"وفاة غامضة لخبير نووي مصري بأحد فنادق مراكش".. تحت هذا العنوان نشر موقع "الجريدة 24" ظهر يوم الجمعة خبرًا يفيد بوفاة العالم المصري الدكتور عبد المنعم أبو بكر رمضان، رئيس الشبكة القومية للمرصد الإشعاعي بهيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية، وذلك وفق مصادر خاصة بها.

الموقع كشف أن الوفاة حدثت في "ظروف غامضة" مساء الأربعاء الماضي حين كان يشارك العالم المصري في مؤتمر عربي عن الطاقة، إذ شعر بمغص شديد في بطنه، اضطر بعده للتوجه إلى مقر إقامته في أحد الفنادق بمنطقة أكدال السياحية، إلا أنه توفي في الحال.

النيابة العامة المغربية أمرت بتشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة، وهو إجراء متبع مع الأجانب حال وفاتهم في المملكة، وفق ما ذهبت السفارة المصرية في مراكش، وتبين أن الوفاة كانت بسبب تعرضه لسكتة قلبية، أودت بحياته في الحال، وجاري التنسيق لنقل الجثمان إلى القاهرة.

وبينما كان الإعلام المصري في حالة تجاهل تام لهذه الحادثة رغم ما بها من علامات استفهام، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالمئات من التغريدات التي تشير إلى وجود أصابع خفية في الجريمة، مستبعدين ما توصلت إليه النيابة المغربية بشأن إرجاع الوفاة لسكتة قلبية، فيما وجه البعض أصابع الاتهام المباشرة للمخابرات الإسرائيلية خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها لتصفية علماء مصريين.

يعد أبو بكر رمضان عبد المنعم رمضان، أحد علماء الفيزياء المصريين الذين اكتشفوا سر تفتت الذرة، لذا فقد وقع عليه الاختيار لتقييم الآثار المنبعثة من مفاعلي بوشهر الإيراني وديمونة الإسرائيلي، وفق ما ذهبت مصادر محلية

غير مقنع

البيان الصادر عن هيئة الرقابة النووية الإشعاعية، التي كان يعمل بها الراحل، بشأن ملابسات الوفاة يبدو أنه لم يقنع الكثيرين، حيث جاء فيه أن رمضان كان قد توجه للمملكة للمشاركة بورشة عمل تنظمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تم عقدها خلال الفترة من 2 – 6 سبتمبر 2019 بمدينة مراكش بالمملكة المغربية.

الدكتور سامي شعبان رئيس الهيئة، قال إنه بمتابعة الموقف من خلال السفارة المصرية في المغرب ووزارة الخارجية المصرية، أفاد السفير أشرف إبراهيم بأنه في أثناء الاجتماعات شعر الدكتور بإجهاد واستأذن للذهاب إلى غرفته وزاد عليه التعب فأبلغ الفندق الذي بدوره أبلغ المسؤولين عن الورشة، وتم نقله إلى المستشفى حيث وافته المنية.

وأمرت السلطات المغربية بتشريح الجثة، وقد انتهت عملية التشريح الأولى، أول أمس الجمعة، وكشفت أن الوفاة بسبب سكتة قلبية، وستصدر نتائج التشريح النهائية اليوم السبت، وتتولى وزارة الخارجية بالتنسيق مع السلطات المغربية الانتهاء من الإجراءات وإعادة جثمان الفقيد لمصر.

ردود الفعل بشأن ملابسات الوفاة وطبيعة عمل الدكتور الراحل تنسف وبصورة كبيرة البيان الصادر عن الهيئة الذي جاء دبلوماسيًا ورسميًا وفق ما ذهب البعض، في حين رأى آخرون أن هناك حالة من الشك وراء الجريمة، لافتين إلى أن تاريخ اغتيال العلماء المصريين على أيدي أجهزة مخابرات دولية تاريخ طويل ممتد على مدار عقود طويلة.

خلال مشاركة للعالم المصري في مؤتمر مراكش

حساسية وظيفته.. علامة استفهام

يعد أبو بكر رمضان عبد المنعم رمضان، أحد علماء الفيزياء المصريين الذين اكتشفوا سر تفتت الذرة، لذا فقد وقع عليه الاختيار لدراسة الأثار المحتملة لمفاعلي بوشهر الإيراني وديمونة الإسرائيلي، وفق ما ذهبت مصادر محلية، ولد في 22 من مارس 1958 بمحافظة القليوبية، حصل على الدكتوراه في فلسفة التلوث البيئي من جامعة الزقازيق عام 1995.

تدرج في عدد من الوظائف المتعلقة بالتجارب النووية والإشعاعية، حيث شغل منصب مدير شبكة المراقبة المصرية بهيئة الطاقة الذرية بالقاهرة منذ عام 1994، ورئيس قسم تحديد المواقع والبيئة منذ عام 2006، وباحث رئيسي ببرنامج أبحاث الغلاف الجوي والتعاون الألماني المصري بهيئة الطاقة الذرية منذ عام 1990.

الحادثة أعادت للذاكرة قائمة طويلة من الاغتيالات تعرض لها علماء مصريين على أيدي أجهزة مخابرات دولية في مقدمتها الولايات المتحدة و"إسرائيل"

عمل محققًا رئيسيًا في مشروع التلوث البحري بالوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا منذ عام 2004، بالإضافة إلى عمله كمحقق رئيسي في شؤون جسيمات الهواء منذ عام 2005 ويعمل حلقة عمل متقدمة للمدير المشارك في تقييم المخاطر بمنظمة حلف شمال الأطلسي في روما منذ عام 2002، ومستشار بيئي بجامعة حلوان منذ 2002، وكابتن بالقوات الجوية المصرية 1982-1983.

تاريخ من الاغتيالات

الحادثة أعادت للذاكرة قائمة طويلة من الاغتيالات تعرض لها علماء مصريين على أيدي أجهزة مخابرات دولية في مقدمتها الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ورغم اكتظاظ تلك القائمة بعشرات الأسماء، فإن هناك 6 أسماء بعينها من أثارت الضجة والجدل حينها.

البداية كانت مع العالمة سميرة موسى، وهي أول عالمة ذرة مصرية ولقبت باسم "ميس كوري الشرق"، وهي أول معيدة في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليًّا، ففي 15 من أغسطس 1952 تعرضت لحادث على طريق كاليفورنيا بالولايات المتحدة، إذ ظهرت سيارة نقل فجأة لتصطدم بسيارتها بقوة وتلقي بها في وادي عميق، قفز سائق السيارة -زميلها الهندي في الجامعة الذي يقوم بالتحضير للدكتوراه واختفى إلى الأبد -.

ثم يأتي جمال حمدان، أحد أعلام الجغرافيا المصريين، هو من أشهر المفكرين في قائمة اغتيالات الموساد الإسرائيلي، حيث فجر رئيس المخابرات الأسبق أمين هويدي مفاجأة من العيار الثقيل، عن الكيفية التي مات بها جمال حمدان، وأكد هويدي أن لديه ما يثبت أن الموساد الإسرائيلي هو الذي قتل حمدان، في17 من أبريل 1993.

كذلك الباحث مصطفى مشرفة، عالم الفيزياء الشهير، وأول عميد مصري لكلية العلوم، ففي 15 من يناير 1950، مات إثر أزمة قلبية، وهناك شك في كيفية وفاته فيعتقد أنه مات مسمومًا، أو أن أحد مندوبي الملك فاروق كان خلف وفاته، ويعتقد أيضًا إنها إحدى عمليات جهاز الموساد الإسرائيلي.

كذلك عالم الذرة سمير نجيب الذي يعتبر من طليعة الجيل الشاب من علماء الذرة العرب، إذ كانت نهايته شبيهة بنسبة كبيرة مع سميرة موسى، ففي إحدى ليالي أغسطس 1967 وفي ليلة سفره فوجئ في أثناء قيادته لسيارته، بسيارة نقل ضخمة، ظن في البداية أنها تسير في الطريق شأن باقي السيارات، وانحرف إلى جانبي الطريق لكنه وجد أن السيارة تتعقبه، فأسرعت سيارة النقل ثم زادت من سرعتها واصطدمت بسيارة الدكتور الذي تحطمت سيارته ولقي مصرعه على الفور.

وأخيرًا عالم الذرة الشهير يحيى المشد الذي عثر عليه جثة هامدة مهشمة الرأس ودماؤه تغطي سجادة الحجرة بداخل حجرته رقم 941 بفندق الميريديان بباريس، الجمعة 13 من يونيو 1980، وتشير أصابع الاتهام إلى الموساد الإسرائيلي، وإن أغلقت التحقيقات التي قامت بها الشرطة الفرنسية على أن الفاعل مجهول.

الدكتور رمضان مع فريق الباحثين المشارك في المؤتمر

غضب على السوشيال

غصّت مواقع التواصل بتساؤلات عن صمت الأجهزة الرسمية المصرية حيال الحادث، ومطالبات عدة من العديد من النشطاء بكشف ملابساته الحقيقية بعيدًا عن البيانات الرسمية، فيما توجهت أصابع الاتهام إلى جهاز "الموساد" الإسرائيلي على وجه التحديد بالوقوف خلف الجريمة.

الدكتور محمد الفرجاني وعلى حسابه على تويتر تساءل عن سبب وفاة العالم المصري: هل اغتاله الصهاينة"، مطالبًا بحماية علمائنا العرب والمصريين، فيما علق حساب يحمل اسم أحمد قائلاً: الوفاة حصلت في المغرب وقت حضوره المؤتمر، بعد شرب عصير أحس بوجع في بطنه، ونقلوه المستشفى ومات؟ الحكومة المصرية مش لازم تسكت".

فيما وجه حساب أحمد رجب نداءً إلى السلطات المصرية جاء فيه: "السادة الأجهزة السيادية، السيد عباس كامل، نحيطكم علمًا بأن العالم المصري المتخصص في الأمان النووي أ. د أبو بكر عبد المنعم رمضان، توفي في ظروف غامضة بالمغرب في أثناء حضوره مؤتمرًا علميًا، لعل المانع من اتخاذكم إجراءات تأمينه خير، ومايكونش السبب انشغالكم بفيديوهات #محمد_على".

وبهذا الغموض المحاط بحادثة وفاة الدكتور عبد المنعم أبو بكر رمضان، رئيس الشبكة القومية للمرصد الإشعاعي، يضاف إلى قائمة الاغتيالات التي تعرض لها علماء مصر على مدار سنوات طويلة مضت، رقمًا جديدًا، الأمر الذي يتطلب موقفًا جادًا لوقف هذا النزيف الذي يستهدف عقل الأمة ومستقبلها العلمي.