العالم نظرًا للنقلة الكبيرة التي من الممكن أن يحققها في علم جراحة الأعصاب وما تمثله من تقدم طبي ثوري، قد يضع حدًا لأمراض استعصى علاجها على مرّ التاريخ، كما أثار جدلًا حول الأخطار المحتملة لهذه التكنولوجيا.

الدماغ يتصل بالإنترنت

وفي التفاصيل، عقدت شركة "نيورالينك" وهي الشركة التي استثمر فيها إيلون ماسك مؤخرًا نحو 100 مليون دولار، مساء يوم الإثنين، مؤتمرًا أعلنت فيه عن شراكة جديدة لابتكار سيدخل إلى التجربة العام المقبل بالعمل مع المهندس ماسك، يقوم المشروع على أساس فكرة اقترحها إيلون على الشركة بربط دماغ الإنسان بشبكة الإنترنت من خلال زرع جهاز اتصال في الدماغ بشكل آمن وغير مؤذٍ، على غرار عمليات التجميل التي تتم بواسطة أشعة الليزر عن طريق روبوت يشبه "ماكينة الخياطة" يمكنه زرع أسلاك رقيقة جدًا داخل الدماغ.

ووفقًا للشركة فإن النظام سيكون في نهاية المطاف قادرًا على قراءة وكتابة كميات هائلة من المعلومات، على أن يتم استخدامها للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات دماغية، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن إمكانية تطبيقها على أشخاص عاديين في المستقبل وإن كان لها آثار نفسية أم لا. 

حجم المعالج الذي سيتم زرعه​

لم تكن فكرة هذا الابتكار جديدًة كليًا، فقد ذُكرت في رواية "Neuromance" الخيالية لمؤلفها ويليام جيبسون، حيث تحدث عن فكرة زرع جهاز يسمى "مايكروسوفت" متصل بالمخ يعمل على تزويد الإنسان بمعارف مثل تعلم لغة جديدة بشكل فوري.

فرص وآمال

سيساعد هذا المشروع في حل الكثير من مشاكل مرضى الأعصاب والمصابين باضطرابات عصبية، كما يمكن استخدام هذه الشريحة في علاج حالات مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة الذي يتسبب بالجنون من خلال تحديد وفرز الأنماط والنماذج لمختلف حالات الجسم الفيزيائية ثم توليد ذبذبات كهرومغناطيسية توجه نشاط الدماغ بخصائص محددة سلفًا. 

كما أن احتمال استخدام وصلات ثنائية الاتجاه بين الخلايا العصبية لهذه الشريحة يمكن أن يساعد العقل على أن يكون أكثر ذكاءً وقدرة على التفكير لإيجاد حلول للمشاكل والقيام بالعمليات الحسابية المعقدة. 

بينما قال المسؤولون التنفيذيون في شركة "Neuralink" بأن الطريق أمامهم ما زال طويلًا قبل أن يتمكنوا من البدء في تقديم هذه الخدمة التجارية، ولكنهم على استعداد كامل لمناقشة المشروع وطريقة سير العملية علانية.

وإلى ذلك، عبّر رئيس قسم الجراحة في "نيورالينك"، ماثيو ماكدوغال، عن فرحه بتحقق أحد أكبر أحلام جراحة الأعصاب قائلًا: "لقد تأثرت كثيرًا بعجزنا عن علاج الأمراض العصبية، ولكن الآن ولأول مرة في التاريخ أصبح بإمكاننا إيجاد حلول لبعض الأمراض المزمنة".

تحديات ومخاطر

بالرغم مما لهذا الابتكار من إيجابيات عدة وفوائد في مجال العلوم الطبية والمعالجة، إلا أنه يمكن أن يتحول إلى نقمة بسبب إمكانية زرعه لأشخاص دون رغبة منهم أو لأهداف تجسس وهو ما سيتيح السيطرة على أفكار الشخص وتحركاته واتخاذه أصغر القرارات، كالمشروع الذي تعمل عليه وكالة أبحاث الدفاع المتقدم مع الجيش الأمريكي بهدف زرع شريحة من شأنها أن تستعيد الذاكرة لمحارب تعرض لإصابة أو ضربة بالغة في الرأس أيّ ما يشبه صندوق أسود حاص بعقل الإنسان. كما أن مكان جهاز الاتصال غير المرئي داخل الدماغ سيصعب من عملية اكتشاف الخلل خلال وقت قصير في حال وجود سكتة دماغية أو ضرر فجائي.  

أما عن التحديات التي يمكن تواجه مشروع كهذا فهي بالتأكيد كثيرة؛ أهمها أن تكون الشريحة صغيرًة بما يكفي لكي توضع بالدماغ وملائمة للأنسجة بحيث لا تشكل أيّ ضرر. بالإضافة على قدرتها على تحمل حرارة زائدة أو حاجتها لصيانة طارئة. 

 وقد علق جون ماركوف وهو كاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت سابق على الخبر، قائلًا: "واحد من أكبر التحديات التي ستواجه العلماء العاملين مع ماسك هو قدرتهم على تحقيق رؤيته، وهو تحدٍّ كان وما زال موجودًا في مشاريعه السابقة مثل سفن الفضاء والأنفاق المستقبلية"، مضيفًا بأن شركة "Neuralink" ليست اللاعب الوحيد في هذا المجال الذي يمكن أن يوفر للمصابين بشلل نصفي أجهزة تساعدهم على التحكم في عقولهم، حيث يوجد منافسون آخرون مثل شركة فيسبوك.

لم يعد تحقيق هذه المشاريع بالأمر المستحيل أو غير الممكن، بل إن تقدم علوم التكنولوجيا وزيادة الارتباط بين العلوم الطبية والهندسات والفيزياء بهذه السرعة الفائقة يسّر تحقيقها في وقت قصير أكثر مما كنا نظن.