تزامنًا حلول ذكرى مرور عام على اتفاق تركيا وروسيا على إنشاء منطقة منزوعة السلاح حول إدلب، الأمر الذي لم تلتزم به حليفة الأسد وشاركت بهجوم بري مع قواته  أدى لاقتطاع أجزاء كبيرة من مناطق سيطرة المعارضة، ومن ضمنها منطقة تقع بها نقطة مراقبة تركية عسكرية، تلتئم اليوم القمة الثلاثية الخامسة بين رؤساء دول روسيا وتركيا وإيران في أنقرة، لبحث الأوضاع الراهنة في شمال سوريا الملتهب بالمعارك والمجازر التي تقوم بها روسيا والنظام السوري من خلال قصفها الجوي الذي لا يهدأ، رغم هدنة أعلنها موسكو.

إلا أن هذه الهدنة التي أعلنتها روسيا من "طرف واحد"، تخللها الكثير من الاعتداءات على مدن وبلدات الشمال السوري من قبل قوات الأسد، مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين، ووفقًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن قمته مع نظيره الإيراني حسن روحاني والروسي فلاديمير بوتين ستركز على المستجدات في إدلب، بما في ذلك موضوع نقاط المراقبة التركية -التي كان أكد مرارًا أن انسحاب قوات بلاده منها "ليس ورادًا في الوقت الراهن"- ومحاربة التنظيمات الإرهابية بالمنطقة.

ويقف أردوغان مقابل بوتين وروحاني بملف إدلب الثقيل، الذي طالما أكد "أن بلاده لا يمكن أن تبقى صامتة حيال ما يحدث في الشمال السوري، وأن ما يحدث في إدلب يعد قضية تركيا"، مشيرًا "إلى أن أي نزوح للسكان سيكون تجاه الحدود السورية التركية"، موضحًا أن "أي حريق هناك سيحرقنا، ولن تحرق تلك الدول"، في إشارة إلى دول ضالعة في قصف إدلب.

لا يتوقع المراقبون نتائج تزيد عمّا أنتجته القمم السابقة

من جهته، لطالما تذرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بوجود "الإرهاب" لضرب المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إذ قال "نحن ندعم جهود الجيش السوري لوضع حد لهذه التهديدات الإرهابية"، مضيفًا "لم نقل أبدًا إن الإرهابيين في إدلب سيشعرون بالراحة"، وفعلًا منذ شهور وأهل تلك المناطق لم يشعروا بالراحة في عيشهم أو حياتهم نتيجةً للقصف الروسي المتواصل.

ولا تختلف تصريحات روحاني الذي تشارك قوات بلاده في الحرب ضد السوريين، عن تصريحات بوتين الداعية إلى ضرب المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية، وصرح روحاني أن "القمة ستتناول إلى جانب مكافحة الإرهاب، قضايا إنهاء التدخل الأجنبي وعودة اللاجئين وإعادة إعمار سوريا، وإصلاح الدستور، وانتخابات عام 2021".

نتائج متوقعة

لا يتوقع المراقبون نتائج تزيد عمّا أنتجته القمم السابقة، التي لم تطبق معظمها على أرض الواقع، خصوصًا مع الهجوم الأخير على المنطقة، ويتساءل الباحث والكاتب سعيد الحاج في تغريدة له على "تويتر" عما ستنتجه القمة، ويشير الحاج إلى أن "الملف الأهم على الطاولة هو إدلب"، مضيفًا "ترسيخ وقف إطلاق النار أم تفاهمات جديدة أم إصرار روسي على الحسم؟ البيان الختامي اليوم وما بين سطور كلام الرؤساء الثلاث ستظهر بعض الإشارات".

من جهته يرجو الرئيس التركي من هذه القمة، أن تساعد في وقف موجة اللجوء والنزوح من إدلب وتثبيت وقف إطلاق النار وتفعيل مكافحة "المنظمات الإرهابية"، ويشير الصحفي إسماعيل كايا إلى أن تركيا "تسعى لتثبيت وقف إطلاق النار والإبقاء على خريطة نقاط المراقبة دون تغيير، بالمقابل تريد روسيا إعلان تشكيل لجنة إعادة صياغة الدستور وفتح الطرق الدولية".

ويرى كايا أن "هذه المطالب سوف تتحقق على الأغلب في هذه الجولة تحت بند تطبيق اتفاق سوتشي أو تحديثه، لكن يبقى محور الخلاف الأساسي بشأن مستقبل هيئة تحرير الشام والأهم مصير إدلب مستقبلاً، وربما تشهد إدلب مرحلة جديدة من الهدوء ووقف الهجمات".

من جهته قال مروان نحاس رئيس المكتب السياسي للجبهة الوطنية للتحرير (المعارضة السورية): "أتوقع أن تكون القمة الثلاثية المزمع عقدها في العاصمة التركية، خطوة فاصلة لتحديد الأمور في إدلب بما يتعلق باستمرار وقف إطلاق النار أو فشله".

المنطقة الآمنة

من غير الواضح إذا كان أردوغان سيبحث في هذا الاجتماع المنطقة الآمنة التي يعمل على إقامتها على الحدود التركية السورية بالتعاون مع واشنطن، خاصةً أن الرئيس الروسي أعلن أن "إنشاء منطقة آمنة على الحدود الجنوبية لتركيا خطوة إيجابية من حيث وحدة الأراضي السورية"، مضيفًا "نعلم جيدًا أن عبء تركيا المتعلق باللاجئين كبير جدًا. عليها أن تضمن أمن حدودها ومصالحها المشروعة تتطلب ذلك".

إلا أن طهران ما زالت قلقة وغير راضية عن إنشاء منطقة آمنة خاصة أن الاتفاق يجري مع واشنطن، إذ إن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي قال: "تصريحات وتوافقات المسؤولين الأمريكيين بشأن إيجاد منطقة آمنة في سوريا "استفزازية ومقلقة"، وأوضح موسوي أن "إجراءات كهذه تخل بالاستقرار وإلى جانب أنها تعد تدخلاً في شؤون سوريا الداخلية فإنها تؤدي إلى الإخلال بالأمن".

قمم ثلاثىة متتالية

لم تكن هذه القمة هي الأولى بين الثلاثي، ومن الواضح أنها لن تكون الأخيرة، فقد بدأت هذه الاجتماعات بين قادة الدول الثلاث عام 2017، كون الدول الـ3 هي الضامنة لاتفاق سوتشي القاضي بإنشاء منطقة خفض تصعيد، وكانت هذه القمم تأتي لبحث الأوضاع في هذه المنطقة.

1. قمة سوتشي الأولى: اتفق قادة روسيا وتركيا وإيران في ختام هذ القمة على خطوات للتوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب في سوريا، ويشمل ذلك تنظيم مؤتمر حوار تشارك فيه كل المكونات السورية وتعزيز وقف إطلاق النار وزيادة المساعدات للمتضررين من الحرب.​

2. قمة أنقرة الأولى: استضافت العاصمة التركية هذه القمة في الـ4 من شهر أبريل 2018، وفيها أعلن رؤساء تركيا وروسيا وإيران قائمة أولوياتهم في سوريا، وأكد الزعماء الثلاث رغبتهم في التوصل إلى حل سياسي وليس عسكريًا للصراع، وذلك رغم أن قواتهم منخرطة بالفعل في القتال، وشدد الزعماء الثلاث في بيان مشترك على مواصلة التعاون فيما بينهم بهدف "إحراز تقدم في المسار السياسي وتحقيق هدنة دائمة بين أطراف النزاع".

3. قمة طهران: عقدت هذه القمة في سبتمبر 2018 واتفق زعماء الدول الثلاث في البيان الختامي للقمة على التزامهم بوحدة الأراضي السورية وسيادتها وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وشددوا على ضرورة مراعاة ذلك من الجميع.

4. قمة سوتشي الثانية: استضافت مدينة سوتشي الروسية الاجتماعات في الشهر الـ2 من عام 2019 القمة الثلاثية الرابعة، واتفق الزعماء على تنسيق الجهود لإحلال الأمن والاستقرار في مناطق شمال شرق سوريا، خاصة أن هذه القمة أتت بعد إعلان واشنطن انسحابها من سوريا، مشيرين إلى أن هذا الانسحاب"سيعزز الأمن والاستقرار في هذا البلد".

وليس بعيدًا عن هذه القمم فمن المتوقع أن تعقد قمة رباعية في إسطنبول التركية، بمشاركة روسيا وألمانيا وفرنسا لمناقشة الوضع في سوريا وخاصة إدلب، وكان زعماء الدول الأربع: التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلايمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قد عقدوا قمة في إسطنبول التركية، أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وركز الزعماء في بيانهم الختامي بالقمة الماضية على ملف محافظة إدلب واتفاق وقف إطلاق النار فيها، بالإضافة إلى المسار السياسي المتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية وضرورة الإسراع بتشكيل أعضائها بشكل كامل لبدء العمل، غير أن هذه القمة القادمة التي لم يحدد وقتها من المتوقع أن تبحث ملف اللاجئين السوريين وموجة النزوح المحتملة.