تراجعت الصحة النفسية للطفل عند تقليل وقت الشاشة وارتفعت بقدر معين ثم بدأت في الهبوط مرة أخرى

ترجمة حفصة جودة

يقولون لك الجلوس أمام الشاشة سيء لك، ثم يقولون إنه جيد، ثم يقولون، إنه سيء مرة أخرى، دعوني أفسر لكم، بعد صدور كتابي "سيكولوجية ألعاب الفيديو" بوقت قصير تم دعوتي لحضور ندوة لتقديم محاضرة بعنوان: "ألعاب الفيديو: أداة مساعدة أم إلهاء ضار"، كنت قد خططت مع زميلي في الندوة لتناول النقاش بشأن دور ألعاب الفيديو وغيرها وذلك بالتحدث عن فوائدها للطفل في حال مشاركة الوالدين فيها.

لكن الأمور لم تسر كما هو مخطط لها، فخلال ثوانٍ حدثت جلبة بين الحضور ووقف رجل يشتكي بصوت عالٍ من ابنه الذي منذ اكتشافه لعبة "Minecraft" لم يعد يذهب في أنشطة خارج المنزل مثل صيد الأسماك أو بناء الأثاث، واشتكى الآخرون من أن أطفالهم يقضون الكثير من الوقت أمام الشاشات.

حاولنا اتباع طريقة متوازنة مبنية على نتائح الأبحاث لكن الحضور لم يعجبهم ذلك، وفي النهاية أعرب الرجل الغاضب عن خيبة أمله بسبب عنوان الندوة المضلل وقال: "كنت أعتقد أنكم ستقفون بجانبنا وتخبروننا عن حل للمشكلة".

لم يكن هذا الأب الوحيد في مخاوفه، فقد أظهرت دراسة للأطفال أجريت عام 2015 في المملكة المتحدة أن الوقت الذي يقضيه الأطفال على الإنترنت تضاعف من 8 ساعات في الأسبوع إلى نحو 19 ساعة خلال 10 سنوات، لذا ليس من الغريب أن نتساءل عن تأثير وقت الشاشة على صحة الأطفال.

من أكثر الأفكار المهيمنة على وقت الشاشة هو "فرضية الإحلال"، حيث تقول الفكرة إنه في حال قضاء الطفل الوقت أمام الشاشات فهذا يعني أن الأنشطة الأخرى تختفي من يومه، فإذا كان طفل أحد الحضور يقضي الوقت وهو يلعب "Minecraft" فإنه لن يتمكن من الوجود في الخارج مع والده ليتعلم صيد الأسماك.

لكن هذه الفرضية لا تضع في اعتبارها أن الناس يستخدمون الشاشات للقيام بأنشطة أخرى بطرق مختلفة، فابنتي الكبرى على سبيل المثال قد تقضي 5 ساعات في اليوم أمام الشاشة، وخلال هذا الوقت تقوم بتلك الأنشطة: الدردشة مع أصدقائها، رسم شخصيات رقمية، الجلوس أمام التلفاز مع والدتها، الاستماع لمقاطع صوتية، اللعب على الإنترنت، متابعة فنانيها المفضلين على إنستغرام، وتقول معظم الدراسات إن الكثير من الآباء يتعاملون مع هذا النوع من استخدام وقت الشاسة بنفس تعاملهم مع الطفل الذي يقضي نفس الوقت وهو يلعب فقط لعبة "Fortnite".

لكن نظرًا لمركزية الأجهزة الرقمية في عملنا وأنشطتنا الاجتماعية وتواصلنا، فلا يمكن اعتبار "وقت الشاشة" يحل محل أنشطة أخرى أكثر فائدة، في الحقيقة، يمكننا أن نتوقع إصابة الأطفال بعدة أضرار إذا لم يستخدموا الشاشات بقدر معين، وكبديل لـ"فرضية الإحلال" يمكننا أن نستخدم "فرضية الاعتدال"، فالقليل جدًا أو الكثير جدًا من وقت الشاشة سيء لطفلك، أما قضاء وقت الشاشة بالقدر المناسب فهو يعود بفائدة على الصحة النفسية.

هذه هي الفرضية التي اختبرها باحثان من جامعة أوكسفورد في ورقة بحثية بعنوان: "اختبار واسع المدى لفرضية الاعتدال: تحديد العلاقة بين استخدام الشاشات الرقمية والصحة النفسية للمراهقين"، جمع الباحثان معلومات عن عدد من المراهقين في المملكة المتحدة، ليصلوا إلى نتائج بيانات بخصوص وقت الشاشة والصحة النفسية لأكثر من 120 ألف شاب.

وقد وجدوا بالفعل أدلة على "فرضية الاعتدال"، حيث تراجعت الصحة النفسية عند تقليل وقت الشاشة وارتفعت بقدر معين ثم بدأت في الهبوط مرة أخرى، تضمن البحث عدة أنواع مختلفة من استخدام الشاشات بما في ذلك مشاهدة التلفاز وألعاب الفيديو واستخدام الحاسب الآلي واستخدام الهواتف الذكية، وأظهرت النتائج نفس النمط المعتدل في كل مرة.

في الحقيقة، كان الباحثون قادرين على تحديد "نقاط الانعطاف" التي يكون فيها استخدام وقت الشاشة مفيدًا وبعدها يبدأ في الانحدار، كانت تلك النقاط كالتالي: ساعة و40 دقيقة في اليوم لألعاب الفيديو، وساعة و57 دقيقة في اليوم للهواتف الذكية و3 ساعات و41 دقيقة في اليوم لمشاهدة التلفاز والفيديو، و4 ساعات و17 دقيقة في اليوم لاستخدام الحاسب الآلي بشكل عام، وفي عطلات نهاية الأسبوع كانت "نقاط الانعطاف" ترتفع أكثر من ذلك.

الملاحظة الأخيرة بشأن تلك الدراسة أنه حتى مع تجاوز تلك النقاط فإن تأثير وقت الشاشة سيكون صغيرًا بنسبة (d = -0.18)، هذا الرقم يعني أن استخدام الشاشة زيادة عن الوقت المناسب سيكون تأثيره أقل من 1% على الصحة النفسية للطفل، ويقول الباحثون إن التأثير السلبي للإفراط في وقت الشاشة أقل من ثلث حجم الروابط الإيجابية بين صحة الطفل وتناول الإفطار بانتظام (d = 0.54) أو الحصول على نوم جيد ومنتظم (d = 0.58).

إضافة إلى ذلك، أجرى باحثون في جامعة أوكسفورد عام 2019 دراسة أخرى باستخدام بيانات لوقت الشاشة والرفاهية النفسية لأكثر من 17 ألف شخص في المملكة المتحدة وأيرلندا والولايات المتحدة الأمريكية، وكانت النتائج بشأن حجم تأثير وقت الشاشة على الرفاهية النفسية تضع الأمور في نصابها حيث تقول: "يحتاج المراهقون إلى الإبلاغ عن 63 ساعة و31 دقيقة من الاستخدام اليومي للتكنولوجيا للحد من رفاهيتهم النفسية بانحراف معياري قدره " 0.50".

لذا تصفحوا الإنترنت وألعبوا بعض الألعاب وتعلموا قواعد التواصل الاجتماعي على الإنترنت، لكن تأكدوا من حصولكم على حصة نوم كافية ولا تنسوا تناول وجبة الإفطار.

المصدر: فوربس