يخشى الخبراء من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يؤثر بشدة على من يعتمدون على الرعاية الاجتماعية

اضطرت حكومة المملكة المتحدة إلى نشر معلومات جديدة توضح بالتفصيل الخطط الموضوعة من قبل الحكومة في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون، وتُعرف هذه الوثائق الحكومية باسم عملية "يلو هامر" (Yellowhammer)، وتحدد سلسلة من "أسوأ الافتراضات المعقولة" لتأثير "بريكست بلا اتفاق" في 31 أكتوبر/تشرين الأول. 

كان النواب البريطانيون صوتوا الأسبوع الماضي لإجبار حكومتهم على الكشف عن وثائق تتنبأ بالاضطراب العامة، وارتفاع الأسعار وتعطيل الغذاء والأدوية، وهو ما فعلته الحكومة الأربعاء، لكن على الرغم من إصدار أمر بتسليم جميع المعلومات التي كانت لدى حكومة المملكة المتحدة وكبار مستشاريها، فيما يتعلق باتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد اختارت حكومة المملكة المتحدة إصدار وثيقة واحدة فقط مؤلفة من 6 صفحات.

تحذر هذه الأوراق الحكومية البريطانية من "مخاطر شديدة" قد يواجهها البريطانيون، لا سيما الفئات الأكثر حرمانًا منهم، وذلك بعد هزيمة رئيس الحكومة بوريس جونسون في مجلس العموم من قبل حزب العمال وأحزاب المعارضة الأخرى قبل فترة وجيزة تعليق البرلمان البريطاني لمدة 5 أسابيع. 

السيناريو الأسوأ

أظهرت الوثائق المتعلقة بهذه الخطة أنه في حالة الخروج بدون اتفاق فإن سلطات المملكة تتوقع حدوث اضطرابات قصيرة الأجل في 12 مجالاً رئيسيًا، لكن يبدو أن ملف الحكومة لا يكشف عن أي شيء جديد، والناس يتساءلون عن السبب في أن الوثيقة التي تتناول "أسوأ السيناريوهات" قصيرة للغاية.

استعداد الجمهور وقطاع الأعمال لمثل هذه النتيجة من المرجح أن يكون منخفضًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استمرار الارتباك السياسي حول موعد حدوث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالفعل

بعض السيناريوهات التي تم تحديدها كانت "صارخة"، لكن الوزراء أصروا على أن الورقة لم تكن تنبئ بما سيحدث، بما في ذلك إمدادات الأدوية والمياه والغذاء والصحة والنقل والحدود، التي يمكن أن تطلق العنان لأعمال الشغب في الشوارع والاحتجاجات والتوترات المجتمعية والاضطرابات العامة في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

وبحسب الوثيقة، فإن المشروع البريطاني لإزالة الرقابة على الحدود الإيرلندية "لن يكون على الأرجح مستدامًا لوجود مخاطر كبيرة على صعيد الاقتصاد والقانون والأمن البيولوجي"، مما يعني احتمال ظهور سوق سوداء في المناطق الحدودية.

الخطة المؤرخة في 2 أغسطس/آب، والمشابهة للخطة التي سُربت إلى صحيفة "صنداي تايمز" الشهر الماضي، والتي رفضتها الحكومة في ذلك الوقت، تقول إن استعداد الجمهور وقطاع الأعمال لمثل هذه النتيجة من المرجح أن يكون منخفضًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استمرار الارتباك السياسي حول موعد حدوث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالفعل.

مخاطر "بريكست بدون اتفاق"

سعت الحكومة إلى التقليل من أهمية الوثائق، مع رفض وزير الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية كواسي كوارتينج وصفها بأنها "تخويف"، في حين أصر مايكل جوف، المكلف بتجهيز الاستعدادات للخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، على أن "يلو هامر" تمثل "سيناريو أسوأ الحالات".

في المقابل، قال زعيم حزب العمال جيريمي كوربين إن الوثيقة تُظهر أن رئيس الوزراء "مستعد لمعاقبة من لا يستطيعون تحمل نفقات الخروج بدون صفقة حتى يستفيد منها أصدقاؤه الأثرياء"، لكن كيف سيؤثر على المجتمعات البريطانية الأكثر حرمانًا؟

أولاً: التأثير على الأدوية والمستلزمات الطبية 

من شأن عمليات التوزيع الكبيرة على تجارة المملكة المتحدة، خاصة عبر مضيق دوفر الموجود في أضيق جزء من بحر المانش، أن تجعل الإمدادات الطبية معرضة للخطر والتأخير بشكل خاص. تأتي ثلاثة أرباع الأدوية في المملكة المتحدة عبر مضيق دوفر وغيره من معابر القنوات، مما يزيد من من حدوث اضطراب لمدة 3 أشهر على الأقل، وبالتالي زيادة الضغط على احتياجات المرافق الطبية.

ووفقًا لوثائق عملية "يلو هامر" الحكومية، فإن اعتماد إمدادات التوريد للأدوية والمنتجات الطبية على المعابر المتقاطعة والضيقة يجعلها عرضة بشكل خاص للتأخيرات الشديدة الممتدة لـ 6 أشهر بعد عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مما يعني أن حكومة المملكة المتحدة لن تتمكن من تخزين عدد من المستلزمات الطبية التي لها عمر افتراضي قصير.

كما أن نقص الأدوية البيطرية قد يزيد من خطر تفشي الأمراض بحسب ما جاء في الوثيقة التي تم تصنيفها على أنها "رسمية وحساسة"، بالإضافة إلى أن الصعوبات الاقتصادية يمكن أن "تتفاقم" بسبب الفيضانات أو وباء الإنفلونزا هذا الشتاء.

ثانيًا: ارتفاع أسعار المواد الغذائية 

فيما يتعلق بالطعام، تشير تحليلات حكومة المملكة المتحدة إلى أن بعض أنواع الإمدادات الغذائية الطازجة ستنخفض، بالإضافة إلى عناصر أخرى مثل التعبئة والتغليف، بعد صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأنه ذلك يمكن أن يدفع الناس إلى الشراء الذي يؤدي إلى زيادة إمدادات الغذاء أو تعطيلها في المملكة المتحدة.

قد يرتفع سعر السوق للكهرباء بسبب انخفاض قيمة الجنيه مقابل اليورو، وأيضًا بسبب تضاعف التكلفة المحتملة لقطع العلاقات مع أسواق الطاقة في الاتحاد الأوروبي

ويشير التحليل أيضًا إلى أن هذه العوامل لن تؤدي إلى نقص عام في الأغذية فحسب، بل سيؤدي إلى خيارات أقل للمستهلكين وزيادة في الأسعار وتقليل توافر المنتجات داخل المحلات التجارية، مما قد يؤثر على الفئات الأكثر تهميشًا وضعفًا في المجتمع، والتي ستدفع ثمن "البريكست". 

كما تقول الوثيقة إن المجموعات ذات الدخل المنخفض "ستتأثر بشكل غير متناسب بأي ارتفاع في أسعار المواد الغذائية والوقود".

ثالثًا: ارتفاع أسعار الطاقة

أكدت وثائق "يلو هامر" أيضًا أنه من المتوقع حدوث "زيادات كبيرة في أسعار الكهرباء" لكل من رجال الأعمال والمستهلكين المحليين على المدى القصير بعد صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن المرجح أن يؤثر ارتفاع الأسعار على الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع.

وتؤكد هذه الوثائق أيضًا المخاوف بشأن أسعار الطاقة، حيث ارتفع اعتماد المملكة المتحدة على واردات الكهرباء إلى مستوى قياسي وسط مخاوف من أن المنازل والشركات قد تواجه فواتير طاقة أعلى إذا خرجت المملكة المتحدة دون صفقة.

وتظهر أحدث الأرقام الحكومية، التي صدرت قبل أسابيع قليلة من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أن صافي واردات المملكة المتحدة من الكهرباء بلغ أعلى مستوى له على الإطلاق في الربع الأول من هذا العام. 

ويحذر الخبراء من أن ارتفاع أسعار الواردات قد يؤدي إلى ارتفاع فواتير الطاقة، وقد يرتفع سعر السوق للكهرباء بسبب انخفاض قيمة الجنيه مقابل اليورو، وأيضًا بسبب تضاعف التكلفة المحتملة لقطع العلاقات مع أسواق الطاقة في الاتحاد الأوروبي. 

رابعًا: تأخر النقل بالشاحنات لعدة أيام

أكدت الوثائق أن التعطيل في معابر القناة الإنجليزية قد تستمر لمدة تصل إلى 3 أشهر قبل البدء في التحسن، وأن الشاحنات قد تضطر إلى الانتظار بين يوم ونصف إلى يومين ونصف عند محاولة عبور البضائع.

كما يمكن أن يتعرض المواطنون البريطانيون لمزيد من عمليات فحص الهجرة في المراكز الحدودية للاتحاد الأوروبي.   

وتبرز الوثيقة، خطر التأخير على الحدود، بالنظر إلى أن 85٪ من الشاحنات التي تعبر القناة قد لا تكون جاهزة لنظام جمركي فرنسي جديد، وتحدد أيضًا التأثير المحتمل على الخدمات المالية عبر الحدود وتبادل معلومات إنفاذ القانون.

ووفقًا للوثيقة السرية، فإن إقليم جبل طارق بشكل خاص قد يواجه تأخيرات كبيرة بسبب فرض عمليات تفتيش على حدودها مع إسبانيا، مع احتمال انتظار أربع ساعات "لبضعة أشهر على الأقل".

خامسًا: السياح وزيادة تكاليف السفر

من المتوقع أن تحدث تأخيرات في الهجرة للسائحين في نفق المانش الذي يربط الأراضي الفرنسية بببريطانيا، وموانئ العبارات والمطارات، وفقًا لوثائق "يلو هامر".  

طوابير الانتظار لدخول ميناء دوفر

كما يؤدي انخفاض قيمة الجنيه إلى ارتفاع تكلفة العطلات الأوروبية وخارج الاتحاد الأوروبي، وقد يضطر البعض إلى دفع رسوم إضافية للذهاب في عطلة أيضًا، وتؤكد الحكومة أيضًا أن حجز أماكن الإقامة والرحلات الجوية قد يصبح أكثر تكلفة.

سادسًا: الصيد غير القانوني في المياه البريطانية

على الرغم من تعهد حكومة المملكة المتحدة بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى السيطرة الكاملة على مياه الصيد في أسكتلندا، فإن وثائق "يلو هامر" تقبل بفرضية أنه بعد الخروج دون صفقة، من المحتمل أن تستمر سفن الصيد التابعة للاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية في صيد الأسماك في مياه أسكتلندا.

ويشير ذلك إلى أن عشرات السفن غير البريطانية ستدخل بشكل غير قانوني إلى المياه البريطانية في اليوم الأول لمغادرة المملكة المتحدة، مما قد يتسبب في "الغضب والإحباط" لصناعة الصيد في المملكة المتحدة و"الاشتباكات" المحتملة بين القوارب في مناطق الصيد.

يكشف ما سبق جميع العواقب الوخيمة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويطرح السؤال حول كيف يمكن للحكومة متابعة هذا الأمر بجدية خلال 6 أسابيع فقط، لهذا يبدو من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى استدعاء البرلمان ليكون الفرصة للتدقيق في هذه الوثائق واتخاذ جميع الخطوات اللازمة لوقف أي اتفاق.