على كرسي خشبي بجوار إحدى ملاهي الأطفال القابعة في شارع الهرم بمحافظة الجيزة، كان يجلس أبو فراس، ممسكًا بيديه ملفًا مكتظًا بالأوراق ذات الألوان المختلفة، بدا على وجهه منذ الوهلة الأولى حالة من اليأس والغم، لكن سرعان ما انتقض الرجل حين شعر بخطوات تقترب منه، ليعيد رسم بسمته المعهودة التي قلما فارقت ثغره.

"تعبت ومليت من استخراج أوراق الإقامة وجوازات السفر، ما في شيء بينتهي، كل يوم مطالب جديدة ورسوم جديدة، وما عدت أتحمل كل هذا الشقاء".. بهذه الكلمات بدأ المواطن السوري المقيم في مصر حديثه، معبرًا عن حجم الأزمات التي يواجهها وأسرته وبنو وطنه، وذلك بعد إلحاح دام طويلاً لحثه على الكلام، إذ كان ممتنعًا بداية الأمر، مبررًا ذلك "مفيش فايدة".

يضيف أبو فراس الذي يبلغ من العمر 50 عامًا أن أزمة استخراج الإقامة وجوازات السفر باتت الشغل الشاغل لما يزيد على 240 ألف سوري مقيمين فوق الأراضي المصرية، كاشفًا أن الأمر المخجل على حد وصفه، أن ما يواجهه من سفارة بلده في القاهرة أضعاف ما يتعرض له من بيروقراطية السلطات المصرية.

موجات من المد والجذر تعرض لها السوريون في مصر على مدار 7 أعوام مضت، تعرضوا خلالها لصور عدة من المعاناة، لعل آخرها الحملات الإلكترونية الممنهجة ضد نجاحاتهم الملموسة في الشارع المصري، التي يبدو أنها أقلقت مضاجع أصحاب رؤوس المال وبعض الحاقدين، إلا أن رأس المعاناة الأكبر وذروة سنامها يتمثل في إنهاء أوراق الإقامة التي من دونها لا يستطيع السوري التحرك ولا مباشرة عمله.

معاناة دائمة

يبدو أن المعاناة باتت وردًا يوميًا لأغلب السوريين في المحروسة، فما كاد يمر يوم دون أن تطرح مشاكل الإقامة والمعيشة على مائدة النقاش الأسري، هذا ما ألمح إليه الحاج نذير الذي يدير مطعمًا في منطقة السادس من أكتوبر بالجيزة، كاشفًا أنه كل صباح مطالب بتوفير قرابة 100 جنيه (6 دولارات) يوميًا لتجديد جوزات سفر وإقامات أسرته.

نذير أضاف لـ"نون بوست" أن الوضع بات صعبًا للغاية مع موجة الأسعار المرتفعة الأخيرة، التي زادت من معاناة المواطن السوري الذي لم يجد أمامه بدًا من العمل ليل نهار للوفاء بما عليه من التزامات، ورغم صعوبتها إلا أنه ربما تكون مقبولة إلى حد ما، على حد قوله.

إنهاء معاملة له في الجوازات أو الإقامة ربما تستغرق أكثر من أسبوع مع أنها لا تأخذ إلا خمس دقائق فقط، هذا بخلاف أسلوب التعامل الذي يكون في معظمه سيئًا من الضباط الموجودين في مصلحة الجوازات

إلا أنه أعاد مجددًا العزف على وتر "الإقامة وجوازات السفر" التي قفزت أسعارها بصورة تفوق في كثير منها قدرات غالبية السوريين المقيمين في مصر، هذا بخلاف آفة البيروقراطية في إنهاء تلك المعاملات التي ربما يتضاعف تأثيرها أكثر من تضاعف قيمة الرسوم ذاتها.

كما أشار إلى أن هذه المسألة، في إشارة إلى الإقامة والجوازات، مسألة حيوية للغاية، "فدونها يصبح وجودنا في مصر مهددًا خاصة في ظل التشديدات الأمنية الأخيرة"، وتابع: "قد نتحمل أي ظروف معيشية سيئة لكن فجأة وبين غمضة عين وانتباهتها ربما لا تجد لنفسك مكانًا في البلد وعليك مغادرتها فورًا وإلا عرضت نفسك للعقوبة والسجن".

كما أوضح أن إنهاء معاملة له في الجوازات أو الإقامة ربما تستغرق أكثر من أسبوع مع أنها لا تأخذ إلا خمس دقائق فقط، هذا بخلاف أسلوب التعامل الذي يكون في معظمه سيئًا من الضباط الموجودين في مصلحة الجوازات، وتابع "بعض المرات أكون موجودًا أمام المصلحة من الفجر حتى أجد لنفسي مكانًا في طابور ربما يمتد لعشرات الأمتار".

وبالتوجه إلى مصلحة الجوازات بمجمع التحرير بالقاهرة (حكومية) أكد مصدر بداخلها أنه ليس هناك أي رسوم مفروضة على إقامات السوريين، فقط يتحملون قيمة الطوابع التي لا تتجاوز 50 جنيهًا (23 دولارًا)، أما ما يقال غير ذلك فيتم عبر الأبواب الخلفية، وليس للمصلحة علاقة بذلك.

جدير بالذكر أنه في الـ30 من مارس 2017، أقر البرلمان السوري، مشروع قانون رفع رسوم منح وتجديد جوازات السفر للسوريين الموجودين خارج سوريا، حيث ارتفعت رسوم المعاملات المالية بقنصلية الجمهورية العربية السورية بالقاهرة، إلى 300 دولار (نحو 5.400 جنيه مصري) لاستخراج جواز سفر عادي، و800 دولار (14.400 جنيه مصري) للجواز المستعجل، و350 دولارًا لاستخراج جواز سفر جديد بدل التالف.

ارتفاع كبير في رسوم الإقامة للسوريين في مصر

تضييق الخناق بعد 30 يونيو

"شتان بين الوضع قبل 30 من يونيو 2013 والوضع الآن، فما قبل هذا التاريخ كان يعامل السوري معاملة المصري، ولم تكن السلطات المصرية تدقق حينها في إقامات السوريين، كان جواز السفر وحده كافيًا لشرعنة الإقامة في مصر، لكن سرعان ما تغير الحال بعد ذلك، ليجد المواطن السوري نفسه أسير تضييقات أمنية أفسدت عليه حياته".. هكذا أوضح المحامي السوري فراس حاج يحيى حال مواطني بلدته.

وأضاف أن السوريين باتوا مطالبين بوضع إقامة على جواز سفرهم، واصطحابه أينما ذهبوا، كما صدر قرار يطالب السوريين الراغبين دخول مصر بالحصول على تأشيرة دخول وموافقة أمنية من السفارات المصرية بالخارج، ثم صدر قرار بإعفاء السوري الذي يمتلك إقامة سارية المفعول بمصر لمدة لا تقل عن سنة لغير أغراض السياحة من الحصول على تأشيرة دخول لمصر إن غادرها لمدة لا تزيد على 6 أشهر.

وتابع أن هذا الوضع دفع العديد من السوريين لشرعنة وجودهم القانوني في البلاد عبر مراجعة دوائر الهجرة والجوازات ووضع إقامة، سواء كانت بسبب الدراسة للشخص صاحب العلاقة أم لأحد أبنائه أو بناته أم بسبب العمل أم لامتلاكه مشروعًا تجاريًا في مصر أم لتسجيله في مفوضية اللجوء.

لكن في الوقت ذاته فإن فكرة الحصول على إقامة تقليدية ليست نزهة كما يتوقع البعض، فهي مسألة شاقة للغاية وربما تكلف الكثير من الوقت والمال، هذا ما أشار إليه الإعلامي السوري ياسر المسالمة الذي يرى أن صعوبة الحصول على مثل هذه الإقامات العادية دفع الكثيرين إلى تسجيل أسمائهم في مفوضية اللاجئين للحصول على إقامة لاجئ، وتابع "وهذا في حد ذاته كارثة وباب من المعاناة".

وأمام هذه المستجدات ربما يجد السوري نفسه مضطرًا لطرق الأبواب الخلفية، حيث يقع في شباك النصابين الذين يوهمون زبائنهم بأن لهم علاقات قوية بجهات سيادية وأن بمقدروهم الحصول على تأشيرة الإقامة نظير مبلغ مالي معين، وهو الفخ الذي وقع فيه كثير من السوريين ووصلت فاتورة التأشيرة الواحدة في بعض الحالات ألف دولار، حسبما جاء على لسان أحدهم.

صاحب الجواز المدون عليه ختم اللاجئ يتعرض لصعوبات بالغة من السفارة، فهو لا يستطيع تجديد جواز سفره إلا بشق الأنفس، ولا يستطيع استخراج وثائق وأوراق رسمية له من السفارة استجابة لطلب العديد من المصالح الحكومية المصرية

سفارة النظام تعاقب أبنائها

لم تشفع لهم معاناتهم اليومية في الغربة، بعيدًا عن الأهل والأحباب، وهروبهم من ويلات الحرب في بلادهم، إذ وضعوا كذلك على مقصلة العقاب من سفارة النظام السوري في مصر، تلك السفارة التي ارتأت أن تعاقب أبناء بلدها الفارين من جحيم الصراع، معتبرة إياهم "خونة" لا يستحقون حتى المساعدة ولو كانوا في بلاد غير بلادهم.

"ما يزيد على ساعة من التحقيقات المتواصلة، وأسئلة مكررة كل مرة، لماذا غادرت الوطن، ومن غادر معك، هل تعرفون أحدًا من الجماعات المسلحة التي تحارب في سوريا، هل انضم أحد منكم لتلك الجماعات، هل تمولون من الخارج، من أين أتيت بمال تجديد الجواز والإقامة....".. هكذا وصفت زبيدة، ذات الأربعين عامًا، معاناتها داخل سفارة بلادها في القاهرة.

وتضيف في حديثها لـ"نون بوست": "مع كل مرة أتوجه فيها لتجديد الجواز الذي تحدد فترة صلاحيته بعامين فقط، أتعرض لهذا التضييق"، لافتة أن الأسئلة الموجهة وأسلوب توجيهها يحمل الكثير من الدلالات، و"كأننا خونة، هذا بخلاف أنهم في السفارة يضعونا على قوائم انتظار طويلة وكأنه نوع من التعذيب".

كما أشارت أن استخرج جواز السفر من السفارة يستغرق قرابة شهرين، وهو ما يعني ضرورة التوجه قبل انتهاء مدته بفترة كافية، ومع متابعة السفارة بين الحين والآخر تواجه ذات المعاملة، على عكس آخرين يعاملوا معاملة جيدة للغاية، لكن معروفًا عنهم ولاؤهم الشديد وتأييدهم لنظام بشار الأسد، قائلة: "والله ملناش في السياسة.. فقط جئنا هنا لنحافظ على حياتنا لا أكثر".

واتساقًا مع ما قالته المواطنة السورية، فإن صاحب الجواز المدون عليه ختم اللاجئ يتعرض لصعوبات بالغة من السفارة، فهو لا يستطيع تجديد جواز سفره إلا بشق الأنفس، ولا يستطيع استخراج وثائق وأوراق رسمية له من السفارة استجابة لطلب العديد من المصالح الحكومية المصرية، ولا يستطيع إجراء أي معاملة له في السفارة (زواج - طلاق - تسجيل أطفال"، إضافة لذلك فهو لا يستطيع السفر خارج مصر إلا إذا ألغى هذه الإقامة، وذلك بحسب محاميين سوريين.

وحاولنا في "نون بوست" تلقي رد السفارة على ما وجه إليها من اتهامات إلا أن أحد أعضاء مكتبها الإعلامي اكتفى بالرد المقتضب بأن السفارة لا تفرق بين أحد من السوريين، وما يحدث ليس إلا إجراءات روتينية هدفها تقديم رؤية شاملة عن طبيعة المواطنين المقيمين في مصر، وتجنبًا لأي مشاكل أمنية قد تحدث مستقبلاً يدفع جميع السوريين ثمنها.

جهود مضنية من السوريين للتغلب على عقبات الحصول على الإقامة وجوازات السفر

أنواع الإقامات

تتعدد صور الإقامات التي تمنح للسوريين في مصر، يأتي على رأسها إقامة الدراسة، وهي التي يحصل عليها السوري المقيد في جامعة أو مدرسة وتكون مدتها سنة، ويستطيع الأبناء تزويد آبائهم بالإقامة بشرط وجود أوراق تثبت قيد الطالب، وتتطلب حزمة من الأواق للحصول عليها أبرزها: إثبات قيد من المدرسة أو الجامعة يفيد بتقييد الطالب (ويتم تقديمه لمصلحة الجوازات والهجرة التابعة لمدينة الطالب)، وإيصال مصروفات مدرسية، وعقد إيجار موثق من الشهر العقاري، وفاتورة كهرباء.

ثم تأتي إقامة الاستثمار، وهي التي يحصل عليها المستثمر المقيم على الأراضي المصرية الذي يؤسس شركة، سواء شركة مساهمة أم ذات مسؤولية محدودة أم شركة أشخاص وتكون مدتها سنة وقد تمتد إلى خمس سنوات.

يستطيع المستثمر الحاصل على تلك الإقامة في أغلب الحالات تزويد أفراد عائلته من الدرجة الأولى بالإقامة، ويشترط فيها أن تكون قيمة تأسيس الشركة 650 ألف جنيه مصري (35 ألف دولار تقريبًا).

كذلك هناك إقامة العمل، إذ تحق للسوري الذي يعمل لدى شركة بشكل قانوني مع وجود تأمين خاص به، مدتها سنة، بجانب اشتراط وجود عمالة مصرية في الشركة يصل عددهم إلى 9 مصريين لديهم تأمين العمل وهو العامل رقم 10، والحصول على إقامة، هذا بجانب إقامة العقار، إذ يشترك تملك عقار على الأراضي المصرية، وذلك من خلال شراء العقار عن طريق أموال محولة من بنك (يثبت أن هذه الأموال تم تحويلها من خارج مصر لشراء العقار)، وأن يكون سعر العقار 100 ألف دولار أو ما يعادل هذا الرقم للحصول على إقامة سنوية، و400 ألف دولار للحصول على إقامة خمس سنين.

في حال تأخر السوريين في الحصول على الإقامات أو جوازات السفر تطبق عليهم غرامات التأخير التي أقرتها الحكومة المصرية في فبراير 2017، التي تدخل حيز التنفيذ بعد انتهاء الإقامة بأسبوعين فقط، وتبلغ 1053 جنيهًا لأول ثلاثة شهور بعد انتهاء الإقامة

أما خامس أنواع الإقامات فهي إقامة الزواج، إذ يحق للسوريين الحصول عليها عند الزواج من حاملي الجنسية المصرية، وتمتد لـ(سنة و3 سنوات أو 5 سنوات)، بجانب إقامة سياحية، التي تكون مدتها 6 أشهر فقط، وآخرها إقامة اللجوء، التي تمنح لحاملي البطاقة الصفراء التي تصدر من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتكون مدتها ستة شهور، ويجب تجديدها بعد انتهاء المدة.

علمًا بأن كل الإقامات سالفة الذكر ليست كلها تبيح الدخول إلى مصر بعد مغادرتها، إنما فقط الإقامات السنوية تحمل هذه الخاصية، أي أن حاملي الإقامة السياحية أو إقامة اللجوء لا يحق لهم دخول مصر مجددًا في حال الاعتماد على هذا النوع من الإقامات، هذا بخلاف أنه لا يمكن توكيل محامٍ لاستخراج الإقامة، وعلى السوري نفسه أن يقوم بذلك وهو أمر شاق ومكلف جدًا.

وفي حال تأخر السوريين في الحصول على الإقامات أو جوازات السفر تطبق عليهم غرامات التأخير التي أقرتها الحكومة المصرية في فبراير 2017، التي تدخل حيز التنفيذ بعد انتهاء الإقامة بأسبوعين فقط، وتبلغ 1053 جنيهًا لأول ثلاثة شهور بعد انتهاء الإقامة، ثم يضاف 500 جنيه مصري لكل ثلاثة شهور لاحقة، وتحصل الغرامات عند تجديد اللإقامة أو عند السفر خارج مصر.

وهكذا.. بين مطرقة العودة للهيب الحرب المشتعلة في بلادهم وسندان تحمل بيروقراطية السلطات المصرية وتعنت سفارة نظام الأسد في القاهرة يقبع ما يزيد على ربع مليون سوري في مصر في معاناة شبه يومية، يدفعون بسببها المال والوقت، وفي بعض الأحيان الصحة والحياة، في انتظار نهاية أقل تراجيدية لهذه المسرحية التي طال أمد عرضها، مؤملين أنفسهم بإزالة الغمة والعودة إلى بلادهم مرة أخرى.