ترجمة وتحرير نون بوست

سلطت رواية توماس مان "الموت في البندقية"، الضوء على شغف روائي وكاتب عجوز مشهور وتأثره بجمال البلاد خلال فصل الصيف الذي لاح فيه وباء الكوليرا الصامت. ولا تزال صور المدينة بالأبيض والأسود تصور الآثار المفقودة للمنطقة، التي تبحر الزوارق المحلية في مياهها.

في هذا الإطار، أفاد شكري الحسن، وهو أستاذ علوم البحار في جامعة البصرة، خلال حديثه مع الصحيفة قائلا: "لقد تغير كل شيء بشكل كبير منذ تلك السنوات التي كانت فيها البصرة تُلقب بفينيسيا الشرق وكانت القنوات تشق جميع أنحاء البصرة بجمال لا يوصف. في المقابل، أصبحت هذه القنوات في الوقت الراهن أنهارا من القمامة. لقد اختفت جميع الحدائق من حولها. ويؤلمني أن أتذكرها وأشاهد الصور التي التُقطت منذ ثلاثة عقود خلت".

من خلال تحليله لمياه شط العرب، نقطة التقاء نهري دجلة والفرات الذي يمر عبر المدينة، لم يبق هناك أي مجال للشك، حيث أكد الحسن قائلا: "لقد وجدنا آثارا للمواد الكيميائية والطحالب السامة والبكتيريا ذات التركيز العالي من الملح. وفي البصرة، لا توجد محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، حيث تصب كل المجاري ونفايات الشركات، بما في ذلك شركات النفط والمنازل الخاصة، في النهر". وتجدر الإشارة إلى أن البصرة تقع على بعد حوالي 550 كيلومترا جنوبيّ شرقيّ بغداد، وكانت وجهة صيفية مثالية في الشرق الأوسط للسياح.

لا تزال الشناشيل، المنازل التي بنيت في القرن التاسع عشر مع واجهات شعرية خشبية، تمثل متاهة من القنوات المصممة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، عندما عاش العراق تحت نير الإمبراطورية العثمانية. ولعقود من الزمان، أبحرت قوارب مزدحمة بالسياح، كانوا مفتونين بشارع البندقية العراقي إلى المنطقة. وفي الواقع، ترسو القوارب القليلة التي ما زالت تقاوم إلى اليوم على تيارات من الزجاجات البلاستيكية والهياكل العظمية الحيوانية وأكياس القمامة. وفي شط العرب، لم يتبق سوى مجداف وذكريات وحنين إلى الماضي. وفي هذا الصدد، قال قاسم السحلاني، وهو مقاتل مقيم بالمنطقة رفض التزام الصمت على الرغم من التهديدات التي يتلقاها يوميًا فضلًا عن اعتقاله مؤخرًا: "خلال السنة الماضية، تعرض حوالي 160 ألف شخص للتسمم بسبب المياه، لقد وقع التخفيف من حدة هذه الأزمة نوعا ما بفضل موسم الأمطار الذي جرّ جزءا من الأوساخ. في المقابل، لم تفعل الحكومة شيئا لحل مشاكلنا".

في ظل وجود حوالي أربعة ملايين نسمة في حدودها غير المستقرة، تعد البصرة المدينة الثانية في العراق. وفي الميناء المجاور، وهو الميناء الوحيد في العراق، يرسو اليخت الفاخر الذي كان في يوم ما القصر العائم لصدام حسين. وتشحن أرصفة هذا الميناء حوالي 95 بالمئة من صادرات البلاد النفطية. في المقابل، جعلت نعمة الذهب الأسود المدينة التي أسسها الخليفة عمر في سنة 637 ميلاد، طي النسيان.

نبذة عن الإبحار عبر القنوات في المدينة منذ أكثر من نصف قرن.

على مدى قرون، حول الموقع الاستراتيجي مدينة البصرة إلى مفترق طرق تجاري وساحة تثير مطامع الكثيرين، حيث كانت مسرحا للمعارك بين العرب والعثمانيين والفرس. وفي ثمانينات القرن الماضي، بدأت مدينة البصرة تفقد رونقها شيئا فشيئا، بعد أن شوّهتها الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران، وأغرقتها العقوبات الدولية التي فُرضت على نظام صدام حسين.

وتجدر الإشارة إلى أن الغزو الأمريكي لسنة 2003 ووصول نخبة حاكمة جديدة إلى بغداد لم يساهم في ترميم شوارع البلدة، التي تعد رمزا لويلات الفساد والهجر. وفي هذا الصدد، قال وسام جعفر، المؤلف الذي كتب تقريرا كاملا منذ أشهر كشف من خلاله عن مكانة المركز الثقافي للعراق في يوم ما: "البصرة مدينة مُدمرة وأصبح في الوقت الراهن من غير المعقول مقارنتها بالبندقية".

خلال السنة الماضية، تسببت معاناة بندقية الشرق في إشعال موجة من الاحتجاجات العنيفة، التي كانت بمثابة صحوة غير معتادة في المنطقة التي اعتبرها المواطنون مصدر فخر. وفي هذا السياق، قال السحلاني إن "البصرة تعد مدينة غنية، ولا ينبغي لها أن تعاني من مشاكل مالية. وعموما، كل ما تمر به المدينة كان بسبب الأحزاب الفاسدة وغير الفعالة التي عمدت إلى تقسيم المناصب فيما بينها. فمع ارتفاع درجة الحرارة إلى حوالي 50 درجة وانقطاع التيار الكهربائي المستمر، تغري هذه القنوات الشباب". وواصل الحسن حديثه قائلا: "لا يوجد حظر رسمي على السباحة، حيث يمارس العديد من الأطفال والشباب ذلك دون التفكير في العواقب. ولقد رأيت صغارا يعانون من أمراض جلدية خطيرة".

تصريف المياه الملوثة إلى القنوات

في المقابل، لا تعدو الوعود المتعلقة بإرسال المساعدات التي قدمتها الوكالات الدولية والحكومة منذ السنة الماضية لتهدئة الغضب، إلا أن تكون مجرد وعود زائفة. وفي الحقيقة، فقدت المدينة، التي لا تزال تتمتع بمعالمها السياحية الرئيسية، على غرار جزيرة السندباد حيث، وفقا للأسطورة، بدأ فيها البحار رحلاته حينما كانت أشجار النخيل التي تنمو في الضواحي مليئة بالتمور ذات المذاق الطيب، رونق الحقبة القديمة، حينما كان السكان والأجانب يسافرون عن طريق البحر بينما كان الناس يرقصون على إيقاع الموسيقى الغربية ويحتسون المشروبات. لكن اليوم، لم يتبق شيء من عبق الفترة الماضية.

في شأن ذي صلة، أدار أولئك الذين ما زالوا يعيشون في البصرة، ظهورهم للنهر، بسبب القلق والخوف الذي يراودهم. ويلخص الحسن حديثه وقد بدت عليه علامات الحزن قائلا: "لا يمكنك البقاء أكثر من دقيقتين بالقرب من القنوات، في ظل انبعاث رائحة كريهة لا تطاق، فالماء يعج بالفئران والفضلات. لقد اندثر الحلم العراقي".

المصدر: الموندو