الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

حوّل الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش المصري في الـ3 من يوليو/ تموز 2013، بقيادة وزير الدفاع والرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي، البلاد إلى سجن ضخم يزداد ضيقًا على المصريين - الذين يعانون بطبيعة الحال - كلما تقدم الوقت.

وأمام هذه الحالة الممتدة التي لا يعلم أحد متى ستنتهي، حاول كثيرٌ من المصريين المطاردين والمهددين وأصحاب الخصومات مع النظام، كسر هذا الحصار، عبر المغامرة والبحث عن منافذ خارجية مؤقتة، بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، خوفًا من بطش هذا النظام الذي يهدد رأسه الخصوم بأنه "مش سياسي"، وأن من يريد الكرسي عليه أن يتخلص منه أولاً.

وفي الأسابيع الأخيرة، برز اسم الفنان والمقاول محمد علي كأحد أبرز المصريين الفارين من جحيم النظام إلى الخارج (إسبانيا)، بعد أن تحولت مظلمته وخصومته الشخصية مع القيادات الحاكمة إلى صراعٍ سياسي وشعبي قد يقود البلاد إلى ثورةٍ جديدة.

بذل النظام كل ما في وسعه - منذ بداية نشر المقاطع - لتحويل هذه المعركة إلى صراعٍ غير أخلاقي، بدايةً من محاولة وقف انتشار المواد المصورة عبر ثغرات قانونية في فيسبوك، ومرورًا بمحاولة تسريب تسجيلات شديدة الخصوصية عن أسرته

وخلال نحو 20 مقطع فيديو صورهم رجل الأعمال الشاب لكشف الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام والتحريض على الغضب الشعبي، انتقامًا من النظام الذي "أكل عليه حقه" كما يقول، شدد محمد على ضرورة أن تكون هذه المباراة السياسية نظيفة ونزيهة بعيدًا عن الأساليب الملتوية (Fair Game) على حد تعبيره، فإما أن ينكر النظام ادعاءاته بالدلائل أو يعترف بالفساد ويتنحى بعيدًا عن حكم البلاد.

ومع ذلك، بذل النظام كل ما في وسعه - منذ بداية نشر المقاطع - لتحويل هذه المعركة إلى صراعٍ غير أخلاقي، بدايةً من محاولة وقف انتشار المواد المصورة عبر ثغرات قانونية في فيسبوك، مرورًا بمحاولة تسريب تسجيلات شديدة الخصوصية عن أسرته، ووصولًا إلى ظهور مؤشرات جادة على رغبته في التخلص من محمد علي.. فما أبرز هذه المؤشرات؟

تهديدات بالقتل

عرض أحد رجال الأعمال المصريين المقيمين في الداخل مبلغًا ضخمًا (5 ملايين جنيه)، يحصل عليه من يقوم بالتخلص من محمد علي، ووقف تسجيلاته التي يفضح بها النظام بطبيعة الحال.

"ياسر ندا" الذي عمل في قطاع التسويق بإحدى أشهر شركات الألبان في مصر (دومتي)، ثم تحول إلى رجل أعمال مستقل، برهن على صحة هذا العرض، عبر تصوير "شيك" يتضمن المبلغ المالي حاملًا توقيعه، ونشره على صفحته بموقع "فيسبوك".

التهديد الذي فهم الكثيرون أن محمدًا غير مستثنى منه، جاء بعد تصريحات الرئيس المصري خلال مؤتمر الشباب الثامن الذي أقيم بشكل عاجل للرد على اتهامات محمد علي، التي اعتبر فيها السيسي هذه الأزمة امتدادًا لـ"مؤامرة يناير"

هذا التهديد الذي لا يمكن أن يخرج في مصر بعد الـ3 من يوليو إلا بموافقة النظام، اعتبره محمد إلهامي الباحث في الشأن المصري تطورًا منطقيًا لحالة التحريض التي شنتها الدولة ضد المقاول، ودليلاً على خروج القرار الرسمي بالتخلص منه.

وفي سياق ظهور كثير من الوجوه للرد على محمد علي، رغم اختفائها عن المشهد المصري لفترات طويلة وأسباب غير معلومة، خرج ضابط الصاعقة المصري محمد وديع المحال إلى التقاعد بعد انضمامه إلى الثورة المصرية (ضباط 8 أبريل) مهددًا كل من يخون بالوطن بأن يكون جزاؤه "طلقة في نص راسه".

التهديد الذي فهم الكثيرون أن محمدًا غير مستثنى منه، جاء بعد تصريحات الرئيس المصري خلال مؤتمر الشباب الثامن الذي أقيم بشكل عاجل للرد على اتهامات محمد علي، التي اعتبر فيها السيسي هذه الأزمة امتدادًا لـ"مؤامرة يناير" التي كانت تستهدف الجيش والشرطة باعتبارهما "مراكز الثقل" التي تستطيع حماية الدولة من الفوضى.

تهديدات المقاول لم تأت من الداخل المصري فقط، بل جاءت أيضًا من مؤيدين للنظام يقيمون في الخارج، حيث حذر أحد رجال الأعمال المقيمين في إسبانيا (أحمد عبد القادر ميدو) محمد من عواقب الاستمرار في الحملة التي يشنها ضد النظام المصري، مشيرًا إلى أنه في حال لم يتوقف "سيكون الحساب قاسيًا وفي إسبانيا".

ميدو هو لاعب كرة قدم سابق في نادي الزمالك المصري، ومدير حالي لشركة "ONA" العالمية للاستثمار الرياضي، ورئيس وشريك في ملكية نادي "تريموف" التشيكي، وسبق أن التقى بالسيسي في عدة مناسبات.

الطريقة السعودية

في كل سفارة مصرية بالخارج، يوجد عدد من ضباط المخابرات والاتصال الذين يقومون بمهام أمنية روتينية أقرب إلى العمل الدبلوماسي طالما أن هذه الدولة تربطها علاقات طبيعية مع مصر.

بحسب محمد علي، فإن عناصر مماثلة من السفارة المصرية في مدريد عرضت التصالح معه فور تفجر الأزمة

وتتعاظم مهمات هؤلاء الضباط إذا كان عملهم في واحدة من البلاد المتوترة علاقاتها مع مصر، فيصبح عملهم - في هذه الحالة - أقرب إلى الدائرة الأمنية وجمع المعلومات من العمل الدبلوماسي، وقد يصل إلى تجنيد عملاء في هذه الدول لتسهيل الحصول على المعلومات المطلوبة بشكل دقيق.

إلا أن هؤلاء الضباط اكتسبوا أدوارًا جديدة على طبيعة عملهم التقليدية، متمثلةً في تهديد المعارضين ومطاردتهم ومحاولة إثنائهم عن الأدوار السياسية التي تمثل تهديدًا للنظام المصري.

وقد ذكر الناشط المصري المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية وأحد أهم رموز ثورة يناير (وائل غنيم) أنه تلقى اتصالاً عبر الإنترنت من ضابط مخابرات يعمل في السفارة المصرية بواشنطن يدعى "شريف زهران"، حاول تهديده لوقف بث مقاطع الفيديو التي يدعو خلالها إلى إيجاد حل سياسي توافقي للأزمة المصرية يجنب البلاد خطر الفوضى والحرب الأهلية، ولما رفض وائل تهديد الضابط، قامت الشرطة المصرية بإلقاء القبض على أخيه حازم في القاهرة.

وبحسب محمد علي، فإن عناصر مماثلة من السفارة المصرية في مدريد عرضت التصالح معه فور تفجر الأزمة، مطالبة إياه بتصوير "فيديو" يقدم فيه الاعتذار للرئيس المصري الذي استمع إلى شكوته واهتم بها وأمر بحلها، مقابل الحصول على أمواله المحجوزة عند الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ولكن يبدو أن الآوان قد فات حينها، فقد قرر محمد أن يجعل من مظلمته الشخصية ذات الطبيعة الخاصة مسوغًا لمشروع حراك جماهيري غاضب ضد النظام.

وفي ردٍ على هذا التصعيد من طرف المقاول، علم محمد أن النظام المصري ممثلاً في سفارة بلاده بمدريد اتفق مع وكلاء من إسبانيا للتخلص منه بعيدًا عن مسؤولية النظام المباشرة، خاصة أنه قد تعرض بالفعل إلى محاولة سطو مسلح بعد مدة قصيرة من وصوله إلى إسبانيا، ولم تنجح الشرطة حينها في القبض على الفاعلين.

أعلن محمد علي أنه يغير مقر إقامته بشكل مستمر خلال الفترة الأخيرة، في محاولة منه لتضليل متتبعيه، محملًا السلطات الإسبانية المسؤولية عن سلامته الشخصية

ما يثير القلق أن سياسة الاستعانة بوكلاء لتنفيذ عمليات مشبوهة ضد معارضين سياسيين في الخارج، باتت مطروحة في المجال العربي بشكل رسمي، بعد أن اعترفت السعودية بالتعاقد مع "متعهد محلي" للتخلص من جثة جمال خاشقجي الذي قتلته فرقة سعودية مختارة بوحشية داخل سفارة بلاده بتركيا.

وقد أعلن محمد علي أنه يغير مقر إقامته بشكل مستمر خلال الفترة الأخيرة، في محاولة منه لتضليل متتبعيه، محملاً السلطات الإسبانية المسؤولية عن سلامته الشخصية، ومطالبًا المصريين برعاية أولاده والثأر له إذا تعرض للاغتيال بالفعل.

وتأتي هذه الخطوات بعد فترة قصيرة من إثارة نبيلة مكرم وزيرة الدولة المصرية للهجرة وشؤون المغتربين عاصفةً من الجدل، لتصريحها في لقاء شبه رسمي، حضره أعضاء من الجالية المصرية في كندا وعدد كبير من رجال المخابرات والدبلوماسية التابعين للسفارة المصرية هناك، إن من يعارض النظام المصري من الخارج، سيكون مصيره القتل (أشارت بيدها ممثلةً علامة النحر).

الطريق الرسمي

بالتوازي مع الطريقة السعودية في التخلص من المعارضين، شرع النظام المصري في السير على الطريق الرسمي الذي يجيد العمل فيه أيضًا، من خلال الضغط على الحكومات الخارجية لتسليم ما لديها من مطلوبين.

فعلى هامش أعمال البعثة المصرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقاءً خاصًا مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مقر الجمعية بنيويورك.

تعتبر لافتات "تبادل المعلومات"، و"تسليم المطلوبين" أهم الذرائع التي تبرر بها الدول خضوعها لضغوط النظام المصري وإرسال المعارضين المحتمين في أراضيها إلى المشانق المحتومة في مصر

اللقاء، بحسب تصريحات السفير بسام راضي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية، بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف والتنسيق الحثيث من أجل تبادل المعلومات ذات الصلة، وتعتبر لافتات "تبادل المعلومات" و"تسليم المطلوبين" أهم الذرائع التي تبرر بها الدول خضوعها لضغوط النظام المصري وإرسال المعارضين المحتمين في أراضيها إلى المشانق المحتومة في مصر.

وقد نجحت مصر، يونيو/حزيران الماضي، في تسلم عدد من المعارضين السياسيين المقربين من جماعة الإخوان المسلمين، بعد قضائهم ستة أعوام في دولة الكويت، وتخطط لاستلام 86 آخرين جرى اعتقالهم خلال سبتمبر/ أيلول الحاليّ بطلب رسمي من النيابة العامة المصرية، كما تتعقب في الوقت نفسه نحو 40 معارضًا فروا من البلاد بعد الـ3 من يوليو إلى السودان.

وتنظر الأجهزة الأمنية في مصر إلى هذا الأسلوب باعتباره رادعًا مثاليًا لكل المعارضين المقيمين في الخارج، وتثبيتًا للأنصار والمؤيدين الذين تغمرهم الفرحة بهذه الأخبار، مستحضرين مقولات: هيبة الدولة وأذرع مصر الخارجية التي تعمل في الخفاء، كما حدث عند استعادة ضابط الصاعقة المنشق هشام عشماوي من قوات اللواء خليفة حفتر مايو/آيار الماضي.

ويبدو أن إسبانيا التي تربطها علاقات اقتصادية قوية مع مصر وتعد شريكًا أساسيًا في المشروع القومي للصوب الزراعية الذي يشرف عليه الجيش، لن تمانع في تسليم رجل الأعمال، إذا تعرضت لضغوط قوية من القاهرة، وهو ما يرجح أن يكون قد تم بالفعل خلال اللقاء الأخير، خاصة بعد أن سلمت أحد المعارضين إلى السلطات المصرية (علاء محمد سعيد) الذي كان يعمل رئيسًا للاتحاد الإسلامي للأئمة والخطباء والمرشدين، رغم إقامته في البلاد لأكثر من 15 عامًا.

وسيصبح محمد علي مطلوبًا من السلطات المصرية بشكل رسمي عند صدور حكم قضائي نهائي في أي قضية من ترسانة القضايا المرفوعة ضده داخليًا وخارجيًا، التي تدور كلها في فلك بث الأخبار الكاذبة وإثارة الرأي العام والإساءة للدولة والرئيس والقوات المسلحة.