ترجمة وتحرير: نون بوست

نظرًا لتدفق المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي الذي حدّد نمطا معيّنا لإيقاع الحياة اليومية في الخرطوم منذ بدء الثورة السودانية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بات من الضروري ترسيخ مفهوم الانتفاضة من منظور تاريخي أوسع. إن الثورات من الأحداث المثيرة للجدل أكثر من كونها اجتهادات سياسية بحتة، إذ تسعى هذه الانتفاضات جاهدة إلى إعطاء معنى للحاضر من خلال البحث عن الدوافع التاريخية والتعويل على المراجع السابقة لتشكيل المجرى الحالي للأحداث.

على هذا النحو، كانت الحركة الثورية السودانية تعجُّ بالمراجع التاريخية. ويعود الاستخدام المكثف لمصطلح "الثورة" في الأغاني والشعارات إلى الثورات السودانية السابقة التي وقعت في سنوات 1883 و1924 و1964 و1985 وهو المعنى الأكثر شيوعًا من خلال ترجمتها الإنجليزية.

الزخم السياسي

أكدّ الفشل المتكرر في المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وجماعات المعارضة مرونة النظام الاستبدادي الذي تأسس منذ سنة 1989، حيث أدّى هذا الفشل إلى تحويل الزخم السياسي تُجاه اللجان الثورية المحلية، التي غذّت التوترات السياسية المستمرة في العاصمة من خلال سدّ الطرقات، وحرق الإطارات، وخوض المواجهات المباشرة مع الأجهزة الأمنية؛ مشكّلين بذلك البُعد الثوري الأنسب للحركة السودانية.

حرص النقاد على ربط الانتفاضات الثورية الأولى الواقعة في عطبرة بتاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر بمكانة المدينة في التاريخ السوداني

من المُتوقّع أن تُواجه الاتفاقية التي أبرمت في الثالث من آب/ أغسطس، صعوبات لا تُحصى ولا تُعدّ، إذ من المُحتمل أن تُحسم مسألة تطهير الشبكة المتشعّبة والمتكوّنة من المؤسسات والإدارات التي اضطلعت بدور رقابي في المجتمع السوداني طوال الثلاثين سنة الماضية. وتُعتبر ثورة السودان واحدة من أولى الخطوات نحو ثورة سياسية تندرج ضمن قُوى تاريخية أكبر.

تاريخ الثورات

حرص النقاد على ربط الانتفاضات الثورية الأولى الواقعة في عطبرة بتاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر بمكانة المدينة في التاريخ السوداني، فيما يتعلّق بتراثها الشيوعي إلى جانب الدور المهم الذي تحظى به نقابات عمال السكك الحديدية. وتعتبر المدينة واحدة من النقاط المحورية للسياسة الراديكالية في السودان خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما بعد الانقلاب الشيوعي الفاشل الذي حدث سنة 1971، الذي شهدت المدينة خلاله، أي في ظلّ نظام حكم النميري، تدمير أنشطتها السياسية وشبكتها الاقتصادية.

وقع التّخلي تدريجيا عن نظام السكك الحديدية، وأُعيدت هيكلة نظام النقل حيث أصبح يتمحور حول الطرق والشاحنات. وقد تعكس عطبرة فشل النظام الحالي، وهي منطقة لطالما اعتقد النظام أنّه قد فاز بها في التسعينيات، في نفس الوقت الذي يُستحضر فيه أيضًا الزمن الذي استفاد السودان خلاله من واحدة من أكثر أنظمة النقل تطورا في القارة الأفريقية. ويمكنُ استيضاح بُنية المدينة بسهولة أكبر كرمز أكثر من الدمازين، وهي مدينة هامشية جغرافيًا وتاريخيًا، أين بدأت الاحتجاجات الأولى في 13 كانون الأول/ ديسمبر.

الانقلابات العسكرية

وقع مقارنة الثورة الحالية بالثورتين السابقتين لسنتي 1964 و1985، إمّا لفهم نقاط الاختلاف على مستوى التعبئة الشعبية، أو لتحديد المبادئ التوجيهية لتجنب تكرار إخفاقات كلّ منهما؛ حيث أجهضت كلتاهما بشكل عاجل من قبل الجيش.

أفراد من قوات الدعم السريع السودانية يقومون بدورية في الخرطوم في 10 حزيران/ يونيو.

أثار الاعتصام الذي حدث خارج مقرّ قيادة الجيش السوداني، الذي تم تفرقة المشاركين فيه بشكلٍ عنيف في الثالث من حزيران/ يونيو، جدلا واسعًا بين المحتجين، كما أعاد تسييس أولئك الذين شعروا بالتهميش والحرمان من حقوقهم. ويُذكر أنّ النماذج الثورية السابقة قد أخذت بعين الاعتبار لتكون بمثابة حُججٍ داعمة لأهداف انتفاضة السودان الحالية.

في نفس السياق، وقع تحليل فشل الثورة المصرية، التي قُضي عليها جرّاء انقلاب سنة 2013، على أنّه كان نتيجة لديمومة مفهوم "الدولة العميقة"، وهذا يُعتبر درسا للقيام بتحرّك جذري ضدّ حزب المؤتمر الوطني السوداني. كما وقعت الاشارة إلى الثورة الفرنسية في بعض الأحيان على أساس أنّها نموذج ثورة سياسية مكتملة الجوانب قامت على الوحدة الوطنية.

إلى من يعود هذا التاريخ؟

أصبحت المراجع التاريخية واضحة أيضًا من خلال مباركات "كانداكا" للمتظاهرات. وتَقترنُ هذه الإشارة بالملكات النوبيات زمن الممالك المروية وباستحضار الماضي العريق كحلٍّ لمواجهة الصعوبات الاقتصادية الحالية التي ابتُلي بها السودان منذ عقد تقريبًا. كما تسلّط الضوء على دور المرأة السودانية في الثورة مشيرة إلى السودان في مرحلة ما قبل الإسلام، وربما ذُكرت هذه المقارنة لوضع الأسس لمستقبل ما بعد الإسلاميين.

تميل إشارات الانتفاضة السودانية الحالية إلى تهميش التجارب التاريخية مثل الثورة المهدية سنة 1883، أو ثورة العلم الأبيض سنة 1924

من جهتها، أكدت الباحثة عزة أحمد عبد العزيز بأسلوب مقنع، أنّ نجاح صورة آلاء صلاح في ثوبها الأبيض يعود إلى أسس الحركة النسوية في أواخر الخمسينيات. ولا تزال مثل هذه العروض خاصة بالنساء السودانيات، وتميل إلى حصر المشاركة السياسية في نخبة معينة من النساء "المتعلمات" القاطنات قرب الأنهار.

تميل إشارات الانتفاضة السودانية الحالية إلى تهميش التجارب التاريخية مثل الثورة المهدية سنة 1883، أو ثورة العلم الأبيض سنة 1924. ومن السّهل تعبئة الحركات الثورية اللاحقة، ليس فقط لأن الشهود العيان في ثورتي 1964 و1985 لا يزالون على قيد الحياة، وإنما لأنهم يرتبطون أيضا بذاكرة جماعية أكثر توافقًا مع الجهات السياسية المهيمنة في السودان.

في الواقع، قادت الثورة المهدية السودانيين إلى فترة ما زالت تعتبر اليوم مستبدة وعنيفة وتتسبّب في نوع من الخلافات. وخلال الأشهر القليلة الماضية، حرص بعض المراقبين على وضع هذا الأمر بعين الاعتبار مع التأثير الجديد لقوات الدعم السريع في العاصمة.

وفقًا للمؤلفة إيلينا فزاديني، وقع على نفس المنوال تهميش ثورة 1924 في الذاكرة الجماعية السودانية، وذلك بسبب الافتراض المستمر بأنّها لم تكن حركة سودانية بحتة، بل كانت نتيجة للتلاعب المصري المسلط على السودانيين المستضعفين، وهو ما لم يتناسب مع الرواية الوطنية.

الهوية الوطنية

إن التركيز على الثورتين الأخيرتين، أو على التاريخ القديم الأسطوري، يبدو غير سياسي وغير مثير للجدل، فهو يتجنب التعقيدات والتوترات في تطورات الهوية السودانية الوطنية. وهذا يتماشى مع رؤية تاريخية معينة فضلت تصورًا مركزيًا حول النيل في إطار الحيز السياسي للسودان، الذي كان يميل إلى تهميش السكان في الشرق والغرب والجنوب على حد سواء.

يبدو أن الإجماع الذي ميّز الأشهر الأولى للثورة من خلال إدانته الصريحة للحزب الحاكم قد تخطى تدريجيا الخطوط المعقدة التي تتقاطع مع الهويات العرقية والاجتماعية والجنسانية

يمكن تفسير الإدانات الموجهة لدور محمد حمدان دقلو (المعروف أيضًا باسم حميديتي) في الثورة الحالية والجرائم التي يُتهم بها، من منظور هياكل السلطة والهوية المتشابكة، التي يغذيها خرقه لمسار الهيمنة السياسية لوادي النيل من قبل النخبة.

يبدو أن الإجماع الذي ميّز الأشهر الأولى للثورة من خلال إدانته الصريحة للحزب الحاكم قد تخطى تدريجيا الخطوط المعقدة التي تتقاطع مع الهويات العرقية والاجتماعية والجنسانية. وإذا تم توحيد النخب القاطنة بالقرب من الأنهار ومعظم الطبقة الوسطى السودانية الناشئة حول رفض العنف الذي تمارسه قوات الدعم السريع وتأثير حميديتي المكتسب حديثًا، فإن الأحياء الأكثر تهميشًا ستكون مسرحًا للنقاشات الحادة حول حقيقة الدور الذي تلعبه قوات الدعم السريع في قمع الثورة والشائعات المتعلقة بالأعمال الخيرية لحمديتي في المناطق الفقيرة.

لكن نادرًا ما تنقل وسائل التواصل الاجتماعي صوت هذه الفئة وتتطرق إلى مدى تعقيد تلك المناقشات. ودون التغاضي عن أفعاله، يواصل البعض دعمه على أمل الحصول على مستقبل أكثر إشراقًا وإعادة هيكلة ديناميات تاريخية طويلة الأجل لصالحهم. وعلى هذا النحو، تكشف الثورة السودانية عن الكثير من الثغرات في التاريخ السوداني بقدر ما تعيد تشكيله بنشاط.

المصدر: ميدل إيست آي