راودت مخيلة الإنسان منذ القدم أفكار للظفر بإكسير الخلود، وتناقلت الشعوب بمختلف ثقافاتها أساطير شتى عن ماء الحياة، وعن رجال خارقين لقوانين الطبيعة شربوا من ذلك الماء، واستمرت تلك القصص بالتطور مع مرور الزمن وتطور البشر، إذ شهدت أفلام الثمانينيات من القرن المنصرم سيناريوهات متعددة عن شخصية "سوبرمان" وقدراته المهولة أو شخصية "دارث فيدر" في سلسلة أفلام حرب النجوم.

لكن ظلت تلك القصص والأفكار مجرد حكايات تروى على سبيل الترفيه والتسلية حتى عام 1990 عندما بدأ بالفعل وضع تعريف رسمي لمصطلح "ما وراء الإنسانية".

التطور الكبير في التقنيات القابلة للارتداء والأجهزة الإلكترونية القابلة للزرع، حتمًا سيكون له دور في دفع حدود طاقة الجنس البشري إلى الأمام، والمساهمة في تطوير إمكاناته.

تعريفه

يقصد بمصطلح "ما وراء الإنسانية" مستقبل افتراضي تتجاوز فيه قدرة البشر المستقبليين، قدرة البشر الحاليّين، حيث يكون للذكاء الاصطناعي دور كبير في رسم ملامح هذا العصر، إذ يتم إعادة تصميم الكائن البشري باستخدام تقنيات متناهية الصغر أو تعزيز جذري باستخدام مجموعة من الأدوات مثل الهندسة الوراثية وعلم الأدوية النفسية وعلاجات مكافحة الشيخوخة والواجهات العصبية وأدوات إدارة المعلومات المتقدمة وعقاقير تحسين الذاكرة والأجهزة القابلة للارتداء والحواسيب المزروعة وأبحاث الخلايا الجذعية والطب النووي.

استخدم الإنسان ذكاءه لمعالجة عجزه البيولوجي، واستخدام التكنولوجيا لمعالجة الكثير من العيوب التي تلحق به، إذ عالج ضعف النظر من خلال العدسات، ووضع تقويم الأسنان لرص صفوف أسنانه

لا يعني هذا المصطلح انقراض البشر الحاليّين واستبدالهم بآخرين، لكن سيتم تطوير البشر إلى جيل آخر يمتلك قدرات أعلى من هذا الجيل.

إن فكرة تغيير أو زيادة جسم الإنسان من خلال التكنولوجيا قديمة قدم البشرية نفسها، فمنذ اللحظة الأولى التي صمم فيها البشر الأدوات وتعلموا تسخير النار، تجاوزت البشرية قيودها البيولوجية.

استخدم الإنسان ذكاءه لمعالجة عجزه البيولوجي، واستخدام التكنولوجيا لمعالجة الكثير من العيوب التي تلحق به، إذ عالج ضعف النظر من خلال العدسات، ووضع تقويم الأسنان لرص صفوف أسنانه، والأمثلة لهذا كثيرة جدًا، لكن هذا ليس ما يريده أنصار العلم الجديد، بل ما يريدونه استبدال العين البشرية بأخرى فيها إمكانات للنظر غير متوافرة في العين البشرية مثل اكتشاف الأشعة تحت الحمراء.

المرونة العصبية

إن ما بعد الإنسانية ممكن بسبب شيء يعرف باسم المرونة العصبية أو قدرة الخلايا العصبية في دماغنا على إجراء اتصالات جديدة وإعادة تكوين شبكتها استجابةً لمنبهات أو معلومات أو اختلال وظيفي جديد.

نظرًا لأن الإشارات الكهربائية التي تنتقل عبر نظامنا العصبي لا تختلف عن بعضها البعض - فهي تختلف فقط في كيفية معالجة الدماغ لها - وهذا يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لإعادة تحسس أجهزة الاستشعار الموجودة لدينا من خلال التكنولوجيا

ومن الأمثلة على ذلك تعلم مهارات جديدة وتذكر الأشخاص أو المعلومات أو الأحداث وإجراء حركات معقدة مع أجسادنا دون التفكير بوعي في ذلك وإدراك كل شيء من حولنا.

ونظرًا لأن الإشارات الكهربائية التي تنتقل عبر نظامنا العصبي لا تختلف عن بعضها البعض - فهي تختلف فقط في كيفية معالجة الدماغ لها - وهذا يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لإعادة تحسس أجهزة الاستشعار الموجودة لدينا من خلال التكنولوجيا.

السايبورغ

يطلق البعض على الإنسان المعزز بالتكنولوجيا مصطلح "السايبورغ" وهي الشخصية التي دارت حولها مادة أفلام الخيال العلمي في ثمانينيات القرن العشرين، وهي الشخصيات التي يكون جزء منها بشري والآخر آلي، وستصبح حقيقة في وقت أقرب مما يعتقد معظم الناس.

يوجد اليوم الكثير من الأمثلة لـ"سايبورغ" في عصرنا الحاليّ بعضها كان موجودًا لعلاج حالات مرضية، لكن الآن يتم استخدامها من أصحاء لتعزيز قدراتهم، ومن ذلك:

1- ملابس معززة كمثل تلك التي تنتجها شركة "Seismic" الأمريكية، التي تصمم لمساعدة كبار السن بغية صعود السلالم، لكن يتم الآن ارتداؤها من الشباب لكسب دعم ميكانيكي لأجسادهم يعينهم على إنجاز مهام صعبة.

2- استخدام أدوية وعقاقير لزيادة إنتاج كريات الدم الحمراء التي تعطى لعلاج فقر الدم، من الرياضيين لتحسين أدائهم وزيادة نسبة الأكسجين المتدفق للعضلات.

3- واجهة الدماغ - الكمبيوتر التي يدعو لها مؤسس تسلا إيلون مسك، ما هي إلا محاولة قوية لتأسيس بشر بقدرات ذهنية عالية جدًا.

4- توصلت أبحاث عدة إلى التقليل من آثار الشيخوخة من خلال تقنية الأبحاث الجذعية، أو الآن تجري دراسات للحد منها عبر تقنية تحرير الجينات والمعروفة بكريسبر.

5- الجيل الحديث من الأطراف الصناعية يتم التحكم به عبر الأفكار بالدماغ، ويمكن أن تؤدي حركات معقدة.

6- يستثني الضوء المرئي للبشر كلاً من الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية، ومع ذلك، يعمل الباحثون على طرق لتمديد أطوال موجات الإشعاع التي يمكننا اكتشافها، مما يسمح لنا برؤية المزيد من العالم وفي ضوء مختلف.

7- سمع معزز، لا يقصد به السماعات المساعدة لعلاج ضعف السمع، لكن يدرس باحثون زراعة أجهزة داخل قوقعة الأذن تساعد على سماع ترددات غير قادرة الأذن البشرية على سماعها.

أفكار غريبة

كل ما ذكر قد ينظر إليه على إنه أفكار عادية، لكن هنالك ما هو غريب جدًا وسبب جدلًا فور إعلانه، منها: استبدال الأعضاء البشرية السليمة كالساقين بأقدام صناعية من ألياف الكربون كونها أسرع بالجري وأكثر اتزانًا وغير معرضة للكسر.

لعلّ من أشد المتحمسين لتعزيز صفوف الجيش بهذا النوع من الجنود هي وكالة أبحاث دفاع الجيش الأمريكي داربا، فهي تسعى حثيثًا لإدخال تقنيات جينية تزيد قوة بعض الجنود، وإعطائهم إمكانات التسلق على الجدران، وغيرها من واجهات الدماغ - الكومبيوتر.

أو استبدال العين البشرية بعين اصطناعية قادرة على رؤية الأطوال الموجية مثل الأشعة فوق الحمراء وتحت البنفسجية، وكذلك قيامها بتقريب وإبعاد صور الأماكن عبر إيعازات من تفكير المستخدم.

داربا وسايبورغ

لعل من أشد المتحمسين لتعزيز صفوف الجيش بهذا النوع من الجنود هي وكالة أبحاث دفاع الجيش الأمريكي داربا، فهي تسعى حثيثًا لإدخال تقنيات جينية تزيد قوة بعض الجنود، وإعطائهم إمكانات التسلق على الجدران، وغيرها من واجهات الدماغ - الكومبيوتر.

الجانب الأخلاقي

يرى الدكتور ماسيمو بيلوتشي أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك، أن يكون هنالك مناقشة موسعة في هذه التقنيات الناشئة قبل طرحها، خاصةً عندما يتعلق الأمر بقضايا أخلاقية.

علاوة على ذلك، يلاحظ المراقبون والاقتصاديون أن التحرك نحو مجتمع غير إنساني سيؤدي إلى تفاقم الهوة بين الأغنياء والفقراء.

من جانبهم، يجادل علماء ما وراء الإنسانية أن تكاليف التحسين ستنخفض حتمًا ويشبهونها بالهاتف المحمول الذي كان مكلفًا للغاية في السابق، وكان الأغنياء فقط قادرين على تحمل تكاليفه، ولكنه اليوم أداة عالمية مملوكة من كل أعضاء المجتمع تقريبًا.

يتصور أتباع ما وراء الإنسانية يومًا يحرر فيه البشر أنفسهم من جميع القيود الجسدية، إذ يعتقد مناصرو هذا المجال أنه سيتم الوصول إلى نقطة التحول هذه عام 2030، عندما ستمكن التكنولوجيا الحيوية من الاتحاد بين البشر وأجهزة الكمبيوتر الذكية حقًا وأنظمة الذكاء الاصطناعي

يتم تطوير هذه التقنيات بسرعة دون وجود علامات على التباطؤ، لذلك يتعين علينا أن نقرر إلى أي مدى نريد أن نسير عبر هذا التطور، وعندما تصل التكنولوجيا إلى هذا المستوى، هل سيكون من الأخلاق السماح للجراحين باستبدال الأطراف بشفرات من ألياف الكربون فقط حتى يتمكن مستخدموها من الفوز بميداليات ذهبية؟

في نهاية المطاف

يتصور أتباع ما وراء الإنسانية يومًا يحرر فيه البشر أنفسهم من جميع القيود الجسدية، إذ يعتقد مناصرو هذا المجال أنه سيتم الوصول إلى نقطة التحول هذه عام 2030، عندما ستمكن التكنولوجيا الحيوية من الاتحاد بين البشر وأجهزة الكمبيوتر الذكية حقًا وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ويقولون إنهم يستعدون للتحول إلى الجيل التالي من الجنس البشري الذي يرمزون إلى طرازه 2.0 بدل الجيل الأول 1.0.