الشرطة الروسية تعتقل المعارض أليكسي نافالني في تجمع حاشد بوسط موسكو

بعد أيام من الانتخابات المحلية التي تكبد فيها حزب روسيا المتحدة السياسي الحاكم خسائر فادحة في موسكو، وهي ضربة غير اعتيادية للكرملين، التي تلت أسابيع من الاحتجاجات في العاصمة الروسية، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكبر عملية أمنية خلال 20 عامًا له في السلطة، داهمت ما لا يقل عن 150 منزلاً ومكتبًا لحلفاء زعيم المعارضة أليكسي نافالني في جميع أنحاء البلاد، كجزء مما يقول حلفاؤه إنه "تحقيق ذو دوافع سياسية". 

"هستيريا الكرملين".. حملة مداهمات على الطريقة الستالينية

منذ الساعات الأولى من يوم 12 من سبتمبر/أيلول، شنت الأجهزة الأمنية غارات على الشقق والمكاتب في جميع أنحاء روسيا، من فلاديفوستوك في الشرق إلى سان بطرسبرغ في الغرب، وكان المستهدفون هم نشطاء وعمال من المنظمات غير الحكومية ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين، وحتى مناصري البيئة.

كان التركيز الرئيسي للحملة الأمنية على مؤسسة مكافحة الفساد (FBK) التي أسسها الناشط المعارض أليكسي نافالني، الذي أصدر خلال السنوات القليلة الماضية عددًا من التحقيقات في الفساد وكشف أنماط الحياة الفخمة للمسؤولين الحكوميين، بما في ذلك ورئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف.

سُمح للأجهزة الأمنية بسلب أموال مؤسسة مكافحة الفساد ومنظمات التمويل الأخرى، وقد اقترنت هذه الهجمات بمصادرة ليس فقط الوثائق ولكن أيضًا جميع أجهزة  التكنولوجيا باهظة الثمن

بينما تم تفتيش مقر مؤسسة مكافحة الفساد في موسكو بشكل متكرر خلال فصل الصيف، داهمت قوات الأمن هذه المرة مكاتبها في 43 مدينة بجميع أنحاء البلاد، ووسعت نطاق عملياتها الأمنية لتشمل عددًا من المنظمات والأفراد الآخرين، بما في ذلك حركة الدفاع عن حقوق الناخبين "Golos" وهيئة مراقبة الانتخابات ونشطاء من الحركة البيئية Ekovahta وأعضاء من الحزب الديمقراطي الروسي المتحد، المعروف اختصارًا باسم "يابلاكا"، ووالدي الصحفي ألكسندر سافيليف والعديد من المنظمات الأخرى. 

كانت الحجة الرسمية لشن معظم المداهمات تتمثل في القضية الجنائية ضد المؤسسة الممولة من القطاع الخاص لمكافحة الفساد، التي اتهمت الشهر الماضي بغسل الأموال. يعتمد الصندوق حصريًا على التمويل الجماعي للعمل، ولكن وفقًا لاضطهاد السلطات الروسية، فإن تحويل الأموال المتبرع بها يمثل جريمة جنائية، وهو ما أعطى جهاز أمن الدولة ذريعة لشن أكبر حملة مداهمات منذ العصر الستاليني. 

كما سُمح للأجهزة الأمنية بسلب أموال مؤسسة مكافحة الفساد ومنظمات التمويل الأخرى. وقد اقترنت هذه الهجمات بمصادرة ليس فقط الوثائق ولكن أيضًا جميع أجهزة التكنولوجيا باهظة الثمن، بما في ذلك الهواتف وأجهزة الكمبيوتر (وفي بعض الحالات حتى آلات القهوة). 

الشرطة الروسية تداهم منازل ومكاتب عشرات المعارضين

وفي الوقت نفسه، تم تجميد الحسابات المصرفية لمؤسسة مكافحة الفساد نفسها وموظفيها، إلى جانب حسابات العديد من الناشطين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مع ذلك، حتى لو تم إطلاق سراحهم في نهاية المطاف، فلن يكون ذلك في أي وقت قريب، وبهذه الطريقة، ترك الكرملين العديد من المعارضين السياسيين دون أي وسيلة للعيش.

ردًا على ما وُصف بـ"حملة القمع" التي قامت بها السلطات الروسية على مؤسسة أليكسي نافالي لمكافحة الفساد، أصدرت منظمة "فريدوم هاوس" الحقوقية بيانًا اعتبرت فيه "التحقيق المزعوم في غسيل الأموال ضد مؤسسة مكافحة الفساد ليس أكثر من مجرد إجراء قمعي يائس من جانب السلطات لإسكات وتخويف ليس فقط موظفو المؤسسة، ولكن الجمهور الروسي على نطاق أوسع".

ما وراء حملة التخويف واسعة النطاق

في أواخر الربيع، أطلق نشطاء مؤسسة مكافحة الفساد وأعضاء آخرون في المعارضة حملة لجمع التوقيعات والتسجيل كمرشحين في انتخابات مجلس الدوما المحلية بمدينة موسكو، التي جرت الأسبوع الماضي. 

انتخابات مجلس الدوما تفرز هيئات غير قادرة على مناقشة السياسات المحلية والتصويت عليها كتدبير شكلي، نتيجة لذلك، كان هناك القليل من الاهتمام العام بمثل هذه الانتخابات في السابق، ومع ذلك، على الرغم من أن أعضاء مؤسسة مكافحة الفساد تمكنوا من جمع العدد المطلوب من التوقيعات، فإن السلطات المحلية رفضت التسجيل.

ردًا على ذلك، قام أعضاء مؤسسة مكافحة الفساد وغيرهم من مرشحي المعارضة الذين اُستبعدوا بحشد الجمهور للنزول إلى الشوارع والاحتجاج. أسفر ذلك عن سلسلة من المظاهرات التي استجابت لها وزارة الداخلية بنشر قوة متزايدة استخدمت القوة المفرطة والضرب بوحشية والاحتجاز، وقُبض على آلاف الأشخاص ووُجهت إلى عشرات المحتجين تهم بارتكاب جرائم جنائية، ومع ذلك، لم يثن هذا الناس عن الاحتجاج. 

التعبئة الجماهيرية على مدار الصيف، التي بلغت ذروتها في التصويت، أثارت قلق الكرملين لدرجة أنه اضطر إلى شن عملية تخويف على مستوى الدولة ضد الناشطين السياسيين

زادت المبالغة في ردة فعل الكرملين من الغضب الشعبي والمعارضة، وساعدت أفعاله المعارضة بشكل كبير في تحويل تصويت عادي في انتخابات موسكو التي لا حول لها ولا قوة إلى قضية رئيسية على مستوى المجتمع ونقطة تجمع للناس الذين يفكرون في المعارضة. 

بعد تسجيل نصر كبير من خلال إظهار قدرتها على تعبئة عدد كبير من الناس في العاصمة، لم تتوقف المعارضة عند هذا الحد، فقد كانت مصممة على الاستفادة القصوى من هذه اللحظة السياسية الفريدة. 

لم تقف المعارضة مكتوفة الأيدي أمام إجراءات فلاديمير بوتين التي منعت مؤسسة مكافحة الفساد ونشطاء المعارضة الآخرين من منافسة أتباعه، وتوصل فريق أليكسي نافالني المرشح المعارض لبوتين إلى خطة تسمى "التصويت الذكي"، وتعتمد على حشد أنصاره للتصويت لأي شخص يمكنه التغلب على مرشح حزب "روسيا الموحدة" الحاكم في أي منطقة معينة، في محاولة لتطويق مرشحي الحزب الحاكم والموالين لبوتين.

خلال المرحلة التي سبقت الاقتراع، شن نافالني حملة لكسر احتكار حزب روسيا المتحدة الحاكم من خلال ترشيح عدد كبير من الأشخاص الذين يتمتعون بسمعة جيدة لدى المواطنين، والتركيز على المشاركة وتوزيع المرشحين المعروفين لدى الهيئة الناخبة بطريقة تضمن تغطية كامل المناطق الانتخابية ضد مرشحي الحزب الحاكم.  

تحولت هذه الإستراتيجية إلى نجاح كبير، ففي موسكو، تكبد الحزب الحاكم خسائر كبيرة، وفقد نحو 13 مقعدًا. في مجلس مدينة موسكو الجديد المكون من 45 عضوًا، خسر المرشحون المدعومون من السلطة أكثر من ثلث مقاعدهم.

تكبد الحزب الحاكم خسائر كبيرة في انتخابات مجلس مدينة موسكو

كانت خسائر الحزب الحاكم أكبر، وربما كان سيفشل في الحصول على الأغلبية، لولا حملة تزوير جماعية في بعض المناطق، وفي حين أن التشكيل الجديد لمجلس الدوما لن يقوض بالضرورة قبضة "روسيا الموحدة" على السلطة الإدارية، أظهر التصويت أن الحزب الحاكم فقد العاصمة.

بعد أيام فقط من إعلان نتائج الانتخابات، جاءت المداهمات الأمنية غير المسبوقة، ما يعني أن التعبئة الجماهيرية على مدار الصيف التي بلغت ذروتها في التصويت، أثارت قلق الكرملين لدرجة أنه اضطر إلى شن عملية تخويف على مستوى الدولة ضد الناشطين السياسيين.

لم يرد أي رد فعل كبير من المجتمع الدولي حتى الآن على هذه العملية، لكن بالنظر إلى وجود عقوبات بالفعل، لا يوجد الكثير مما يمكن القيام به، ما يشير في الواقع إلى أن المعارضة وحدها في تحديها لبوتين، لكن الأخبار السيئة للكرملين أنه استنفد كل تكتيكات التخويف تقريبًا، ولا يبدو أنها تعمل بعد الآن.

أليكسي نافالني الذي هز الكرملين

برز نافالني، وهو محامي سابق وناشط في مجال مكافحة الفساد، كقوة في السياسة الروسية عام 2008 عندما بدأ التدوين بشأن الممارسات الخاطئة والفساد المزعوم في بعض الشركات التي تسيطر عليها الدولة في البلاد. 

برز برسالة مفادها أن حزب روسيا المتحدة الحاكم ، بقيادة ديمتري ميدفيديف وفلاديمير بوتين، كان "حزبًا للمحتالين واللصوص"، وهي عبارة صاغها نافالني لأول مرة في فبراير/شباط 2011، وتبنتها بعد ذلك التجمعات المناهضة للحكومة.

عام 2011، تحدث نافالني في واحدة من أكبر التجمعات المناهضة للحكومة في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، التي حضرها ما يصل إلى 120 ألف شخص، للتعبير عن غضبهم من التزوير المزعوم في الانتخابات البرلمانية الروسية. خلال المظاهرة، أظهر المعارض الروسي للحشود وجود مشكلة في الجهاز الفاسد الموالي لبوتين، ما دفع الأمن إلى اعتقاله وسجنه لمدة 15 يومًا. 

 أظهر تقرير جديد صادر عن مؤسسة روسيا الحرة أن دعم بوتين والكرملين بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عامًا انخفض بشكل كبير خلال العقد الماضي

مرة أخرى، حُبس نافالني لفترة وجيزة في يوليو/تموز 2013، واتُهم باختلاس 263 ألف دولار، وحُكم عليه بالسجن لمدة 5 سنوات، وهو قرار اُعتبر على نطاق واسع ذو دوافع سياسية، فقد أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن المعارض السياسي لم يُمنح محاكمة عادلة.

في إعادة محاكمته عام 2017، أُدين نافالني للمرة الثانية، وحكم عليه بالسجن لمدة 5 سنوات مع وقف التنفيذ، مع منعه من الترشح ضد بوتين في الانتخابات الرئاسية العام الماضي. نفى نافالني مرارًا هذه الاتهامات، قائلاً إن مشاكله القانونية نتيجة أعمال انتقامية للكرملين بسبب انتقاده للنظام.

لم يكن نافالني أحسن حالاً من أنصاره الذي واجهوا أيضًا مشكلات قانونية، فخلال الاحتجاجات التي اندلعت في مايو/أيار 2018 ضد تنصيب بوتين للمرة الرابعة، اتهمت السلطات 8 أشخاص من مؤسسة نافالني لمكافحة الفساد بالتحريض على أعمال الشغب، وذلك باستخدام تغريداتهم كدليل على ذلك، فتم تغريم الكثير منهم، بينما حُكم على البعض بالسجن لمدة 30 يومًا.

نتيجة لهذه الأحداث، وجد سياسي المعارضة والناقد الصريح للرئيس فلاديمير بوتين الدعم بين جيل الشباب في روسيا، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى وجوده على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يسخر من النخبة السياسية.

نافالني قادر أيضًا على جذب مجموعات مختلفة من الشباب الروس بسبب "الكاريزما" التي يتمتع بها ورسائله البسيطة وأسلوب التواصل الذكي الذي لم يتمكن أي سياسي معارض آخر من تحقيقه، بالإضافة إلى معالجة القضايا التي تهمهم.

في الوقت نفسه، أظهر تقرير جديد صادر عن مؤسسة روسيا الحرة أن دعم بوتين والكرملين بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عامًا انخفض بشكل كبير خلال العقد الماضي، نتيجة لإدراك الشباب الروس بشكل متزايد أن الفساد والمحسوبية يسهمان في عدم اليقين الاقتصادي. 

يحظى نافالني بمتابعة قوية بين الشباب الروس

وتضم قناة نافالني على يوتيوب، التي يكشف من خلالها الفساد المزعوم للمسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى، أكثر من 3 ملايين مشترك، فالمحتوى السياسي الذي يقدمه هو الأكثر مشاهدة على شبكة الإنترنت في روسيا. 

أمَّا مؤسسة نافالني لمكافحة الفساد التي تكشف وتحارب الفساد في الحكومة الروسية، فهي تقدم تقارير بحثية دقيقة يصعب دحضها، ولديها الآن مكاتب في جميع أنحاء روسيا مع أكثر من ألفي متطوع مكرس لنشر رسالة نافالني. 

ويتمثل الخوف الأكبر لدى الكرملين في قدرة نافالني على "توحيد أنشطة" أولئك الذين لديهم "شكاوى اقتصادية" ضد الدولة، بما في ذلك "عمال المناجم المضربين والمعلمين المضربين وسائقي الشاحنات الذين عادةً ما يدعمون بوتين.

وعلى الرغم من أن حرية التجمع قُيدت تدريجيًا في روسيا منذ عام 2012، فإن المراقبين يقولون إن الروس لا يخشون الاحتجاج على القضايا الاجتماعية. في المقابل، لا يريد الكرملين أن يرى تكرارًا للاحتجاجات في 2011-2012. 

وفقًا لدراسة أجراها مركز الحقوق الاجتماعية والعمال في موسكو في شهر يونيو/يونيو، يتزايد السخط العام في روسيا وسط تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض الدخل وزيادة سن التقاعد، فتلك الخطوة لا تحظى بشعبية كبيرة. 

لهذه الأسباب، يمثل نافانلي تهديدًا وجوديًا للكرملين، لأنه يُظهر أنه من الممكن أن يكون مرشحًا شعبيًا في ظل نظام يقوده بوتين فعليًا منذ عام 2000، بل يرى فيه البعض السياسي المعارض الوحيد الذي يمثل بديلاً مشروعًا لبوتين، كما ينظر الناس إليه ويعتقدون أنه قادر على السيطرة، هذا يعطيه ميزة على السياسيين الليبراليين الآخرين.

رغم ذلك، كان لدى نافالني الكثير من النقاد في المعسكر المناهض لبوتين، الذين يعتبرونه قوميًا جدًا. على سبيل المثال، لم يحضر المعارض الروسي فقط "المسيرة الروسية" اليمينية المتطرفة في ديسمبر/كانون الأول 2017، ولكنه أدلى أيضًا بعدد من التصريحات العنصرية، بما في ذلك وصف الجورجيين بـ"القوارض"، خلال حرب روسيا مع جورجيا عام 2008 وقارن المهاجرين بـ"الحشرات"، لكنه اعتذر منذ ذلك الحين عن استخدام الروايات العنصرية.