عام 1996 كان ما يزيد على 3 مليارات شخص حول العالم يحدقون بأبصارهم إلى شاشات التلفاز بانتظار الملاكم العالمي محمد علي كلاي لإيقاد شعلة الألعاب الأولمبية في أتلانتا بالولايات المتحدة الأمريكية، بينما تابع نهائي مونديال البرازيل 2014 الذي جرى بين منتخبي ألمانيا والأرجنتين زهاء الملياري شخص في مختلف أصقاع الأرض، تابعها البعض على التلفاز وآخرون على هواتفهم المحمولة أو أجهزتهم الذكية.

هذه الأرقام الفلكية وهذا التكتل البشري الضخم لمتابعة حدثٍ رياضي ما، لم يكن بالإمكان حصوله لولا التطور الكبير الذي أحدثته التكنولوجيا في عالم الرياضة على سبيل العموم، وجعلته قطاعًا ترفيهيًا مهمًا وصناعة مهمة تَدُرُّ أرباحًا خيالية.

كانت الآثار التي تركتها التكنولوجيا في الرياضة واضحةً للعيان، إذ طورت جميع مراحل الألعاب وحسنتها بشكل ملحوظ، من التدريب إلى التحكيم إلى الملاعب، بل حتى المشاهدين.

لم تترك التكنولوجيا مرفقًا لم تدخله، ابتداءً بتحضيرات ما قبل المباراة وانتهاءً بالمشجع الذي يتابع اللعبة من المدرجات

بالنظر إلى تاريخ موجز للتكنولوجيا في الرياضة، يمكننا أن نرى أولى مساهمات التكنولوجية في وقتٍ مبكر من أواخر عام 1800 عندما تم استخدام التصوير لتحديد الفائز في مسابقات ركوب الخيل عبر التقاط الصور عند خط نهاية مضمار السباق. ثم في بداية عام 1920 بدأ انتشار المؤقتات الآلية لضبط وقت المتنافسين في بعض ألعاب القوى وشهد منتصف الستينيات انتشارًا واسعًا لهذه المؤقتات في جميع ألعاب القوى والألعاب الفردية.

استمرت بعد ذلك التكنولوجيا وفيما بعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي في دفع دفة الرياضة ورفدها بمنظومات حسَّنت أساليبها وطوَّرت وسائل انتشارها، فهي لم تترك مرفقًا لم تدخله، ابتداءً بتحضيرات ما قبل المباراة وانتهاءً بالمشجع الذي يتابع اللعبة من المدرجات، وفيما يلي إيضاح للأدوار التي قدمتها التكنولوجيا في كل مرفق:

أولًا التدريب

في الماضي، كان تدريب الفرق الرياضية يتطلب تجهيز أكداس من الأوراق لإعداد الخطط، وبذل جهود كبيرة بعد التدريب من المدرب وكادره التدريبي لجمع الملاحظات وتحليل تسجيلات الفيديو ثم تجميعها في مخططات ورسوم بيانية تمثل أداء الفريق.

أما الآن العملية أسهل بكثير وتعطي نتائج أكثر دقة، إذ أتاحت الكاميرات والمستشعرات الموجودة بملابس وتجهيزات اللاعب، إعطاء كمية كبيرة من البيانات، تنقل المعلومات في الوقت الفعلي إلى جهاز الكمبيوتر اللوحي الخاص بالمدرب، فتساعده على أخذ فكرة أكبر عن جاهزية اللاعب ومستوى لياقته البدنية.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية دورًا مهمًا في رفع مستوى الرياضيين

كما يمكن أن تساعد هذه المقاييس المدرب في تحديد الجوانب التي يحتاجها كل رياضي وبيان نقاط الضعف للعمل على تقويتها، كما يمكن للمدربين في ضوء هذه البيانات تحديد وقت الراحة أو التمرين.

تم دمج أجهزة الليزر ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في مختلف جوانب عالم التدريب الرياضي، وبدلًا من الاعتماد على المؤقتات اليدوية، يمكن للمدربين قياس الموقف الدقيق والمسافة والسرعة والتسارع للرياضيين لفهم أفضل للمكان الذي يمكنهم التحسن فيه.

كما كان لمواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية دورًا مهمًا في رفع مستوى الرياضيين، إذ عززت مواقع مثل YouTube من رفع مستوى التدريب، حيث يمكن لأي شخص العثور على ساعات لا حصر لها من الفيديوهات التدريبية، كما أتاحت تطبيقات مثل Fitness Pal للمدربين متابعة النظام الغذائي لللاعبين.

شهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) نموًا كبيرًا في القطاع التحليلي، وتعد واحدة من أكثر المناطق غزارة في تكنولوجيا الرياضة، ويتوقع أن تنمو بمعدل سنوي مركب نسبته 56.66% بين عامي 2017-2021.

لعل أهم نتيجة ثانوية لاستخدام التكنولوجيا في التدريب الرياضي أن الإصابات انخفضت بشدة وأصبح من الممكن الآن تحديدها في وقت مبكر

تم استخدام الطائرات دون طيار الآن كجزء من التدريب، إذ إنها توفر للمدرب نظرة من الجو على توزيع اللاعبين في أرض الملعب، وتوفر رؤية بزاوية 360 درجة لمساعدة الفرق على حد سواء من الناحية التكتيكية، يذكر أن نادي إيفرتون يعد واحدًا من أوائل الأندية الإنجليزية التي تبنت استخدام تكنولوجيا الطائرات دون طيار عام 2015.

ولعل أهم نتيجة ثانوية لاستخدام التكنولوجيا في التدريب الرياضي أن الإصابات انخفضت بشدة وأصبح من الممكن الآن تحديدها في وقت مبكر، فتتبع الأداء وإتقان الحركات وتعزيز التواصل ليس من المزايا فقط، إنها تساعد في الواقع على خلق بيئات أقل عرضة للإصابة.

التحكيم

مرفق مهم آخر من مرافق الرياضة تدخله التقنية من بابه الواسع، ألا وهو التحكيم، وطالما أن الحُكّام من البشر، فحتمًا هنالك أخطاء سوف تحدث، ويطمح الكثير من الرياضيين في أن تساهم التقنية بشكل أكبر في ترقية اللعبة.

ولأجل هذا دخلت عدة أنظمة عالم التحكيم وأثارت بعض الجدل، متهمًا إياها البعض بإضاعة المتعة المرجوة من هذه الألعاب، ومن هذه الأنظمة تقنية نظام "عين الصقر" Hawk-eye وهو نظام ذكي يعتمد على الكاميرات الموصولة به، وتم استخدامه في منافسات الكريكيت والتنس، بينما العديد من الألعاب الرياضية الأخرى تبحث أيضًا في الاستفادة من هذه التكنولوجيا.

يستخدم حكام كرة السلة أنظمة إعادة التشغيل للتأكد من تنفيذ اللاعبين رميتهم خلال الوقت المخصص

يستخدم نظام Hawk Eye كاميرا تأخذ 600 إطار في الثانية على خط المرمى، ويتم تحليل المعلومات بواسطة الكمبيوتر وإرسالها إلى سماعة الحكم أو جهاز على معصمه.

يستخدم حكام كرة السلة أنظمة إعادة التشغيل للتأكد من تنفيذ اللاعبين رميتهم خلال الوقت المخصص، كذلك في عام 2015، تم استخدام تقنية Hawkeye أيضًا من مسؤولي لعبة الرجبي في كأس العالم للرجبي لعام 2015، بينما استخدم الدوري الأمريكي للمحترفين لكرة السلة نظام إعادة التشغيل لمراجعة قرارات "اللمسة الأخيرة" في الدقائق الأخيرة من المباريات، وأيضًا لتحديد إذا كان اللاعبون يتركون الكرة قبل انتهاء الوقت المحدد.

في السنوات الأخيرة تم استخدام تقنية أخرى مهمة وهي تقنية الـ"VAR"، واعتمدت رسميًا في كأس العالم الأخيرة بروسيا، واستخدمت لمراجعة اتخاذ قرارات احتساب ضربات الجزاء، والتأكد من دخول الكرة لمرمى الخصم أم لا.

عام 1991 تم تطوير رادار خاص من شركة "IBM" مخصص لقياس سرعة كرات التنس والتأكد من سقوط الكرة قبل أو بعد خط الملعب.

اللاعبون

الركن الأساسي لقيام أي لعبة هو اللاعبون، وهذه المهارات التي نرى لاعبي اليوم يمتازون بها وتلك الخطط المحكمة التي ينفذونها، ما هي إلا جزء يسير من الأمثلة للبصمة التي أحدثتها التكنولوجيا في قطاع الرياضة.

تم تصمييم خوذ ذكية يرتديها لاعبو كرة القدم الأمريكية مزودة بمستشعرات تساعد في اكتشاف مكان الاصطدام وتشتيته ومنع الارتجاج.

إذ بالإضافة إلى تطويرها أساليب التدريب والتحكيم، ركزت على اللاعب وتجهيزاته بشكل مباشر، حيث وفرت التقنيات القابلة للارتداء التقاط البيانات وتحليلها واستخدامها لتحسين الأداء، حيث تحتوي ملابس الرياضيين اليوم على مستشعرات لقياس نبض القلب وتكون من نسيج خاص تسمح للعرق بالخروج إلى خارج الجسم والتبخر، دون بقائها في الداخل وتبليلها ملابس اللاعب ومن ثم زيادة وزن الملابس.

كما تم تصمييم خوذ ذكية يرتديها لاعبو كرة القدم الأمريكية مزودة بمستشعرات تساعد في اكتشاف مكان الاصطدام وتشتيته ومنع الارتجاج.

تعمل شركات التكنولوجيا العملاقة مثل Microsoft وGoogle وApple على تطوير أقمشة ذكية وملابس تفاعلية، مما يعني أننا سنرى على الأرجح منتجات جديدة في السوق قريبًا.

تتوسع التكنولوجيا القابلة للارتداء الآن في تركيزها على إنتاج الملابس الذكية والمنسوجات الإلكترونية، كصناعتها لسترات التدفئة الذاتية التي كان يرتديها الفريق الأمريكي في الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية، أو أحذية HyperAdapt من Nike ذات الأربطة ذاتية الربط.

كما تعمل شركات التكنولوجيا العملاقة مثل Microsoft وGoogle وApple على تطوير أقمشة ذكية وملابس تفاعلية، مما يعني أننا سنرى على الأرجح منتجات جديدة في السوق قريبًا.

الملاعب

تكاد تحتوي الملاعب الحديثة على كم هائل من التكنولوجيا المتطورة التي توفر للجماهير أعلى درجات المتعة والراحة، وقطعت تقنية الملاعب الرياضية شوطًا طويلًا منذ الستينيات، فتم تجهيز معظم الملاعب الحديثة بشاشة تليفزيون عملاقة لإعادة اللقطات المهمة.

كما حوت بعض الملاعب كملعب "Besiktas 'Vodafone Arena" في تركيا على مقاعد ذكية تحتوي على شاشات تلفاز مثبتة في مسند الرأس، ويمكن للمشاهدين أيضًا في بعض الملاعب العالمية استخدام تطبيقات مصممة خصيصًا لطلب الطعام.

الجانب الأمني لم يغب عن بال القائمين على الملاعب الذكية، فقد تم تأكيد استخدام اليابان في أولمبياد طوكيو القادمة تقنية التعرف على الوجه، لمحاربة بيع البطاقات المزيفة وتحسين الأمن

سيكون الملعب الجديد لتوتنهام هوتسبير قادرًا على استيعاب سطحين مختلفين واحد لكرة القدم والآخر لكرة القدم الأمريكية، وستوضع قطع العشب على بكرات قابلة للسحب وتستغرق 25 دقيقة للتبديل بين الاثنين، كما يتم الآن تجهيز بعض الملاعب بسماعات VR لإضفاء مزيد من الواقعية والمتعة في مباريات كرة القدم.

بينما الجانب الأمني لم يغب عن بال القائمين على الملاعب الذكية، فقد تم تأكيد استخدام اليابان في أولمبياد طوكيو القادمة تقنية التعرف على الوجه، لمحاربة بيع البطاقات المزيفة وتحسين الأمن، كما أعلنت تويوتا استخدامها لخمسة روبوتات جديدة من تصميمها تؤدي وظائف مختلفة، منها ما هو مخصص لإسعاف اللاعبين وآخربن لبيع الأطعمة والمشروبات في المدرجات، ومنهم للنقل وتوجيه الزائرين.

كل هذه التقنيات والتحسينات التي أحدثتها التكنولوجيا لم تكد تخلو من معارضة خاصة تلك التي تخص قطاع التحكيم، إذ اعتبر الكثيرون أن هذه التقنيات أفقدت اللعبة متعتها، وهذا الانقطاع في أثناء المباراة للرجوع لتقنية "VAR" يفقد الجمهور الحماس الذي يعيشه في اللحظات الحاسمة، وهنالك مخاوف من البعض من استبدال العنصر البشري في التحكيم تمامًا مع مرور الوقت.