"إيه اللي مصحيكوا بدري كده؟ النهارده الجمعة، والموضوع مش مستاهل خالص" تصريحات أدلى بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فور وصوله القاهرة صباح أمس الجمعة قادمًا من الولايات المتحدة، متحدثًا إلى عدد من المواطنين احتشدوا لاستقباله قرب الصالة الرئاسية بالمطار.

تصريحات حاول من خلالها الرئيس المصري التقليل من شأن دعوات التظاهر التي أطلقها الفنان المقاول محمد علي وبعض القوى السياسية داخل مصر، مصطنعًا درجة عالية من الثقة والتمكن والتأكد من قوة السلطات وقدرتها على مجابهة أي تهديدات من شأنها تقويض أركانه.

غير أن الصورة التي حاول السيسي تصديرها للإعلام الخارجي من جانب وللشارع المصري من جانب آخر تتنافى بصورة كبيرة مع ما يحدث على أرض الواقع، فالتشديدات الأمنية من الدرجة الأولى، وحملة الاعتقالات التي لم تترك تيارًا إلا وكان له منها نصيب، وغلق كل النوافذ أمام ميدان التحرير، فضلاً عن حشود التأييد بالإكراه، كلها دلالات تعكس أن الأمر لم يكن سهلاً كما أراد الرئيس أن يقول.

ورغم إستراتيجيات الترهيب المستخدمة خرجت العديد من المظاهرات في بعض محافظات مصر، معلنة تمردها على حالة التكبيل الأمني، رافعة شعار أن الثورة وإن مرضت فإنها لن تموت، وأن معركة النضال من أجل الدولة المدنية مستمرة غير أنها تحتاج إلى نفس طويل.

مظاهرات رغم الحصار

واصل المصريون في عدد من المدن حراكهم الثوري للجمعة الثانية على التوالي، حيث خرجت بعض التظاهرات قليلة العدد في صعيد مصر ودلتاها، وذلك تحت شعار "جمعة الخلاص" فيما ردد المتظاهرون هتافات تطالب برحيل السيسي وسقوط النظام والإفراج عن المعتقلين.

البداية كانت من صعيد مصر، حيث خرج المئات في مظاهرات متفرقة في كل من محافظات المنيا وسوهاج وقنا والأقصر، بجانب أخرى مماثلة في الإسكندرية والجيزة والقاهرة، فيما شهد بعضها جولات كر وفر مع قوات الأمن التي لاحقت المشاركين وألقت القبض على بعضهم.

خارجيًا نظم ناشطون مصريون وقفة أمام سفارة بلدهم بالعاصمة الألمانية برلين للمطالبة برحيل الرئيس المصري، رافعين شعارات تطالب بإسقاط النظام، ونددوا بالقمع الذي تمارسه السلطات ضد المتظاهرين في مصر، وفي باريس، تظاهر العشرات أيضًا للتعبير عن مساندتهم للمظاهرات المناهضة للسيسي، وتطالب بسقوط ما سموه حكم العسكر.

المتظاهرون دعوا إلى التصدي لاستشراء الفساد وتردي الأوضاع المعيشية وتزايد الاعتقالات التعسفية وملاحقة الحقوقيين والصحفيين، وطالبوا أيضًا بمحاسبة ومحاكمة كل المتورطين في الانتهاكات بحق الشعب المصري، وحثوا المجتمع الدولي والدول الغربية على التوقف عن دعم النظام الحاليّ.

تشديدات أمنية

تأتي هذه التظاهرات في وقت تشهد فيه الشوارع والميادين المصرية حالة خنق أمني غير مسبوق، إذ تحولت بعض المناطق الحيوية التي من المحتمل أن تكون قبلة للمتظاهرين على رأسها ميدان التحرير وميادين محافظات الوجه البحري إلى ثكنة عسكرية، حيث الانتشار الكثيف لقوات الأمن بشتى أنواعها.

وقع ميدان التحرير، أيقونة الثورة في مصر، في أسر طوق أمني محكم، حيث لا مجال للدخول أو الخروج، غلق من كل الاتجاهات، صاحبه سلاسل من أفراد الأمن تحيط المكان من جوانبه الأربع، هذا بخلاف غلق محطة مترو السادات، التي لم تكتف السلطات بها وحدها كالمعتاد، بل ضمت لها 3 محطات أخرى، التي تسبقها والتاليين لها، وهي الأوبرا وجمال عبد الناصر وأحمد عرابي.

وفجأة أغلقت السلطات كوبري 6 أكتوبر الموصل إلى الميدان بحجة إجراء إصلاحات عاجلة له، وهي التي انتهت بنهاية اليوم، كما شنت الشرطة حملات أمنية موسعة على المناطق المتاخمة لوسط البلد، عابدين وقصر النيل والسيدة زينب والمنيرة وباب اللوق ورمسيس في القاهرة، فيما واصلت تفتيش هواتف المارة وسؤالهم عن اتجاهاتهم السياسية واعتقال الكثير من "المشتبه بهم".

"على الرغم من اعتقال 60 ألف شخص والزج بهم في السجون منذ تولي السيسي منصبه، فإن قوات الأجهزة الأمنية كانت دومًا تصور أن التهديد الرئيسي يأتي من الجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين، ولم تتخيل قط أنها قد تتعرض لتهديد من مقاول ورجل أعمال" التايمز البريطانية

تحت عنوان "السيسي يغلق القاهرة ليبعد المتظاهرين عن شوارعها" علقت جريدة "التايمز" البريطانية في تقرير لها عن تفاصيل مشهد الجمعة، فيما أشار مراسلها في مصر مجدي سمعان أن السلطات أغلقت المتاجر والمقاهي، وكانت الشوارع خاوية، وأقامت قوات الأمن والشرطة الحواجز، موضحًا أن المارة كان يتم توقيفهم ويتم فحص هواتفهم بحثًا عن أي أنشطة مناوئة للرئيس المصري.

الكاتب يرى أنه على الرغم من اعتقال 60 ألف شخص والزج بهم في السجون منذ تولي السيسي منصبه، فإن قوات الأجهزة الأمنية كانت دومًا تصور أن التهديد الرئيسي يأتي من الجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين، ولم تتخيل قط أنها قد تتعرض لتهديد من مقاول ورجل أعمال.

وأضاف أن قوات الأمن لم تكن متأهبة لاحتجاجات الأسبوع الماضي التي جاءت على حين غرة، ولكن بالأمس كانت الشرطة عاقدة العزم على الحيلولة دون تكرار اعتصام ميدان التحرير الذي أدى إلى ثورة 2011، فيما نقل التقرير عن جماعات حقوق الإنسان قولها إن نحو ألفي شخص، من بينهم ساسة ومحامون وأكاديميون، اعتقلوا قبيل مظاهرات الجمعة، وقال المدعي العام إن عدد المعتقلين كان ألف شخص وكان من بينهم أجانب.

تأييد بالإكراه

وعلى الجانب الآخر، حشدت السلطات المصرية وأنصارها من الأحزاب والقوى ورجال الأعمال والقوى الناعمة لتظاهرات داعمة للسيسي ولاستقرار الدولة المصرية كما أطلقوا عليها، وذلك أمام المنصة بجوار مسجد هشام بركات "رابعة العدوية سابقًا" بالعاصمة المصرية القاهرة.

التظاهرات تم الحشد لها منذ الثلاثاء الماضي تقريبًا، حين أطلق بعض الفنانيين الداعمين للنظام دعوة للنزول في مواجهة التظاهرات المعارضة، تبنى الدعوات كل من الفنان محمد فؤاد والممثل محمد رمضان، هذا في الوقت الذي جيشت فيها الدولة جهودها لدعم القوى الناعمة لها، سواء داخل مصر أم خارجها.

ومن قلب المحافظات خرجت عشرات الحافلات المحملة بعمال وموظفي الشركات والمصانع المملوكة لرجال أعمال مدعومين وداعمين للنظام، هذا بخلاف موظفي القطاع العام الذين خرجوا بناءً على طلب رؤساء العمل، رغم أن أمس الجمعة هو الإجازة الرسمية للعاملين في الجهاز الإداري للدولة.

أغانٍ وطنية وشعارات وهتافات رفعها المتظاهرون دعمًا للسيسي، فيما استمرت وصلات الرقص على أنغام الطبل البلدي لساعات، وذلك رغم ورود أنباء تفيد باستهداف كمين في بئر العبد بشمال سيناء أسفر عن سقوط 10 قتلى على أقل تقدير

كما تبنى حزب "مستقبل مصر" المدعوم وفق ما تقول مصادر إعلامية لجهاز المخابرات العامة، حملة التجييش وذلك عبر شبكة العلاقات الواسعة التي يمتلكها من رجال أعمال وأصحاب النفوذ، حيث تكفل بتجهيز وجبات غذائية للمشاركين فضلاً عن مبلغ مالي يتراوح بين 50 و100 جنيه وفق ما تداول البعض على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي وقت قصير جدًا تحولت المنصة إلى ساحة عرض واسعة، حيث نصب مسرح كبير، وبدأت الحفلة مبكرًا مع قدوم الساعة الثالثة عصرًا، فيما تم تدشين بوابات إلكترونية على مدخل المنصة، قالت وسائل الإعلام المصرية إن المواطنين من دشنوها وهو الأمر الذي أثار سخرية المتابعين.

أغانٍ وطنية وشعارات وهتافات رفعها المتظاهرون دعمًا للسيسي، فيما استمرت وصلات الرقص على أنغام الطبل البلدي لساعات، وذلك رغم ورود أنباء تفيد باستهداف كمين في بئر العبد بشمال سيناء أسفر عن سقوط 10 قتلى على أقل تقدير من بينهم ضابط، وقد تبنى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" هذه العملية.

وبعد أكثر من ساعتين تقريبًا من إعلان خبر عملية بئر العبد اضطر الفنان محمد رمضان الذي كان يعتلي المنصة إلى النزول وإسدال الستار على الأجواء الاحتفالية التي أعادت أجواء 30 يونيو مرة أخرى حين كان المتظاهرون حينها في حماية قوات الأمن، يلقى عليهم أعلام مصر وكوبونات الهدايا، بينما الطرف الآخر ملاحق بسبب تهم التظاهر.

مغازلة إعلامية

أحدثت تظاهرات الجمعة قبل الماضية 20 من سبتمبر، هزة قوية للسلطات المصرية، دفعت أجهزة الإعلام الداعمة للنظام لانتهاج خطاب إعلامي حرص على مغازلة الشارع عبر وعود الإصلاح والاستماع للشكاوى والاستجابة لهموم المواطنين عقب عودة السيسي من أمريكا.

البداية كانت مع الكاتب الأكثر قربًا للنظام، ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأخبار القومية، إذ كتب مقالين منذ اندلاع أزمة تسريبات المقاول، حاول فيهما الترويج لضرورة أن يشهد الأفق السياسي والإعلامي في مصر انفتاحًا افتقر إليه في السنوات الأربعة الأخيرة، وصل إلى حد تأميم الإعلام والحياة الحزبية في آن واحد.

"أقامت قوات الأمن نقاط تفتيش في جميع أنحاء المدينة وأغلقت جميع الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير وأغلقت أربع محطات مترو محاذية، مما منع الناس من ممارسة حقهم في حرية التنقل والتجمع السلمي" العفو الدولية

تبعه في ذلك العديد من الإعلاميين الذين طالبوا بانتظار عودة السيسي وفتح باب النقاش معه عن الأزمات التي تواجه المواطن وضرورة العمل على حلها، على رأسهم الإعلامي عمرو أديب الذي خصه جهاز المخابرات العامة ببعض التسريبات التي ترمي إلى تشويه صورة الحراك والقائمين عليه رغم أن برنامجه يبث على قناة ليست مصرية.

الإعلام لعب على وتر استقرار الدولة المصرية والتحذير من تداعيات سقوطها، وفي الوقت ذاته خاطب ما سماه "وعي المصريين" بشأن المؤامرات التي تحاك ضد مصر من الداخل والخارج وتستهدف الدولة وليس النظام، وهو الخطاب الذي تم اعتماده في معظم القنوات العامة والخاصة.

قلق وترقب دولي

فرض المشهد السياسي المصري، بصورتيه المؤيدة والمعارضة، نفسه على موائد المنظمات الحقوقية الدولية، حيث أعربت عن إدانتها للقمع الأمني للمظاهرات المناهضة للرئيس المصري ، مؤكدة أن التظاهر حق للمؤيدين والمعارضين للنظام على حد سواء.

مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشيليه قالت إنها قلقة إزاء عمليات الاعتقال الواسعة على خلفية المظاهرات في مصر، مشيرة إلى أن منظمات المجتمع المدني المصرية وثقت اعتقال أكثر من ألفي شخص، بينهم محامون وحقوقيون وناشطون سياسيون وأساتذة جامعيون وصحفيون.

فيما قالت منظمة العفو الدولية في تغريدات على تويتر إن القاهرة قيد الإغلاق، حيث أقامت قوات الأمن نقاط تفتيش في جميع أنحاء المدينة، وأغلقت جميع الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير وأغلقت أربع محطات مترو محاذية، مما منع الناس من ممارسة حقهم في حرية التنقل والتجمع السلمي.

المنظمة دعت السلطات المصرية إلى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم في حرية التعبير والسماح للاحتجاجات بالمضي قدمًا، لافتة إلى أنها - أي السلطات - نفذت الأسبوع الماضي موجة مروعة من الاعتقالات الجماعية، حيث احتجز ما لا يقل عن ألفي شخص وفقًا للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بينهم صحفيون ومتظاهرون وسياسيون.

وفي السياق نفسه، حذرت منظمة "إفدي" الدولية التي تعني بحقوق الإنسان القاهرة من أن تتعامل مع المظاهرات السلمية بالقوة، وحثت الجانب المصري على أن يعطي الدليل على احترامها حقوق الإنسان من خلال حرية التعبير والرأي والتظاهر السلمي، كما طالبته بالتعامل مع مطالب المحتجين السلميين بالعقل والاتزان، وأن تغلب مصلحة البلد على المصالح الذاتية.

في سياق متصل، أكد مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدني، ديفد شينكر، دعم واشنطن حق المصريين في التظاهر، وقال إن واشنطن تدعم حق التعبير والتجمع والتظاهر السلمي في مصر، مضيفًا أن إدارة بلاده تراقب تطورات الأوضاع على الأرض في مصر، داعيًا جميع الأطراف إلى ضبط النفس.

نواب ومشروعون أمريكيون دعوا بدورهم السلطات المصرية إلى احترام حق مواطنيها في التظاهر، وذلك عشية دعوات الاحتجاجات في مدن مصرية عدة ضد نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم الجمعة، حيث طالب السيناتور بيرني ساندرز في تغريدة له على تويتر السلطات المصرية بالتوقف عن استعمال العنف ضد المتظاهرين، مؤكدًا أن من حق جميع الناس الاحتجاج من أجل مستقبل أفضل، وأن العالم يشاهد ذلك.

من جهته، أعرب السيناتور بوب مينينديز عن أمله في أن تحترم السلطات المصرية حقوق مواطنيها، وطالب في تغريدة على تويتر بدعم المظاهرات السلمية في مصر، فيما حث النائب رو خانا الرئيس المصري على ضبط النفس قبل شن أي حملة عنف ضد المتظاهرين، معتبرًا أن المتظاهرين يخاطرون بحياتهم من أجل حريتهم وحقوقهم الإنسانية.

أما السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي فقال إن الكونغرس يراقب تطورات الأحداث في مصر، مشددًا في تصريحات نقلتها "الجزيرة" على أن برلمان بلاده سيحاسب النظام إذا استخدم القوة ضد المتظاهرين أو قام باعتقالات عشوائية.

ألمانيًا، أعربت وزارة الخارجية عن قلقها من تدهور أوضاع حقوق الإنسان والحريات السياسية وحرية التجمع والصحافة في مصر، موضحة أن الحكومة رفعت موقفها بشأن الوضع في مصر إلى مجلس حقوق الإنسان وإلى المستوى الأوروبي، لدراسته والمستجدات اللاحقة، في محاولة للحفاظ على حق الشعب في التعبير عن رأيه بحرية كاملة.

وفي المجمل، يبدو أن الوضع لم يكن سهلاً كما أشار السيسي، فالخروج في تظاهرات رغم التضييق الأمني الشديد، في ظل حالة الاستعداد القصوى التي كانت عليها السلطات بأجهزتها كافة، والشحن المضاد في محاولة لإيصال رسالة للعالم بشأن بقاء شعبية النظام دون انتقاص، كلها دلالات تذهب إلى أن الأمر يستحق وليس كما حاول الرئيس إيهام الجميع، هذا في الوقت الذي يعتبر فيه الفنان صاحب التسريبات أن المعركة لم تنته بعد، وأن ما حدث لا يعدو كونه جولة واحدة في معركة طويلة.. وهو ما تكشفه الأيام القادمة.