هزة عنيفة لسوق النفط العالمية بعد تفجيرات أرامكو السعودية

لا تزال أصداء تفجيرات معملي أرامكو السعودية تخيم على سوق النفط العالمية الذي قفز سعره بصورة لم تتحقق منذ عام 1988 حيث بلغ سعر مزيج برنت القياسي العالمي عند التسوية 69.02 دولار، مرتفعًا 8.8 دولارات تعادل 14.61%، وذلك خلال تعاملات يوم الإثنين.

وبعيدًا عن الجدل المثار بشأن مصدر انطلاق تلك الهجمات ومن يقف خلفها، سواء كانت ميليشيات مسلحة في العراق أم اليمن، إلا أنه من المؤكد أنها مدعومة إيرانيًا بشكل أو بآخر، وأنها أصابت البنية التحتية النفطية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، بأضرار بالغة ربما تحتاج لوقت طويل للتعافي منها.

ومع التسريبات التي نقلتها وكالة "رويترز" عن مسؤولين سعوديين بشأن استمرار تراجع معدلات النفط اليومي للمملكة لما يقرب من النصف لعدة أشهر بات الحديث عن البدائل المتاحة لتعويض الفاقد في السوق العالمية القضية الأبرز على موائد النقاش، خاصة أن فاقد إنتاج النفط الخام السعودي (الذي يمثل 10% من المعروض العالمي) يبلغ 5% من حجم المعروض، وهو رقم كبير ليس من السهل تعويضه.

خبراء ومحللون ذهبوا إلى أن العديد من الدول تملك مخزونًا وفيرًا يسمح بتلبية المتطلبات الفورية، هذا بخلاف ما تقوم به الشركات من وضع خطط الشحنات لأسابيع وأشهر مقبلة من أجل تعويض نقص في الخام الخفيف والمنتجات المكررة، وهو ما يمكن أن يخفف وطأة الأزمة، لكن مع طول فترة تعطل أرامكو فإن الأمر ربما يزداد صعوبة تهدد سوق النفط بأكمله.

المخزون الإستراتيجي.. الحل الأسرع

القبلة الأولى المتوقع التوجه إليها لتعويض الفاقد السعودي من النفط هو المخزون الإستراتيجي، وهو ما ألمح إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد ساعات قليلة من التفجيرات، حيث سمح في تغريدة له "باستخدام النفط من المخزون الإستراتيجي إذا دعت الحاجة لتجنب النقص في الأسواق".

جيسون بوردوف المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا في نيويورك، اتفق كذلك مع هذا الرأي قائلًا: "أسعار النفط ستقفز بفعل هذا الهجوم، وإذا طال أمد تعطل الإنتاج السعودي فسيبدو السحب من المخزون الإستراتيجي مرجحًا ومنطقيًا".

وفي السياق ذاته قال المحلل أندي ليبو، رئيس شركة "ليبو أويل أسوشييتس" الاستشارية في هيوستن: "كل يوم تظل فيه المنشأة مغلقة - أرامكو - يفقد العالم خمسة ملايين برميل أخرى من إنتاج النفط، والطاقة الفائضة في العالم ليست خمسة ملايين برميل يوميًا.

من المتوقع أن تزداد معدلات الإنتاج الأمريكي من النفط خلال فترة تعطل الشركة السعودية، كذلك زيادة حجم الصادرات

أمريكيًا.. لا تشكل الواردت السعودية إلا 3% فقط من المواد النفطية التي تكررها الشركات الأمريكية على رأسها شيفرون وموتيفا وماراثون وبي.بي.إف، هذا في الوقت الذي وصل فيه الإنتاج الأمريكي من النفط إلى أكثر من 11.6 مليون برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول الماضي 2018 لتصبح الولايات المتحدة بذلك المنتج الأول للذهب الأسود متخطية روسيا والسعودية اللتين وصل إنتاجهما اليومي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وعلى التوالي إلى 11.2 و11 مليون برميل يوميًا.

الدراسات الأمريكية تتوقع أن يتجاوز معدل الإنتاج 12 مليون برميل يوميًا نهاية العام الحاليّ، و15 مليون في غضون 3 - 5 سنوات، وهو ما يحول الولايات المتحدة من دولة مستوردة للنفط إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة، وربما تكون الأزمة الحاليّة اختبارًا حقيقيًا لها كمصدر في السوق العالمية للنفط.

وعليه من المتوقع أن تزداد معدلات الإنتاج الأمريكي من النفط خلال فترة تعطل الشركة السعودية، كذلك زيادة حجم الصادرات، وفق ما أوضح فيل فلين، المحلل لدى "برايس فيوتشرز غروب" في شيكاغو حين أشار إلى أن: "نافذة تصدير الخام الأمريكي سَتُفتح على مصراعيها.. من المرجح أن ترى كميات قياسية من الصادرات الأمريكية".

إلا أن متعاملين ومحللين أشاروا إلى أن استجابة الشركات الأمريكية للتغيرات السعرية قد تستغرق شهورًا بسبب قيود لوجستية، وهو ما قد يعرقلها مرحليًا عن سد هذا العجز.

زيادة الإنتاج

لم يعد أمام أباطرة إنتاج النفط في العالم إلا المزيد من الإنتاج، حتى لو تعارض ذلك مع ما اتفق عليه أعضاء أوبك سابقَا بشأن خفض المعدلات للحفاظ على استقرار الأسعار، وتحتل روسيا مرتبة متقدمة في قائمة الدول الأكثر إنتاجًا للنفط، فقد وصل إنتاجها إلى 11.16 مليون برميل يوميًا في 2018، ليتجاوز المتوسط السنوي البالغ 11 مليون برميل يوميًا للمرة الأولى.

كما تحتل الصين المرتبة الرابعة من حيث معدلات الإنتاج وفق إحصاءات 2016، وتبعتها كندا، غير أن الوضع تغير مع بداية 2017 لتتبدل المراتب بين الدولتين، إذ بلغت نسبة إنتاج النفط الكندي نحو 5.9% من إجمالي النفط العالمي مقابل 4.8% للنفط الصيني.

باحثون يتوقعون زيادة معدل إنتاج الدولتين، نظرًا للاكتشافات البترولية التي تم إعلانها مؤخرًا، فضلاً عن استحداث مصادر أخرى للاستخراج النفطي، وعلى سبيل المثال يتوقع أن يزيد إنتاج كندا إلى 1.26 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2040 لتشاطر الكبار المراكز المتقدمة.

وتملك الصين 325 مليون برميل من النفط في احتياطيها الإستراتيجي، بما يكفي واردات نحو 33 يومًا، بحسب تقديرات الصناعة، إلا أنها ربما تكون الأكثر تأثرًا بأزمة أرامكو كونها تعتمد بشكل كبير على النفط السعودي في وارداتها النفطية، إذ تحصل على 1.7 مليون برميل يوميًا منها بما نسبته 25% من صادرات المملكة.

قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية

الدول الآسيوية.. موقف حرج

الأمر ذاته ينطبق على العديد من الأسواق الآسيوية التي يمثل لها النفط السعودي القيمة الأكبر في وارداتها، إذ لم يعد أمامها إلا السحب من احتياطياتها النفطية الإستراتيجية، وهو ما بدأ التحرك في إطاره، حيث قالت كوريا الجنوبية إنها ستدرس الإفراج عن كميات من النفط من احتياطيها الإستراتيجي إذا تدهور وضع واردات الخام، لكن وزارة الطاقة لا تتوقع أي أثر على تدبير الإمدادات في المدى القصير.

فيما أعلنت الهند أنها تراقب الوضع عن كثب وتجري محادثات مع شركات التكرير الهندية والشركة السعودية لتجنب حدوث أي عجز يؤثر على العجلة الاقتصادية،  بجانب بحثها زيادة وارداتها من روسيا، هذا بخلاف اضطرار مصافي التكرير الحديثة في آسيا لمعالجة الخامات الثقيلة إذا قطعت السعودية صادرات الخامات الخفيفة، رغم أنها ربما لا تكون سريعة أو رخيصة.

وتشير مصادر إلى أن احتمالات البحث عن خامات نفطية أقل في مستوى الكفاءة والنقاء ربما يكون البديل للتعامل مع الأزمة الحاليّة، ورغم صعوبة هذا القرار وتأثيره على سلامة المعامل والصناعات المتعاملة بهذه النوعية الرديئة من الخامات، ربما يكون خيارًا وحيدًا لحين استعادة المملكة إنتاجها كاملاً.

تصنف فنزويلا من أكبر الدول المصدرة للنفط عالميًا، حيث تزخر بأكبر احتياطي يقدر بنحو 300 مليون برميل

فنزيلا وإيران.. الورقة الرابحة

الأزمة ربما تتجاوز بعدها الاقتصادي إلى آخر سياسي، فالرهان على الوقت لتحمل السوق العالمية الفاقد من النفط السعودي والمقدر بـ5% من إجمالي المعروض عالميًا ربما لا يؤتي ثماره، ومن ثم فلا بد من البحث عن مصادر أخرى غير التي تم مناقشتها خلال اليومين الماضيين.

فزيادة الإنتاج ربما لن تسعف في تعويض الفاقد، كذلك اللجوء إلى المخزون، ربما يضفي حالة من القلق على بعض الدول، تحسبًا لما يمكن أن يستجد مستقبلاً خاصة إن طال أمد الأزمة، ومن ثم لم يعد هناك إلا نفط إيران وفنزويلا، فهما القادران على إمداد السوق بما يمكن أن يتجاوز مأزقه الحاليّ.

لكن هناك معضلة سياسية في هذا الأمر، تتعلق بالعقوبات المفروضة على كلتا البلدين من الولايات المتحدة، والمتعلقة بتصفير صادرات النفط الإيرانية وفرض تضييقات داخلية على إنتاج النفط الفنزويلي، الأمر الذي تسبب في تراجع إنتاجه خلال السنوات الماضية، إذ بلغ أقل بكثير من 900 ألف برميل في اليوم، مقارنة مع 3.2 ملايين برميل قبل 10 أعوام.

تصنف فنزويلا من أكبر الدول المصدرة للنفط عالميًا، حيث تزخر بأكبر احتياطي يقدر بنحو 300 مليون برميل، مما يجعلها دولة مهمة في سوق النفط العالمية، إلا أن العقوبات الأمريكية وانقطاعات الكهرباء أدى إلى هزة عنيفة في معدلات الإنتاج وفق ما أشارت وكالة الطاقة الدولية.

العقوبات الأمريكية تسببت في تراجع جذري في معدلات إنتاج وتصدير النفط الإيراني

الأمر ذاته تعاني منه إيران، إذ تراجع إنتاجها من النفط الخام خلال أغسطس/آب الماضي لأدنى مستوى منذ 30 عامًا، تحت ضغوط العقوبات الأمريكية، وانخفض بأربعين ألف برميل يوميًا، إلى متوسط 2.19 مليون برميل يوميًا خلال هذا الشهر، الأمر انسحب بدوره على الصادرات التي هبطت بواقع 170 ألف برميل يوميًا إلى مئتي ألف برميل.

يذكر أنه قبيل فرض العقوبات الأمريكية على إيران، كان متوسط الإنتاج النفطي اليومي لطهران 3.85 مليون برميل، وهو ما يفوق الدول الكبرى، الأمر الذي يجعل من التفكير في هذا الرقم أمرًا في غاية الأهمية لعبور هذه المرحلة الحرجة التي لو استمرت على هذا المنوال فإن أسعار النفط في السوق العالمية لا يمكن السيطرة عليها.  

ضغوط من المتوقع أن تمارسها بكين لرفع الحظر عن النفط الإيراني خاصة أنها المتضرر الأكبر من الفاقد السعودي، هذا بجانب دول أوروبا التي ربما تجد في الأزمة الحاليّة فرصة مواتية لتخفيف حدة التوتر

البيت الأبيض كان قد أشار إلى احتمالية عقد لقاء قريب بين الرئيسين الأمريكي والإيراني، غير أن ترامب نفى هذا الكلام في تغريدة له، ورغم ذلك يتوقع محللون أن يتخلى الرئيس الأمريكي عن موقفه المتشدد وأن يفتح باب التفاوض مع طهران بما يسمح بتخفيف العقوبات المفروضة عليها ويرفع الحظر عن النفط المخزن على شواطئ إيران في انتظار الإفراج والسماح بتصديره.

ضغوط من المتوقع أن تمارسها بكين لرفع الحظر عن النفط الإيراني خاصة أنها المتضرر الأكبر من الفاقد السعودي، هذا بجانب دول أوروبا التي ربما تجد في الأزمة الحاليّة فرصة مواتية لتخفيف حدة التوتر، إنقاذًا للاقتصاد العالمي من أزمة من المتوقع أن تلقي بظلالها القاتمة على الجميع.

ترامب وخلال تصريحات له أمس، خفف نسبيًا من نبرة التصعيد مع طهران، فبعدما حملها المسؤولية كاملة في تغريدة له بعد ساعات من التفجير، عاد مرة أخرى ليؤكد عدم امتلاكه معلومة مؤكدة عن ضلوع إيران في التفجيرات، ملمحًا إلى رغبة بلاده عدم خوض أي حرب مع إيران في الوقت الحاليّ.

الرئيس الأمريكي خلال استقباله ولي عهد البحرين، سلمان بن حمد آل خليفة في البيت الأبيض بواشنطن، قال: "لا نريد حربًا مع إيران رغم أن لدينا أفضل الأسلحة في العالم"، معتبرًا أن "الدبلوماسية لا تستنفد أبدًا عندما يتعلق الأمر مع إيران"، وهو ما يبدو أنه يفتح بابًا للحوار، في ظل نشاط مكثف للدبلوماسية الأوروبية خلال الساعات القليلة القادمة.