"أعلن للرأي العام السوداني والدولي والأفريقي أن الوفدين قد اتفقا اتفاقاً كاملاً على المشروع الدستوري".. بهذه الكلمات أعلن المبعوث الأفريقي إلى السودان محمد الحسن ولد لبات، أن قوى إعلان الحرية والتغيير المجلس العسكري الانتقالي، اتفقا، أمس الجمعة، على الوثيقة الدستورية.

لبات أضاف خلال مؤتمر صحافي في قاعة الصداقة في الخرطوم، بثّه التلفزيون الرسمي، أن الاتفاق قد تم بالفعل وأن الطرفين يعملان على ترتيب التوقيع عليه  بصورته النهائية، ليسدل الستار مؤقتًا على سجال دام طويلًا خاصة في الأيام الأخيرة بعدما شهد الشارع السوداني موجة من أعمال العنف تكللت بأحداث الأبيض، الإثنين الماضي.

وفي 17 يوليو/ تموز الماضي، اتفق المجلس والمعارضة على "الإعلان السياسي"، الذي ينص في أبرز بنوده، على تشكيل مجلس للسيادة (أعلى سلطة بالبلاد)، من 11 عضوا، 5 عسكريين يختارهم المجلس العسكري، و5 مدنيين، تختارهم قوى التغيير، يضاف إليهم شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين. ويترأس أحد الأعضاء العسكريين المجلس لمدة 21 شهرا، بداية من توقيع الاتفاق، تعقبه رئاسة أحد الأعضاء المدنيين لمدة 18 شهرا المتبقية من الفترة.

خطوة لاقت ترحيبًا كبيرًا من قوى سياسية وثورية عدة كونها أول الطريق نحو الاستقرار وبداية مرحلة انتقالية جديدة من التاريخ السوداني بعد الإطاحة بنظام قبع على سُدة الحكم لما يقرب من ثلاثين عامًا، إلا أنها في الناحية الأخرى أثارت تحفظات البعض كونها لم تحقق مطالب الثورة كاملة.

تفاصيل الاتفاق

ما اتفق عليه أمس لم يتطرق إلى التفاصيل الكاملة للاتفاق المزمع إلا أنه وضع الخطوط العريضة له لا سيما النقاط الخلافية التي نشبت خلال جولات التفاوض الأخيرة بين الطرفين، على رأسهما دور جهاز المخابرات العامة وقوات الدعم السريع، أقوى قوة شبه عسكرية في السودان.

ووفق الإعلان المتفق عليه، فإن قوات الدعم السريع سوف تتبع القائد العام للقوات المسلحة السودانية خلال فترة الحكم الانتقالي، فيما سيكون جهاز المخابرات العامة السوداني تحت إشراف المجلس السيادي ومجلس الوزراء، وذلك حسب الوثيقة التي قالت وكالة "رويترز" إنها اطلعت عليها.

علاوة على ذلك شكّل المجلس وقوى الحرية، فجر اليوم السبت، لجنة مشتركة مهمتها وضع جدول زمني يحدد موعد التوقيع النهائي على الاتفاق، وموعد تعيين رئيس الوزراء، فيما أشارت مصادر خاصة لـ "نون بوست" أن هناك رغبة قوية لدى الطرفين لإكمال خطوات الاتفاق والتوقيع عليه قبيل عيد الأضحى.

الخطوة التي سبقها تصعيد متبادل بين الطرفين أفضى إلى مزيد من تسخين الأجواء لاقت ترحيبًا كبيرًا من معظم القوى السياسية التي اعتبرتها إنجازا يحسب للمسار الثوري وانتصار واضح على مخططات وأد الحراك وإجهاضه بمختلف السبل

عضو وفد التفاوض عن قوى إعلان الحرية والتغيير، بابكر فيصل، قال إن "التوقيع على الاتفاق النهائي مع المجلس العسكري سيكون غداً الأحد"، مضيفا أن "الطرفين أكملا اتفاقهما على وثيقية الإعلان الدستوري، وماتبقى فقط هو عمل اللجان الفنية المتعلق بالضبط اللغوي وأعمال الصياغة القانونية"، لافتا إلى أنه "سيتم توجيه الدعوات لعدد من رساء الدول المجاورة والصديقة، لحضور مراسم  تكوين الحكومة الجديدة"، متوقعا أن تنتهي اللجنة من علمها اليوم، حسبما نقلت عنه وكالة "الأناضول".

فيما أكد مصدر أخر إلى أنه " في البداية سيعلن تشكيل مجلس السيادة ورئيس الوزراء، وبعدها سيتم إعلان الحكومة"، وتابع "كل تلك المراحل تتم في جدولة زمنية سنتفق فيها مع المجلس العسكري".

القيادي بالجبهة الثورية (أحد القوى المنضوية تحت لواء قوية الحرية والتغيير) التوم هجو، أشار إلى أن وثيقة السلام ستناقش بعد الفراغ من النقاش حول بقية الوثيقة الدستورية، مضيفًا  "ستناقش وثيقة السلام التي تم توقيعها مع قوى التغيير في (العاصمة الإثيوبية) أديس آبابا، عقب الفراغ من الوثيقة الدستورية اليوم (السبت)"، معربًا عن تفاؤله بأن تكون هذه المفاوضات، هي الحل النهائي لقضايا البلاد ومشاكلها.

خطوة إيجابية

الخطوة التي سبقها تصعيد متبادل بين الطرفين أفضى إلى مزيد من تسخين الأجواء لاقت ترحيبًا كبيرًا من معظم القوى السياسية التي اعتبرتها إنجازا يحسب للمسار الثوري وانتصار واضح على مخططات وأد الحراك وإجهاضه بمختلف السبل، حتى وإن لم تتحقق كافة الشعارات المرفوعة منذ أول تظاهرة في التاسع عشر من ديسمبر 2018.

رئيس حزب المؤتمر (أحد مكونات تحالف نداء السودان، المنضوي تحت قوى إعلان الحرية والتغيير)، عمر الدقير، قال إن الإتفاق على "الإعلان الدستوري" يفتح الطريق لتشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية، لتباشر تنفيذ برامج الإصلاح، مضيفا في بيان له أن هذه الخطوة ستفتح الطريق لتشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية والتي ستباشرتنفيذ برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي على الواقع.

وأضاف "وستكون من أهم أولويات هذه الحكومة هو الإهتمام بقضية السلام والتحقيق المستقل الشفاف للكشف عن قتلة الشهداء ومحاسبتهم"معربًا عن أمله أن يكون تشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية بداية عهد جديد، يحترم فيه التنوع وتنجز فيه المصالحة الوطنية، وتابع "نتمسك فيه بوحدتنا ونتسلح فيه بالوعي ونشحذ إرادتنا الجماعية من أجل العبور إلى وطن جديد لحياة كريمة للشعب".

الجبهة الثورية بدورها رحبت بالاتفاق ووصفته بـ"الإنجاز الكبير في مرحلة حساسة من تاريخ السودان، وسيمهد الطريق لتكوين هياكل الفترة الانتقالية ويفتح الباب لتحقيق السلام"، مع العلم أنها كانت أحد القوى التي أبدت تحفظا كبيرًا على الاتفاق منذ بداية التفاوض بشأنه، لا سيما فيما يتعلق بعدم تطرق الاتفاق لقضايا مناطق النزاع المسلح، ودخلت في جلسات تفاوض مستمرة مع قوى الحرية للوصول إلى صيغة مشتركة للإعلان خلال الأيام القليلة الماضية.

القيادي في "حركة العدل والمساواة" – إحدى مكونات الجبهة الثورية- ، عبد العزيز نور عشر، اعتبر الاتفاق "مهمًا جداً وجاء في وقت حساس للغاية"، معرباً عن أمله في "أن تستفيد كل القوى السياسية من الأخطاء والتجارب السياسية في الحقب الماضية، من أجل صياغة مستقبل بعيداً عن تلك الأخطاء".

وردًا على تحفظات الجبهة، أوضح عشر أن "الوثيقة الدستورية استوعبت قضايا السلام"، وأن "الرؤية ستتضح بنهاية يوم الغد بصياغة الوثيقة في صورتها النهائية"، مؤكدًا أنها – أي الجبهة الدستورية-  ستشارك في كل هياكل السلطة الانتقالية بعد تحقيق السلام.

الاتفاق لم يحقق طموحات الثوار، ولم يستجب للشعارات التي رفعت منذ انطلاق الثورة، والتي يتصدرها مدنية كاملة للدولة، وعدم فتح الباب مجددًا أمام أي حكم عسكري

تحفظ وترقب

وفي الجهة الأخرى هناك من أبدى تحفظه على الاتفاق معتبرًا أنه لم يحقق أهداف الثوار كما أنه لم يعبر عن كافة الشعب السوداني، إذ أن الشخوص الموقعة عليه لم تكن منتخبة ولم تُمثل شعبيا بالشكل الكامل، حسبما يرى أنصار هذا الفريق.

الصحفي السوداني وائل نصر الدين، عضو ائتلاف شباب السودان (تكوين سياسي مستقل داعم للثورة)، وصف الاتفاق بأنه "مجحف وظالم" لافتًا إلى أن "شرعيته زائفة"، إلا أنه في الوقت ذاته عبر عن قبوله ما دام جزء كبير من الشعب ارتضاه، وإن لم يبدد تخوفاته بشأنه.

نصر الدين في مقطع مصور له نشره على صفحته على "فيس بوك" عدًد مخاوفه بشأن الاتفاق، موضحا أنه سيمد في عمر المجلس العسكري لمدة 3 سنوات أخرى يحكم خلالها البلاد، حتى يخلع أحد أفراده البزة العسكرية بنهاية الفترة الانتقالية، ويرتدي الزي المدني ويترشح مرة أخرى للرئاسة، كما حدث في السيناريو المصري.

الرأي ذاته ذهب إليه  الناشط السوداني، عبدالقادر أحمد، الذي أكد أن الاتفاق لم يحقق طموحات الثوار، ولم يستجب للشعارات التي رفعت منذ انطلاق الثورة، والتي يتصدرها مدنية كاملة للدولة، وعدم فتح الباب مجددًا أمام أي حكم عسكري، خاصة بعد الحصاد المر الذي جنته السودان خلال العقود الماضية.

أحمد في تصريحاته لـ "نون بوست" ألمح إلى أن هذه الخطوة رغم أنها محفوفة بالمخاطر كونها ترسخ للحكم العسكري خلال الفترة القادمة، وهي أخطر الفترات وأهمها في تاريخ السودان الحديث، إلا أنه يمكن الاستناد إليها كخطوة أولية نحو فرض المدنية كواقع أقرته كلمة الثوار.

وأضاف أنه بالإمكان أن يكون هناك تفاهمات مستقبلية بين قوى الحرية والتغيير وبعض القوى الأخرى غير المنضوية تحت لوائها في محاولة لتكوين جبهة قوية تعبر عن عموم الشعب السوداني، هذه الجبهة تصبح مستقبلًا المتحدث باسم الشعب في مواجهة التيار العسكري الذي بلا شك ستقوى شوكته، داخليا وخارجيًا، خلال المرحلة الانتقالية.

وفي المجمل تبقى الفترة القادمة هي المحك الحقيقي للاتفاق المبرم بين المجلس والمعارضة، ورغم العديد من القنابل الموقوتة في طريق تنفيذ هذه الوثيقة إلا أن التجربة ستكون معيار التقييم الوحيد لاختبار مدى تأكيدها لمكتسبات الثورة، وفي الوقت ذاته فإن الاتفاق بشأن التفاصيل ربما يكون أصعب من الاتفاق ذاته، وهو ما تكشفه الأيام القادمة.