عبد الكريم الزبيدي

أفرزت الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس العديد من المفاجآت، ليس أقلها شأنًا وأهميةً هزيمة وزير الدفاع الحاليّ عبد الكريم الزبيدي الذي وصف بكونه "مرشح الدولة العميقة" القادر على حمايتها وحماية استمراريتها رغم كل الإمكانات التي سخرت له.

الزبيدي رابعًا

أظهرت نتائج رسمية جمعتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس مساء الإثنين، تواصل تقدم المرشحين بالانتخابات الرئاسية قيس سعيد ونبيل القروي وعبد الفتاح مورو على الترتيب بعد فرز 77% من الأصوات إلى حدود الساعة الثامنة والنصف مساءً بالتوقيت المحلي (السابعة والنصف بتوقيت غرينتش).

وأظهرت النتائج التي نشرتها الهيئة على صفحتها الرسمية بموقع فيسبوك أن المرشح المستقل سعيد حصل على 18.9% من الأصوات، يليه القروي مرشح حزب قلب تونس بـ15.5%، ثم مورو مرشح حركة النهضة بـ12.9%.

فيما أظهرت نفس النتائج حصول المرشح المستقل عبد الكريم الزبيدي على المرتبة الرابعة بحصوله على نسبة 10.3% من الأصوات، وتعد هذه النتائج متوافقة حتى اللحظة مع ما نشرته وكالة "سيغما كونساي" لسبر الآراء (خاصة) من نتائج غير رسمية للانتخابات استنادًا إلى استطلاع خروج المواطنين من اللجان.

مرشح الدولة العميقة

لم يكن عبد الكريم الزبيدي (69 عامًا) قبل فترة قصيرة، معروفًا لدى فئة كبيرة من التونسيين، فهو قليل الكلام ونادر الظهور في المحطات التليفزيونية والإذاعية لعدم تمكنه من تقنيات الاتصال، وما يعرف عنه إلا أنه يشغل منصب وزير في حكومة يوسف الشاهد.

لم يبق الأمر على حاله، فقد صعدت أسهم الزبيدي فجأة، فبالتزامن مع مرض الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي الذي توفي يوم 25 من يوليو/تموز الماضي، روجت بعض الأطراف بأن عبد الكريم الزبيدي صديق السبسي وكاتم أسراره، حتى إن خلال مرضه لم يقابله إلا الزبيدي وقد سربت صورة "عمدًا" تجمع لقاء الاثنين.

استغل الزبيدي منصبه على رأس وزارة الدفاع، وأقحم المؤسسة العسكرية ووظفها خدمة له من أجل دعم حظوظه في الفوز، بما يتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي ويخالف القانون الانتخابي

منذ تلك الحادثة، بدأت وسائل إعلام خاصة بإيعاز من قوى ماسكة بزمام الأمور في البلاد الترويج - بطريقة تطرح ألف سؤال - لشخص الزبيدي وتعديد خصاله ومناقبه وإظهاره بثوب المحافظ على استقرار البلاد وأمنها وديمومة مؤسساتها وهياكلها.

روج للزبيدي الذي ينحدر من محافظة المهدية الساحلية، بأنه المستأمن على أمن البلاد بعد نجاحه في تنظيم جنازة الرئيس الراحل السبسي، وبأنه المستأمن أيضًا على أسرارها، فضلاً عن كونه امتدادًا للسبسي والابن المثالي للمدرسة البورقيبية.

ساعدهم في ذلك المناصب التي شغلها الزبيدي، فهو يشغل إلى الآن منصب وزير الدفاع منذ 12 من سبتمبر/أيلول عام 2017 في حكومة يوسف الشاهد، وكان كاتبًا للدولة مكلفًا بالبحث العلمي والتكنولوجيا بين 1999 و2000، ثم وزيرًا للصحة عام 2001 في حكومة محمد الغنوشي الأولى تحت حكم زين العابدين بن علي، وبعد الثورة التونسية، أصبح الزبيدي وزير الدفاع خلفًا لرضا قريرة، في تغيير وزاري بحكومة محمد الغنوشي الثانية في 27 من يناير 2011، وهو في الأصل طبيب.

استغلال إمكانات الدولة

إلى جانب الترويج لشخصه بطريقة محترفة، بدأت حملة المناشدة له لتولي رئاسة البلاد، ما جعل رصيده يرتفع ويصبح منافسًا جديًا على منصب الرئاسة، حتى إن العديد من المرشحين أعلنوا انسحابهم من سباق الرئاسة ودعم ترشحه طمعًا في منصب قادم، بعد تيقنهم من فوزه في الانتخابات السابقة لأوانها.

قبل الزبيدي المناشدة، وترشح للرئاسة بعد أن كان زاهدًا عن العمل السياسي، أملاً في الوصول إلى قرطاج والفوز بكرسي الرئاسة حتى لا يذهب لغير الأطراف الداعمة له التي تحكم البلاد منذ قيام الدولة الحديثة سنة 1956، فهي لا ترضى أن يخرج قرطاج والقصبة عن إمرتهم.

استثمر الزبيدي في صورة السبسي وبورقيبة

مُنح للزبيدي الخط الأحمر لاستغلال إمكانات الدولة بالكيفية التي يريد، حتى إنه تراجع عن الاستقالة من منصب وزير الدفاع واكتفى بتقديم إجازة فقط، حتى يتمكن من استغلال منصبه على رأس إحدى أبرز الوزارات السيادية في تونس.

استغل الزبيدي منصبه على رأس وزارة الدفاع، وأقحم المؤسسة العسكرية ووظفها خدمة له من أجل دعم حظوظه في الفوز، بما يتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي ويخالف القانون الانتخابي، وهي سابقة في تاريخ البلاد، فجيش تونس جمهوري ومحايد ولا صلة له بالعمل السياسي.

لم يكتف بإقحام الجيش العمل السياسي، بل عملت حملته على تجنيد مسؤولين في الدولة وهياكل ومؤسسات تابعة لها، لخدمة هدفه، أو بالأحرى خدمة هدف الأطراف التي جاءت به ووضعته في واجهة العمل السياسي في البلاد.

التصويت العقابي

الاستثمار في صورة الرئيس الراحل السبسي والرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، واستغلال مؤسسات الدولة وإقحام الجيش الوطني العمل السياسي، كلها لم تمكن عبد الكريم الزبيدي من الصعود إلى الدور الثاني للانتخابات الرئاسية في تونس.

فشل له العديد من الدلالات أولها أن التونسيين اعتمدوا مبدأ "التصويت العقابي"، فالشعب أثبت عدم ثقته في السياسيين في تونس وأن هناك سعيًا منه لتمكين وجوه جديدة من إدارة شأن البلاد ما قد يقدم بدائل جديدة.

وتعكس نسبة المشاركة الضعيفة التي لم تتجاوز 45.02%، عزوف الناخبين لعدم ثقتهم في الطبقة السياسية بقديمها وجديدها، وما النسبة الضعيفة التي تحصل عليها الزبيدي إلا دليل قوي على رفض التونسيين للمنظومة التي حكمت البلاد منذ 60 سنة، فالرجل كما قلنا سابقًا يروج بأنه حامي هذه المنظومة.

وجاء هذا الرفض الكبير للزبيدي، نتيجة فشل الطبقة السياسية التي يمثلها في النهوض بالبلاد طيلة العقود التي حكمتها، كما أنها ساهمت في تعقيد الوضع بتونس عقب الثورة كونها لم تترك الطبقة السياسية الجديدة تعمل لصالح البلاد، بل أطنبت في عرقلتها.

تثبت هزيمة الزبيدي الذي سخر كل شيء خدمة له، بداية سقوط الدولة العميقة رغم نزولها من عليائها

تفسر هزيمة الزبيدي أيضًا بظهور توجهات شبابية كبرى تسعى للقطع التام مع المنظومة الحزبية القديمة العاجزة عن الاستقطاب والفاشلة في الحكم والمعبرة عن فئوية وتمركز للعمل السياسي الأمر الذي لم يعد مستساغًا من فئات واسعة غاضبة ومحبطة.

وترى الصحفية التونسية عايشة الغربي، أن "هزيمة الزبيدي هي هزيمة للساحل التونسي الذي حاول العودة بقوة عبر بوابة وزارة الدفاع لاسترجاع سلطته التي فقدها منذ اندلاع الثورة التونسية"، وتضيف الغربي لنون بوست "لم يكن الزبيدي يومًا شخصية قريبة من التونسيين، لخطابه الجاف ودخوله في دوامة تبادل التهم مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد".

نموذج سياسي جديد

"خلقت تونس اليوم نموذجًا سياسيًا جديدًا في العالم العربي بعيدًا عن ضخ الأموال وتكريس الإعلام لخدمة هذا أو ذاك"، وفق عائشة الغربي، مؤكدة في تصريح لنون بوست، "التونسيون اليوم بحاجة إلى رئيس قادر على استيعاب مشاغلهم الأساسية وقادر على المحافظة على شعار ثورتهم التي سحبت منهم وهو شغل حرية كرامة وطنية".

وتقول الغربي: "قد لا يكون المرشحان للدور الثاني قيس سعيد ونبيل القروي، قادران على تحقيق الأفضل لكنهما قدما الوعود الأقرب إلى انشغالاتهم، ولهذا فشل الزبيدي الذي اعتمد على خطاب قديم ونجح القروي وانتصر سعيد".

تثبت هزيمة الزبيدي الذي سخر كل شيء خدمة له، بداية سقوط الدولة العميقة رغم نزولها من عليائها، وبداية عهد جديد لا يعرف إلى الآن موعد نهايته، تكون الكلمة الفصل فيه للمستقلين الذي يروجون لخطاب يلامس احتياجات التونسيين.