اجتماع لائتلاف قوى المعارضة السورية لبحث أزمة الترحيل الأخيرة

أطلقت المحنة الحادة التي عاشها اللاجؤون السوريون في تركيا خلال الأيام الماضية، وكان من أبرز مظاهرها ترحيل أي سوري يقبض عليه في الشارع وهو غير حامل لوثيقة الـ"كيملك" حتى لو كان مسجلاً ضمن الحماية المؤقتة، إلى شمال سوريا التي تشتعل فيها حرب الأسد وروسيا على المدنيين بلا هوادة، وما ولدته حالات الترحيل تلك من حالة فزع ورعب وسط السوريين الذين غاب آلاف منهم عن أعمالهم ومشاغلهم واعتصموا بمنازلهم خشية القبض عليهم في إحدى جولات التفتيش الأمنية بالشوارع وأماكن العمل وترحيلهم، في حالة شبهها البعض بحظر تجوال للسوريين، أسئلة كثيرة عن سوء التواصل بين السلطة التركية والسوريين وسط تساؤلات عن دور المؤسسات السياسية والاجتماعية السورية في تركيا وأسباب غيابها عن مشهد الأزمة.

يومًا بعد يوم تزداد التساؤلات عن غياب التمثيل السوري الرسمي في تركيا عند وقوع الأزمات الكبيرة، "ليصبح المسؤولون وأصحاب المناصب غائبين عن المشهد بشكل عام ولا يكون دورهم إلا كتابة تغريدة أو منشور على الفيسبوك يدعو الله بالفرج"، كما قال أحد المرحلين الذي تحدث إلينا في تقرير سابق، فيما تتقمص بعض المنصات المغمورة دور الفاعل الرئيسي والممثل الرسمي من غير تكليف أو تعيين أو انتخاب.

غياب

في خضم الأزمة تواردت تصريحات مطمئنة مصدرها ما يعرف بـ"منبر الجمعيات السورية" في تركيا، تفيد بأن قرار الترحيل تم إيقافه، ليعود المنبر نفسه ليقول إن الحملة الأمنية ما زالت مستمرة، وأقصى ما استطاع فعله هو تخصيص رابط يحتوي على استمارة مخصصة للذين تم ترحيلهم يضعون فيها معلوماتهم، ولم يتسن لنا التأكد من جدية هذه الاستمارة أو هل هي مرتبطة بالحكومة التركية أم لا.

ما لم تتمكن قوى الثورة السورية من إنجاز مهمة إيجاد قيادة حقيقية للثورة، تتمتع بالاستقلالية وتحافظ على قرارها فلن يكون هناك مرجعية يلجأ إليها السوريون

الكاتب السوري إبراهيم كوكي في حديثه لـ"نون بوست" قال: "منبر الجمعيات السورية في تركيا هي المؤسسة التي يتم عبرها تنظيم اللقاءات والاجتماعات السورية مع السلطات التركية"، معتبرًا أنه يجب "الضغط على منبر الجمعيات أو أي أحد لديه تواصل مع الحكومة التركية لتوضيح الإشكال الكبير بالقوانين قبل الانطلاق بتطبيقها، كونها تحمل إشكالاً وتمييزًا كبيرًا".

جورج صبرا، المعارض البارز ورئيس المجلس الوطني، أحد أهم الأجسام السياسية السورية المعارضة، أقرّ بغياب المؤسسات السورية الرسمية وعلى رأسها الائتلاف الوطني السوري والحكومة المؤقتة، عمّا يجري، ووصفها بـ "الشكلية"، واعتبر أن "حجم الاستقلالية في هذه المؤسسات ضعيف جدًا لذلك لا يتأمل السوريون منها خيرًا لأنهم يعرفون بالفعل محدودية الدور الذي تقوم به"، قائلًا: "جميع المؤسسات والجمعيات السورية في تركيا تحكم الأخيرة قبضتها عليها"، بحسب تعبيره.

وقال جورج صبرا: "ما لم تتمكن قوى الثورة السورية من إنجاز مهمة إيجاد قيادة حقيقية للثورة، تتمتع بالاستقلالية وتحافظ على قراراها فلن يكون هناك مرجعية يلجأ إليها السوريون".

بدوره، يرى الصحفي السوري غسان ياسين في حديثه لـ "نون بوست"، أن غياب دور المؤسسات السورية بشكل كبير في الحملة الأمنية الأخيرة على السوريين كان مؤثرًا وبارزًا، مضيفًا "لم يكن هناك قنوات تواصل رسمي سوري أو جهة واحدة تنقل الصورة للحكومة التركية للتقليل من الأضرار الناتجة عن القوانين الأخيرة بحق السوريين"، ويشير ياسين إلى وجود عشرات المنظمات والمؤسسات الرسمية السورية إلا أن هذا التشتت "أنتج ضررًا كبيرًا بالسوريين".

من الواضح أن الجمعيات السورية كانت أداة في الأيام الماضية لنقل القرارات التركية إلى الشارع السوري، دون أن تبذل الجهات السورية أي ضغط من طرفها لتحسين أوضاع السوريين مع الالتزام بالمصالح التركية

محاولات

لحفظ ماء الوجه والتقليل من حدة الانتقادات التي وجهت له، عقد الائتلاف الوطني ورشة عمل ولقاء تشاوري للنظر في القضية، وقال رئيس الائتلاف الوطني أنس العبدة، إنه أجرى عدة اتصالات مع جهات تركية مختلفة، لبحث الإجراءات المتخذة بحق اللاجئين والمقيمين في إسطنبول، والائتلاف يرتب لقاءً مع وزير الداخلية التركي سليمان صويلو خلال الأيام القليلة القادمة لهذا الشأن.

ولفت العبدة خلال اجتماع تشاوري عقدته الهيئة السياسية في الائتلاف مع عدد من الخبراء في الشأن التركي، إضافة إلى ناشطين وحقوقيين سوريين، إلى أنه سينقل توصيات مهمة لصويلو بهدف حل مشاكل السوريين المقيمين في تركيا.

ومنذ أيام عقد "الائتلاف الوطني"، ورشة عمل، بهدف مناقشة أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا وبحث المشاكل التي يواجهونها ومحاولة إيجاد حلول لها، وطرح الحاضرون في هذه الورشة اقتراحات متعددة صبت في طلب تأجيل تنفيذ القرارات ومنح فرصة للمخالفين لتسوية أوضاعهم، إلا أن مناقشة الحلول لم تنضج في الجلسة التي حددت 42 مشكلة تنتظر المراجعة في جلسات مقبلة.

من الواضح أن الجمعيات السورية كانت أداة في الأيام الماضية لنقل القرارات التركية إلى الشارع السوري، دون أن تبذل الجهات السورية أي ضغط من طرفها لتحسين أوضاع السوريين مع الالتزام بالمصالح التركية، وعندما أرادت الداخلية التركية إصدار القرارات الأخيرة، أجرى وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، اجتماعًا مع الإعلاميين والصحفيين السوريين وكان واضحًا من الاجتماع بحسب الصحفي ياسين، أن هدفه فقط إيصال القرارات للسوريين دون المشاورة فيها، وتمنى ياسين أن تكون الجهود السورية مؤسساتية أكثر من خلال جهة رسمية واحدة لقوننة وضع السوريين الموجودين الذي يتوقع بأن إعادتهم إلى سوريا تحمل خطرًا كبيرًا على حياتهم.

لم تبرز إلى الآن محاولة جادة وحقيقية حازت ثقة السوريين وتأييدهم، والمهمة ما زالت راهنة ومطلوبة وعلى الجميع أن يفكر بهذا الاتجاه

مهمة تشكيل جسم تمثيلي

أمنية الصحفي السورية تأتي من واقع أن السلطة التركية لم تتحدث بالقضية مع الائتلاف أو الحكومة المؤقتة، الجهتين اللتين يفترض أنهما تمثلان السوريين لدى أنقرة، بل أرسلت دعوة إلى الصحافيين السوريين الفاعلين مجتمعيًا وإعلاميًا في بيئات الجالية السورية بإسطنبول، وكأنها محاولة لإشاركهم بمحاولة تهدئة الشارع اللاجئ، لا أكثر.

وعودة إلى الكاتب السوري إبراهيم كوكي، الذي يلقي باللائمة على السلطات التركية في عدم وجود جسم يمثل السوريين في البلاد، فقد رأى أن "مسمى الجالية هو الناظم الرسمي في دول اللجوء أو الدول الأخرى"، ويطرح كوكي مثالاً واضحًا عن تمثيل الجاليات اللائجة في تركيا وهي الجالية البوسنية، مشيرًا إلى أن الأتراك حين كانوا يشرعون بسن قانون بشأن البوسنيين كان يتم الحديث مع إدارة الجالية قبل أي قرار.

صبرا تحدث بدوره عن "محاولات عديدة على مدار العامين الماضيين لتشكيل جسم سوري واحد للتواصل مع القيادة التركية"، من غير أن يوضح لماذا لم تنجز هذه المهمة، ويرى أنه من الواجب أن تكون هذه المهمة على رأس أعمال جميع السوريين كمؤسسات وأفراد إذا كانوا جادين في الاستمرار وراء أهداف إنقاذ الشعب السوري.

ولم تبرز إلى الآن محاولة جادة وحقيقية حازت ثقة السوريين وتأييدهم، والمهمة ما زالت راهنة ومطلوبة وعلى الجميع أن يفكر بهذا الاتجاه وفق صبرا، وفي حال وجود جهة سورية للتواصل مع السلطات التركية "فالواجب الأول عليها هو إيصال الصوت السوري قبل حدوث الإشكال وقبل صدور القانون"، كما يطالب كوكي.

ولا يعتبر تشكيل أي كيان جديد يمثل السوريين هو الأمر المطلوب حاليًّا، إنما المطلوب تفعيل دور المؤسسات الحاليّة بشكل فعلي كما يطلب الصحفي ياسين، ويرى أن تشكيل جبهة موحدة تضم أشخاص من كل الهيئات هو حاجة ماسة وعاجلة لتدارك أمر السوريين وبحث الإجراءات مع السلطات التركية.