خروج الآلاف في مصر للمطالبة برحيل السيسي

عاشت وسائل الإعلام التابعة لنظام السيسي، ومن يقف في صفه من وسائل إعلام محور الثورات المضادة، حالة إنكار وارتباك واضحة، مع  توافد حشود المتظاهرين إلى ميدان التحرير وميادين أخرى في عدد وازن من المدن المصرية الكبرى، استجابة لدعوة أطلقها المقاول المصري محمد علي، رفضًا لاستشراء الفساد بأعلى هرم السلطة في مصر وجيشها الذي يبني القصور الرئاسية الفارهة، في الوقت الذي يرزح فيه ملايين المصريين تحت خط الفقر مع مُطالبات بالصبر والتحمل.

وفي الوقت الذي تابعت كبريات وسائل الإعلام الدولية المظاهرات المصرية الليلة، وبثتها على الهواء مباشر أو ضمن نشراتها الرئيسية، إلا أن وسائل الإعلام المصرية التابعة لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي "أخذت وضعية المزهرية" أو "عملت نفسها ميتة" كما يتندر رواد شبكات التواصل، وجرى الأمر كأن شيئًا لم يكن، على أن الصور ومقاطع الفيديو غزت شبكات التواصل الاجتماعي.

الإعلام المصري يغرد خارج السرب

وواصل الإعلام المصري تغريده خارج سرب الإرادة الشعبية كعادته، ففي الوقت الذي نفض فيه الأهالي حاجز الخوف عنهم وخرجوا إلى الشوارع ضد النظام، كان هذا الإعلام يمجد رأس النظام "السيسي" وينفخ في صورته.

وتمكن المحتجون ليلة أمس من الوصول إلى عدد من أبرز ميادين مصر، خصوصًا ميدان التحرير رمز ثورة يناير الذي ظل مغلقًا أمام المظاهرات والتجمعات الشعبية في السنوات الماضية، لتشهد مصر بذلك ليلة استثنائية تعيد الأذهان إلى بدايات الحراك الشعبي في ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بحسني مبارك.

حدة المظاهرات وانتشارها حتمت على الإعلام المصري التطرق إليها، لا من أجل نقل فعالياتها وإنارة الرأي العام، بل من أجل التضليل والتقليل من شأنها

كان الشعار الأبرز للمظاهرات هو "ارحل يا سيسي"، كما ردد المحتجون هتافات أخرى من قبيل "قول ما تخافشي، الخاين لازم يمشي" و"ارحل، ارحل"، في إشارة إلى السيسي، وهي هتافات ميزت ثورة يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك بعد ثلاثة عقود في السلطة.

كما خرج الآلاف في مظاهرات بمحافظات الإسكندرية والسويس والغربية والشرقية والدقهلية ودمياط ومطروح وبني سويف، مطالبين بتنحي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وذلك استجابة للدعوة التي أطلقها رجل الأعمال والممثل المصري محمد علي الذي عمل مقاولاً مع الجيش المصري سنوات عدة، قبل أن يبدأ مؤخرًا في بث فيديوهات تكشف فساد السيسي وزوجته وعدد من قادة الجيش.

كل هذه الأحداث التي عرفتها البلاد ليلة أمس لم يتمكن الإعلام المصري الرسمي والخاص بجميع أنواعه - المكتوب والمرئي والسمعي والإلكتروني - من رؤيتها، فأعينهم لا ترى وآذانهم لا تسمع إلا بأمر من القيادة العليا، التي تحكم قبضتها على كل شيء في مصر.

تجاهل ثم تضليل

وتجاهل الإعلام المصري تلك المظاهرات تجاهلاً تامًا، في الوقت التي تصدرت فيه المظاهرات النشرات الإخبارية لكبرى المؤسسات الإعلامية العالمية كرويترز وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ونيويورك تايمز الأمريكية.

فخلال تلك المظاهرات التي تعتبر الأولى من نوعها منذ سنة 2013، اختارت قناة "دي إم سي" التليفزيونية المملوكة للمخابرات المصرية، إذاعة أغانٍ حماسية للمطرب الإماراتي المعروف عنه دعمه للسيسي، حسين الجسمي.

قناة "سي بي سي" لصاحبها رجل الإعلام والأعمال محمد الأمين الموالي للسيسي، اختارت هي الأخرى تجاهل ما يجري في ميادين مصر، واكتفت ببث فيديوهات لمطربين وفنانين يؤكدون ولاءهم للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي تطالبه الجماهير الغاضبة بالرحيل والتنحي عن الحكم.

وتجاهلت قناة النهار الأحداث تماما وهي تتابع مهرجان الفضائيات العربية، وكذلك فعلت قنوات التلفزيون المصري (ماسبيرو) وقناة المحور التي خلت من أي إشارة إلى الأحداث، واكتفت ببث برامج اعتيادية ترفيهية واجتماعية وأفلام قديمة.

فضلاً عن ذلك، لم تتطرق أي من المواقع الإلكترونية لهذه المظاهرات واكتفت بالحديث عن زيارة السيسي لنيويورك للمشاركة في القمة الأممية، والحديث عن ترحيب الجالية المصرية بنيويورك بالسيسي ورفع الشعارات المؤيدة له.

هذا التجاهل لم يدم طويلاً، فحدة المظاهرات وانتشارها حتمت على الإعلام المصري التطرق إليها، لا من أجل نقل فعالياتها وإنارة الرأي العام، بل من أجل التضليل والتقليل من شأنها وتوزيع تهم الخيانة والمس بالأمن العام للبلاد للمشاركين فيها.

سارعت قناة "سي بي سي إكسترا" إلى نقل صور حية لميدان التحرير في القاهرة بعد خلو المتظاهرين منه، مع تعليق صوتي بأن مَن نزلوا إلى الميدان قبل قليل هم مشجعون للنادي الأهلي، احتفلوا لبضع دقائق بفوز ناديهم بكأس السوبر وانصرفوا على الفور.

لا بأس أحيانًا بالحديث عن أهمية "الورق الصحي"!

بدورها، أكدت قناة "دي إم سي" التليفزيونية التي تعد واجهة للقوات المسلحة المصرية أن المظاهرات مفبركة، حيث زعم الإعلامي الموالي للنظام والقريب من دائرة السيسي حاليًّا، رامي رضوان في برنامجه "مساء دي إم سي"، أن مقاطع الفيديو المصورة للمظاهرات "مفبركة".



واستضاف رامي رضوان، شخصًا زعم أنه خبير في تقنية المعلومات، وادعى أن جميع المقاطع مركبة لزيادة عدد المتظاهرين الواضحين في الصور.

هذه ليست المرة التي يعمد فيها الإعلام المصري إلى تجاهل شعبه وتضليل الرأي العام، فهذه السمة أصبحت السمة البارزة في المشهد الإعلامي المصري الذي امتهن "التطبيل"

من جهتها، قالت صحيفة اليوم السابع المحلية: "الإخوان قاموا بإنتاج مواد فيلمية مفبركة وفيديوهات تزعم خروج تظاهرات بميدان التحرير، استخدمت خلالها فيديوهات قديمة للميدان خلال فترات ما بين 2011 إلى 2013"، وأضافت "الميدان يتمتع بهدوء وانسيابية مرورية عادية لا يتخللها زحام أو أي مظاهرات".

الصورة نفسها تتكرر

هذه ليست المرة التي يعمد فيها الإعلام المصري إلى تجاهل شعبه وتضليل الرأي العام، فهذه السمة أصبحت السمة البارزة في المشهد الإعلامي المصري الذي امتهن "التطبيل" لنظام عبد الفتاح السيسي وقبله حسني مبارك، والعمل ضد إرادة الشعب.

تمجيد السيسي ونظامه من الإعلام المصري لم يوضع له حدود، فقد وصل الحال ببعض الإعلاميين المصريين إلى "تأليه" السيسي رئيسًا وشخصًا وقائدًا عسكريًا، فكلما أتيحت لهم الفرصة إلا واستماتوا في الدفاع عن شخص السيسي.

يعود هذا الأمر إلى نجاح نظام السيسي في فرض كامل هيمنته على الصحافة والصحفيين وذلك عبر تشكيل عدد من المؤسسات التابعة له لفرض مناخ إعلامي جديد داعم للنظام على رأسها شركة "فالكون للأمن ومجموعة "إعلام المصريين" و"إيجل كابيتال" المملوكة للسيدة داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة وزوجة محافظ البنك المركزي طارق عامر.

أنشأ النظام أيضًا كل من المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، خصيصًا لإخضاع جميع وسائل الإعلام للنظام والإطاحة بأي مخالف، وقد نجحا في ذلك إلى أبعد الحدود، فنحن أمام إعلام "مدجن".

فضلاً عن ذلك، عطل صدور القوانين المنظم لمهنتي الصحافة والإعلام للعام الثالث على التوالي وتدشين لائحة جزاءات ترهيبية، أفضت إلى نزوح العشرات من العاملين في المهنة، تاركين خلفهم إرثًا ليس بالهين من سنوات الخبرة والشقاء، خوفًا من أن يقعوا تحت قبضة السلطات التي ثبت بالدليل القاطع أن من يقع تحت أيديها لا يرحم.

لم يتوقف النظام المصري عند هذا الحد، بل عمد إلى حجب العديد من المواقع الصحافية والإعلامية المعارضة له دون سند قانوني في ذلك، سعيًا إلى إعلام الصوت الواحد، من الأجهزة الأمنية التي تتحرك وفقًا لخططٍ واضحة من جانب رأس النظام السياسي.

نجح النظام بهذه الآليات في تقليم أظافر المعارضة وتكريس الصوت الواحد وإجهاض آخر ما تبقى من الحريات الإعلامية، إذ تمكن بمساعدة الهيئة العامة للاستعلامات "حكومية" من تمرير العديد من التشريعات والإجراءات التي تسعى إلى فرض إعلام الصوت الواحد.

إزاء هذا المشهد، طبيعي أن يتراجع ترتيب مصر في مؤشر حريات الصحافة وهو ما أكده التصنيف السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" للعام 2019، حيث احتلت المرتبة 163 من بين 180 دولة، متراجعة مركزين عن ترتيبها في مؤشر العام السابق، حين احتلت المركز 161.

إعلام الثورات المضادة على الخط

بدوره دخل الإعلام السعودي الإماراتي المؤيد للسيسي على الخط، حيث شكّك قناة "أم بي سي مصر" في حجم المظاهرات، وأوضح الإعلامي المصري الذي يشتغل في هذه القناة "عمرو أديب" أن المظاهرات محدودة وفي تجمعات حول الميدان وبعض المحافظات، متهمًا جماعة الإخوان بمحاولة ركوب احتفالات جمهور النادي الأهلي وإظهارها بأنها مظاهرات ضد النظام.

واعتبر أديب المعروف ولاؤه الشديد للسيسي أن الميدان مفتوح والحركة معتادة فيه، والمترو لم يغلق، مرحّبًا بالمظاهرات ولكن بعد "استقرار البلاد"، مشيرًا إلى أن قنوات "الأعداء" -ويقصد بها قنوات المعارضة بالخارج- سوف تتلاعب بالفيديوهات وتضخم الحدث البسيط.

من جهتها، لم تتناول قناة العربية ما يحصل في مصر إلا من خلال خبر يتيم نقلت فيه تدوينة لوزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، قال فيه إن حملة الإخوان المنظمة ضد مصر واستقرارها فشلت فشلا ذريعا.

واعتادت القنوات الإماراتية والسعودية على نشر الإشاعات والأخبار الزائفة، خاصة في مصر دعما لنظام السيسي الذي أثبت ولاءه لهم ومساندته المطلقة لمشروعهم الذي يهدف إلى إسقاط الثورات العربية ووأدها حتى لا تنتشر في باقي دول المنطقة.