ترجمة وتحرير: نون بوست
كتب: محمد علي بكير و جورجيو كافيرو

عندما أطلقت المملكة العربية السعودية ومجموعة من شركائها العرب والأفارقة عملية عاصفة الحزم خلال شهر آذار/ مارس 2015 للتصدي لتمرد الحوثيين في ​​اليمن، كانت الإمارات العربية المتحدة حليفة الرياض الأكثر أهمية. وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، اعتمدت المملكة العربية السعودية إلى حد كبير على الإمارات العربية المتحدة في الحملات الجوية التي تشنها وفي جمع المعلومات الاستخبارية، ناهيك عن العمليات الميدانية وتدريب المقاتلين اليمنيين المناهضين للحوثيين.

وخلال الشهر الماضي، بدأت الإمارات بسحب الدبابات وطائرات الهليكوبتر الهجومية الخاصة بها من اليمن، فضلا عن المئات من القوات الإماراتية من ساحل البحر الأحمر. وعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تسحب كل قواتها، إلا أن أنباء الانسحاب الشامل أثارت جدلا كبيرا في وسائل الإعلام الغربية حول طبيعة خطط أبو ظبي المستقبلية في اليمن.

تصاعد التوتر

تزامن استئناف الإمارات العربية المتحدة عمليات الانسحاب العسكري من اليمن مع تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الأمر الذي جعل الإمارات تتصور أنه يمكن لليمن التحول إلى ساحة معركة في صراع إقليمي أكبر. من جانب آخر، تثير هذه الخطوة جملة من التساؤلات المهمة حول مستقبل التعاون السعودي الإماراتي في اليمن وانعكاساته على قدرة التحالف العربي على الحفاظ على وحدته.

على الرغم من توجيه الكثير الانتقادات لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الدول العربية التي تشير بشكل خاص إلى  السعودية، إلا أن الصفقات التي أبرمتها واشنطن مع أبو ظبي تخضع في الوقت الراهن للمزيد من التدقيق

وحيال هذا الشأن، يزعم بعض الخبراء أن انسحاب الإمارات العربية المتحدة هو مجرد خدعة تهدف إلى تلميع صورة أبو ظبي على الساحة الغربية. وعلى خلفية تخلي المشرعين الأمريكيين عن دعم الحملة العسكرية التي تقودها السعودية والإمارات في اليمن، فإن الجهود التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة للنأي بنفسها بعيدا نفسها عن التداعيات السياسية السلبية لهذه الحرب تبدو عملية، لا سيما في ظل توقعات خسارة الرئيس دونالد ترامب لانتخابات السنة القادمة لصالح مرشح عن الحزب الديمقراطي.

على الرغم من توجيه الكثير الانتقادات لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الدول العربية التي تشير بشكل خاص إلى المملكة العربية السعودية، إلا أن الصفقات التي أبرمتها واشنطن مع أبو ظبي تخضع في الوقت الراهن للمزيد من التدقيق. وفي هذا الشأن، هدد السناتور الديمقراطي بوب مينينديز، الذي يعتبر عضوا بارزا في لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي للعلاقات الخارجية، بتجميد مبيعات الأسلحة الأمريكية الموجهة إلى الإمارات. وجاءت هذه التهديدات في أعقاب تقارير كشفت عن قيام أبو ظبي بنقل صواريخ أمريكية الصنع إلى القوات التي يقودها خليفة حفتر في ليبيا، وهو ما يعتبر انتهاكا صارخا للقانون الأمريكي والدولي.

من المؤكد أن دولة الإمارات العربية المتحدة لديها مخاوف بشأن رد الفعل العكسي الذي يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة بسبب الدور الذي تضطلع به البلاد في كل من اليمن وليبيا. وحتى إذا لم تقم واشنطن بإلغاء مبيعات الأسلحة إلى أبو ظبي، فإن هذا الاهتمام السلبي يعمل على تشويه سمعة دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن.

حرب مضللة

كان الضغط المتنامي الذي سلطته لندن على حرب اليمن واحدا من العوامل التي ساهمت في انسحاب أبو ظبي من اليمن. وخلال الشهر الماضي، قضت المحكمة العليا في المملكة المتحدة بأن تراخيص الأسلحة البريطانية إلى الرياض "غير قانونية"، وهو ما ينجر عنه تطبيق هذا الحكم على البلدان الأخرى المشاركة في التحالف العربي، بما في ذلك أبو ظبي. وفيما يتعلق بطبيعة العلاقات التي تربط الإمارات والمملكة المتحدة، ظلت قضية ماثيو هيدجز نقطة خلاف أخرى أضرت بمكانة أبو ظبي في لندن.

يبدو أن الإمارات العربية المتحدة مصممة على أن تظل لاعبا رئيسياً في اليمن، وذلك من خلال الجهود التي تبذلها من أجل دحر أعدائها وتوطيد نفوذها عبر وكلائها

من جانب آخر، يتمثل التصور التقليدي المتنامي بين المشرعين الأمريكيين في أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة وحلفائها يجب أن يواصلوا الحرب ضد كل من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة في اليمن، إلا أن حرب التحالف العربي المدعومة من الولايات المتحدة ضد الحوثيين تقوم على توجهات مضللة.

وباعتبار أن الإماراتيين أعربوا عن عزمهم على مواصلة حملة الإمارات المثيرة للجدل ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية بشكل واضح، فمن المحتمل أن يساهم تغير محور اهتمام أبو ظبي في كسب رضا وتأييد مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن.

اشتبك المقاتلين يمنيين مع قوات الحوثية في تعز في الثلاثين من شهر أيار/ مايو

في الواقع، يبدو أن الإمارات العربية المتحدة مصممة على أن تظل لاعبا رئيسياً في اليمن، وذلك من خلال الجهود التي تبذلها من أجل دحر أعدائها وتوطيد نفوذها عبر وكلائها. حتى مع انسحاب معظم القوات الإماراتية، سيبقى على الأراضي اليمينية قرابة 90 ألف مقاتل يمني مُدرّب على يد الإمارات العربية المتحدة.

 علاوة على ذلك، سيستمر هؤلاء الوكلاء، الذين يضمون رجال القبائل وقوات الأمن السابقة والانفصاليين الجنوبيين، في تلقي الأسلحة والمال من الإمارات العربية المتحدة. والجدير بالذكر أن الأمارات لا تزال ملتزمة بطموحاتها المتمثلة في السيطرة على البنية التحتية للموانئ الرئيسية في اليمن بشكل فعال.

في هذا السياق، كتب العالم السياسي الإماراتي الشهير عبد الخالق عبد الله: "إن القرار النهائي الذي دفع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى سحب قواتها من اليمن هو ثقتها التامة في القوات المحلية اليمنية لمواصلة مواجهة الحوثيين بمفردهم". وأضاف عبد الله:" لقد دربت دولة الإمارات العربية المتحدة قرابة 90 ألف جندي من القوات اليمنية مما يعني أن القوات قادرة على ملء الفراغ ودعم الحكومة اليمنية الشرعية واستكمال المهمة، فهي مدربة وجاهزة بشكل جيد كما أنه جرى اختبارها في المعركة".

موجة غضب دولي

ما هو مصير السعودية في ظل انسحاب الإمارات من اليمن؟ على الرغم من أن الرياض وأبو ظبي هما حليفتان وثيقتان للغاية، إلا أنهما لم يحاولا إخفاء موقفيهما المختلفين بشأن اليمن. على مدى سنوات، دعم الإماراتيون الانفصاليين الجنوبيين الذين يرفضون شرعية الرئيس اليمني المعترف به من قبل الأمم المتحدة، عبد ربه منصور هادي، والذي يشارك الرياض في سعيها للحفاظ على الوحدة بين الشمال والجنوب في اليمن. وعلى الرغم من التكهنات بأن مثل هذه الأجندات المتصادمة يمكن أن تتسبب في صدع كبير في التحالف العربي، فإن هذا لم يحدث، وعلى الأقل لم يظهر ذلك علنا.

في وقت سابق من هذا الشهر، تولى السعوديون قيادة المخا والخوخا، وهما ميناءان يطلان على البحر الأحمر استخدمتهما الإمارات المتحدة لمراقبة الساحل اليمني في محاولة للسيطرة على الحديدة

مع ذلك، ليس من الصعب تخيل أن المسؤولين السعوديين يشعرون بالإحباط إزاء النهج الإماراتي الحديث فيما يتعلق بالحرب في اليمن. وتجدر الإشارة إلى أن سحب الإمارات لأغلب قواتها سيحول اهتمام العالم نحو قوات التحالف التي تقوم بقتل المدنيين. ومع تمسك الرياض بجدول أعمالها لمواجهة الحوثيين، سيوجه العالم غضبه نحوها لاسيما مع استمرار أسوأ أزمة إنسانية في العالم في اليمن. ومع تركيز دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر نحو مكافحة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ستتكبد المملكة العربية السعودية عبء الحرب، حيث يستمر جيشها في محاربة الحوثيين.

في وقت سابق من هذا الشهر، تولى السعوديون قيادة المخا والخوخا، وهما ميناءان يطلان على البحر الأحمر استخدمتهما الإمارات المتحدة لمراقبة الساحل اليمني في محاولة للسيطرة على الحديدة. أما الآن يبقى أن نرى كيف سيتغلب الجيش السعودي على التحديات الجديدة في اليمن، لاسيما وأنه نشر قوات برية أقل بكثير من تلك التي نشرتها الإمارات منذ سنة 2015.

لا شك في أن إيران والمتمردين الحوثيين سيستغلون انسحاب الإمارات العربية المتحدة من اليمن لأغراض دعائية. فبعد مرور عدة أشهر على شن الحوثيين لهجمات ضد أهداف سعودية استراتيجية لبيات تقدمهم على الصعيد التكنلوجي، سيسعى كل من الإيرانيين والحوثيين إلى إثبات أن انسحاب الإمارات العربية المتحدة هو دليل على نقاط الضعف والانقسام داخل التحالف العربي.

كان للإماراتيين هدف آخر من المشاركة في الحرب في اليمن ألا وهو مواجهة قوى الإسلام السياسي، وبالتحديد التجمع اليمني للإصلاح، وهي جماعة محلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تتلقى دعما من الرياض

مع تعهد الحوثيين بضرب الإمارات في حال واصل الإماراتيون المشاركة في الحرب اليمنية، قد تكون المخاوف الأمنية الحقيقية من الأسباب التي دفعت أبو ظبي إلى إعادة النظر في نهجها. في الواقع، إن انسحاب الإمارات العربية المتحدة من الحرب يشير إلى الانقسامات الأساسية التي كانت موجودة في التحالف العربي منذ البداية. من جهتها، تعتقد أبو ظبي أن وضع أسس إدارة ودية في عدن أهم بكثير من مسألة شمال اليمن الذي يسيطر عليه الحوثيون. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإنها تفكر في الاحتمالات المتعلقة بتوحيد الحوثيين في شمال اليمن التي لها آثار مباشرة على أمن حدودها أكثر من أمن حدود دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد كان للإماراتيين هدف آخر من المشاركة في الحرب في اليمن ألا وهو مواجهة قوى الإسلام السياسي، وبالتحديد التجمع اليمني للإصلاح، وهي جماعة محلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تتلقى دعما من الرياض. والجدير بالذكر أن الإمارات العربية المتحدة قد حاولت في السابق إقناع القيادة السعودية بوقف دعم هذه الجماعة.

في الواقع، إن أحد أهم أولويات الإمارات المتحدة هو تعزيز دورها في جنوب اليمن والبحر الأحمر. وفي هذا الجزء من اليمن، يمكن لأبو ظبي أن تستمر في فرض نفوذها في جميع أنحاء البلد والقرن الأفريقي ومضيق باب المندب. لقد تسبب قرار سحب الإمارات لمعظم قواتها من اليمن في وضع الرياض في مأزق كبير، فقد أصبح الأمن القومي للمملكة العربية السعودية مهددا فعليا من قبل الحوثيين. ومن المؤكد أن هذا الخطر سيزداد مع إحراز المتمردين المتحالفين مع إيران تقدم فيما يتعلق باستخدام الطائرات دون طيار والقذائف. 

في ظل غياب التدخل العسكري المباشر لدولة الإمارات العربية المتحدة في الحرب ضد الحوثيين، ينبغي على الرياض أن تتعامل مع الأخطاء العديدة التي ارتكبتها في اليمن، والتي تسببت في جعل المملكة العربية السعودية منعزلة أكثر في خضم صراع يديره ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بمفرده.

المصدر: ميدل إيست آي