تصوير ماريا زريق من حراك طابعات يوم أمس

"مفشّ تحرّر وطني بدوننا، مفشّ تحرّر وطني بدوننا، مفش تحرّر وطني بدون الأمان والكرامة والعدالة". كان هذا الصوت الذي ملأ مدينة حيفا مساء أمس الخميس، صوتٌ امتد صداه وسُُمع بوضوح على امتداد فلسطين وأينما وجدت النساء الفلسطينيات في بلدان اللجوء والشتات. في حيفا ويافا والناصرة وعرّابة إلى القدس ورام الله وغزة، إلى بيروت وبرلين أخيرًا، بدأ الحراك النسوي الواعد يتشكّل ليعيد تعريف مفهوم التحرّر الوطني ومكانة المرأة فيه، وليقف أمام منظومة القمع كاملة، ويقدم خطابًا فلسطينيًا جامعًا وعابرًا للشرذمة، حاملًا اسم "طالعات" وشعاره "لا وجود لوطن حرّ دون نساء حرّة".

"طالعات"، من أجل الـ 28 امرأة قتلت في فلسطين منذ بداية العام، ومن أجل 35 امرأة قتلت عام 2018، ولأجل كل امرأة تواجه كل أشكال العنف، بروحها وجسدها بشكل يومي. طالعات اليوم، ليس سعيًا للنجاة من الموت فقط، لكن لأننا غير متسامحات أو متقبلات لأي نوع من أنواع العنف. طالعات، كجزء من المجتمع الفلسطيني الذي تفكك وتهجر ولا زال يُمارس عليه قمع المستعمر الإسرائيلي في السجون والحواجز وقضايا لم الشمل، ولأنه من حقنا أن نعيش بحرية وأمان وعدالة كباقي أفراد المجتمع".

تكمل الناشطة السياسية والنسوية الحقوقية الفلسطينية وإحدى المبادرات في حراك "طالعات" النسوي، سهير أسعد هتافها وسط ما يزيد عن ألف امرأة فلسطينية شاركت في المسيرة الحاشدة في حيفا. انطلقت المسيرات والوقفات كفاحًا ضد صور العنف الذي تتعرض له الفلسطينيات في حياتهن اليومية، ويشمل ذلك القمع السياسي والاقتصادي والنفسي والجسدي والجنسي، الذي تتعرض له النساء في أطر الحياة المختلفة سواء أمام السلطة الحاكمة أو في المجتمع المحيط أو في مكان العمل، وهو ما أفشت قضية إسراء غريب عن جزء بسيط من بشاعته.

من هن "طالعات" وما أهدافهن؟

وفقًا للمتحدثة باسم الحراك، الناشطة شذى الشيخ يوسف، بدأ التحضير لحراك "طالعات" منذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بعد حادثة مقتل الفتاة يارا أيوب من قرية الجش في الداخل الفلسطيني المحتل. اتسعت الفكرة فأريد للحراك ألا يقتصر على الوقوف ضد تعنيف النساء في منطقة بعينها، بل ليشمل جميع النساء الفلسطينيات أينما كنّ.

في حوار خاص مع "نون بوست" قالت الشيخ يوسف إن هذا الفهم يأتي "انطلاقًا من أن كل النساء الفلسطينيات هن بنات مجتمع فلسطيني شرذمته النكبة وفرقته، مجتمع يواجه عنف المنظومة الاسرائيلية بشكلٍ يومي، والنساء هنّ جزء من هذا المجتمع، سواء في الضفة أو في غزة أو الداخل الفلسطيني أو حتى في الشتات ودول اللجوء".

إحدى رسائل الحراك الأساسية، وفق شذى، هي "نقل النقاش من الحيّز الخاص داخل البيوت إلى الحيز العام، المتحفظ والمتخوف والذي يريد للأشياء أن تمضي بصمت. رسالة الحراك موجّهة بشكل أساسي للمجتمع". مشيرةً إلى محاولة الحراك خلق حالة من التضامن الاجتماعي لكسر الشرذمة التي فرضتها منظومة المستعمر الإسرائيلي، ومساهمته في ترميم المجتمع الفلسطيني، الذي عليه أن يكون عادلًا وآمنًا لأفراده خلال نضاله ضد المستعمر الإسرائيلي".

وبتفصيل أكبر  شرحت، سهير أسعد، خلال مقابلة تلفزيونية، أن "الرسالة الأساسية للحراك هي مواجهة العنف الذي تواجه النساء داخل المجتمع الفلسطيني، وغالبًا داخل البيوت ومن أفراد عائلتهن"، مؤكدةً أن هذه الحالة ليست قضية جنائية فردية أو شخصية، كما أراد البعض لقضية إسراء غريب أن تكون، وإنما هي قضية عامة تخص جميع النساء الفلسطينيات وتمس جميع المؤسسات والمنظومات الاجتماعية والسياسية التي تعزز ثقافة العنف والقمع تجاه المرأة.

ما الجديد في خطاب"طالعات"؟

لا يتعامل خطاب "طالعات" مع التواطؤ الاجتماعي ضد المرأة كجزء منفصل عن الوضع السياسي، وإنما يؤمن بأن التحرر الوطني الفلسطيني لن يحدث سوى بوجود نساء حرة، لأن الفلسطينيات لا يواجهن نوعًا واحدًا من العنف، بل عنف مزدوج، من قبل الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والعنف المجتمعي من جهة أخرى. وكون تماسك المجتمع وشعور أفراده بالأمان فيه هي عوامل أساسية في أي عملية تنظم لمواجهة تحدّي خارجي، يصبح خطاب "طالعات" وتطبيق أهدافه ضرورة حتمية.

تعليقًا على هذا الجانب، تقول المتحدثة الشيخ يوسف لـ"نون بوست": "أهم ما يقوله الحراك اليوم أن النساء الفلسطينيات يرفضن أن يكن أولوية مؤجلة لما بعد التحرر الوطني، وقضية حرية النساء وحمايتهن ليست قضية اجتماعية مؤجلة، يجب كنسها تحت السجادة، حتى تكون السلطات مرتاحة، الحراك يعيد الأمر لنقطته الأصيلة، قضية حرية النساء يجب أن تكون في قلب حركة التحرر الوطني، بما يعني، الحرية العدالة والكرامة لكل فلسطينية وفلسطيني".

سرعان ما ظهر قصد الحراك بإيمانه بمقولة "الشخصي هو السياسي" في المظاهرة التي نظمتها الناشطات بالتزامن في باب العامود بالقدس المحتلة، حيث ظهر عنف المستعمر ضد المتظاهرات للاتي هتفن ضده وضد المنظومة السلطوية الذكورية وجرائم الشرف واعتقال المناضلات. هنا اتضح القمع الذي يمارسه الاحتلال على النساء الفلسطينيات، حين تحركت المتظاهرات باتجاه شارع السلطان سليمان وصولًا إلى باب العامود، أوقفتهم شرطة الاحتلال بالضرب والدفع والاعتقال، حتى أنها استخدمت الخيالة لمهاجمة وتفريق التجمع.

تحت تهديد العنف الاستعماري، تكون المرأة الفلسطينية ضحية للقتل والاعتقال والحجز والاستهداف والحصار وتدمير الممتلكات وهدم المنازل، كما تكون هدفًا للانتهاكات الحقوقية الأساسية مثل التعليم والسكن والعمل وحرية التنقل، ما يزيد من العبء الاجتماعي والاقتصادي والنفسي عليها، ولا سيما حين تضطر المرأة لتحمل غياب أحد أفراد الأسرة بسبب حالات الاستشهاد أو الاعتقال أو الإصابة.

أما العنف المجتمعي، فيتمثل بجميع الأفكار والتصورات والأنظمة السلطوية التي تنظر للمرأة على أنها ملكية تابعة لذكور العائلة، وتتعامل معها بشكل فعلي على هذا الأساس، مفترضًا أنه ينبغي على المرأة  الرضوخ لأوامر الذكور في العائلة وتطلعاتهم فيما يخص حقها في الاختيار، واعتبارها كائن مسلوب الإرادة. يمتد الأمر لأبعد من ذلك في حال تعرضت فتاة لتعنيف جسدي أو نفسي واضح يستدعي تدخلًا طارئًا من جهات خارجية، هنا تتواطأ السلطات جميعها (المجتمع والأهل والشرطة ومؤسسات الدولة) مع الفاعل متجاهلة الضحية.

الضحايا قصص ولسن أرقامًا… ولكن

في الوقت الذي كانت تهتف فيه النساء خلال الحراك في رام الله، كانت ترقد في المستشفى القريب امرأة فلسطينية من مدينة جنين أقدم أخوها على تكسير ركبها بمطرقة ضخمة، هذه كانت نهاية سلسلة تعنيفها من قبل أخيها لا بدايتها. اقترب الحراك من المشفى ووجّه الكلام دعمًا لها ولكل من لم تتعد قصتها جدران المنزل.

تصوير شريف موسى

ومن المشاركات من أوضحن أسباب وظروف نزولهن إلى الشارع، كانت من بينهن الكاتبة الفلسطينية، إسلام الخطيب، التي شاركت بمظاهرة الحراك في بيروت. أشارت الخطيب في تغريدة على حسابها الشخصي في تويتر، إلى أن مقتل هناء يعقوب، إمرأة فلسطينية، في مخيم عين الحلوة على يد زوجها عام 2016، والتستر على جريمته بواسطة رجل آخر قتل أمه في عام 2015، كان دافعًا كافيًا لانضمامها للحراك، ولا سيما أن والدتها كادت أن تموت لأنها لاجئة فلسطينية في لبنان.

منذ مطلع العام الحالي، سجلت نحو 29 حالة قتل والعام الماضي انتهى بمقتل 35 امرأة.

ولكن رغم جميع الحالات والأسماء التي تداولتها الناشطات على وسائل التواصل الاجتماعي، لا تزال الإحصائيات والمعطيات المتوفرة لا تعكس حالات العنف التي تجري على أرض الواقع، بسبب ثقافة الصمت والغموض والتستر التي يفرضها العرف الاجتماعي تعزيزًا لمفاهيم العيب والعار التي التصقت باسم المرأة.

ومع ذلك ترصد ورقة حقائق صادرة من مركز شؤون المرأة هذه القضية وتشير إلى ارتفاع ملحوظ في جرائم قتل النساء في المجتمع الفلسطيني بوتيرة متصاعدة، ولا سيما في الأعوام الأخيرة، وتحديدًا من عام 2015. فمنذ مطلع العام الحالي، سجلت نحو 29 حالة قتل والعام الماضي انتهى بمقتل 35 امرأة.

65% من حالات الاعتداء النسي تحدث في البيوت، مما يعني أن المعتدي هو الأب أو الأخ أو الزوج أو شخص مقرب جداً

وفيما يخص العنف الأسري أظهر مسح أجراه مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، أن حوالي 37% من النساء اللواتي سبق لهن الزواج تعرضن لأحد اشكال العنف من قبل أزواجهن بنسبة 29.9% في الضفة الغربية مقابل 51.1% في قطاع غزة.

كما بلغت نسبة اللواتي تعرضن لعنف نفسي لمرة واحدة على الأقل من هؤلاء السيدات 58.6%، بينما تعرضن 55.1% لعنف اقتصادي، وبلغت نسبة المعنفات اجتماعيًا نحو 54.8% ، وتبعها 23.5% للمعنفات جسديًا، أما العنف الجنسي فلقد بلغ 11.8%، وذلك بحسب إحصاءات لجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2012. وما يفزع اكثر من هذا السياق أن 65% من حالات الاعتداء النسي تحدث في البيوت، مما يعني أن المعتدي هو الأب أو الأخ أو الزوج أو شخص مقرب جداً، وفق تقرير لجمعية السوار لعام 2018.

ما الخطوة التالية؟

تصوير شريف موسى

بتأثر شديد، رأت الناشطة السياسية والمبادرة في حراك "طالعات"، حلا مرشود بأن مظاهرة "طالعات" كانت واحدة من أهم وأعظم الوقفات التي ترتبط باسم المرأة الفلسطينية، فعلى حسب وصفها،كان هناك تعطش واضح لهذه الصرخة ضد العنف، حيث عبرت كل مجموعة من النساء الفلسطينيات المحتجات عن منظومة أو نوع مختلف من القمع الذي تواجهه في كافة أماكن وجودهن. 

يحتاج المجتمع الفلسطيني والنشاط النسوي في فلسطين إلى من يفكر خارج الصندوق ويستطيع صياغة خطاب نسوي وطني جامع ويمثل نساء فلسطين في كل مكان، ويتعامل مع تحديات ومشاكل المرأة الفلسطينية أينما وجدت ويؤثر في المنظومة القانونية القائمة لرفع الظلم عنها

فالنساء في القدس عبّرن عن رفضهن  لقمع المستعمر بالإضافة للمنظومة المجتمعية القامعة فيما اختارت النساء في حراك بيروت التركيز على حقهن في العودة إلى فلسطين، أما المتظاهرات في رام الله اخترن الاشتباك مع قضية المرأة الراقدة في المشفى القريب بعد اعتداء وحشي على يد شقيقها.

بالنهاية، يحتاج المجتمع الفلسطيني والنشاط النسوي في فلسطين إلى من يفكر خارج الصندوق ويستطيع صياغة خطاب نسوي وطني جامع ويمثل نساء فلسطين في كل مكان، ويتعامل مع تحديات ومشاكل المرأة الفلسطينية أينما وجدت ويؤثر في المنظومة القانونية القائمة لرفع الظلم عنها وإعادة المرأة لمكانها الطبيعي في المجتمع، وسط جو آمن يضمن تحقيق العدالة.