يعيش في تركيا قرابة الـ4 ملايين لاجئ سوري منذ عام 2011، يشكّلون 4.5% من إجمالي المجتمع التركي، ما يعني أن وقتًا يسيرًا قد مرّ ليتمكن الكثير منهم من تأسيس حياة اجتماعية مستقرة إلى حد كبير في بلاد اللجوء. حياة يومية بعيدة عن الحروب والصراعات، تأثرت وأثرت في الوسط من حولها. برغم ذلك، تبقى استضافة اللاجئين -بطبيعتها- مؤقتة، لذا يبقى سؤال البدائل والعودة إلى سوريا حاضرًا لدى السوريين والأتراك على حد سواء.

هذا ما أشار إليه الرئيس التركي في الأمم المتحدة مؤخرًا، حين قال إن حكومته تدرك التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الناجمة عن وجود 3 ملايين و650 سوريًا في تركيا، وتعلم أيضًا عدم وجود أي دولة تستطيع تحمّل هذه الأعباء، وقال: "لا نفكر في مواصلة استضافة ملايين اللاجئين في أراضينا إلى الأبد".

وبالفعل، فإن هذا الملف هو أحد أهم القضايا التي تطرحها الحكومة التركية، وقد بدأت بالفعل بتوفير مناطق تعرف باسم "المناطق الآمنة" لإعادة اللاجئين إليها مع ضمان عدم تعرضهم لخطر الاعتقال أو الموت على يد قوات الأسد، عن طريق عمليات عسكرية تركية-سورية على الحدود، آخرها ما أعلن بدأه الرئيس التركي أمس، عملية "نبع السلام".

أولًا، ما هي المنطقة الآمنة؟

في الآونة الأخيرة طرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مخططًا لعودة اللاجئين السوريين في محافل عدة بما سماه "خطة المنطقة الآمنة" في شمال شرقي سوريا، تمتد هذه المنطقة شرقًا من نهر الفرات في سوريا إلى الحدود العراقية، كما سيتم توطين مليوني شخص هناك.

ذكرت بعض وسائل الإعلام بعض تفاصيل خطة المنطقة الآمنة، كإنشاء 200 ألف مبنى من أجل توطين أكثر من مليون سوري في المرحلة الأولى، وإنشاء 140 قرية تتسع كل واحدة لـ5 آلاف شخص، وإنشاء 10 مدن صغيرة تتسع لـ30 ألف شخص، كما ستضم القرية مسجدين ومدرستين ومركزًا شبابيًا وصالة رياضية مغلقة.

وكانت أنقرة وواشنطن قد اتفقتا على إقامة منطقة على امتداد 480 كيلومترًا من الحدود التركية، وترغب تركيا في أن تصل المنطقة إلى عمق 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية. أورد أردوغان في تصريحه أمرًا مهمًا بقوله إن بالإمكان رفع عدد السوريين الذين سيعودون من تركيا ودول أوروبية إلى 3 ملايين في المنطقة الآمنة فيما إذا تمت توسعتها لتصل إلى خط محافظتي دير الزور والرقة السوريتين.

 وهنا تحضر مسألة تعاون أوروبا مع تركيا من عدمه، وخصوصًا أن الاتحاد الأوروبي يعارض المقترح التركي لأسباب مختلفة، ولكن زيادة الضغط عليه في ملف اللاجئين ربما يدفعه لمساعدة تركيا في إعادة تأهيل تلك المناطق وتقديم الخدمات للمنطقة الآمنة - حال إقامتها.

المخاوف عند بعض السوريين في مسألة العودة للمنطقة الآمنة، تكمن باعتبارها ليست آمنة ومبهمة بالنسبة لهم

على أي حال فإن هذا الطرح جعل البعض يتداول على المنصات الإعلامية ومواقع التواصل أن هذه الخطة التركية هدفها قد يكون استعماريًا أو ما شابه، حيث إن تركيا تسعى لتأسيس دولة سورية جديدة بدستور جديد، فهل هذا الرأي يحتمل أي نوع من الصحة؟

يجيب الصحافي المتخصص في الشأن التركي، إسماعيل كايا، عن هذا التساؤل الذي طرحه البعض، لـ "نون بوست"، معترضًا: "لا أحد يطرح هكذا أمر، المطروح منطقة آمنة تتمتع بحماية أمنية وظروف حياتية مواتية للمعيشة، وما دون ذلك يتعلق بالحل السياسي النهائي للأزمة السورية، المنطقة الآمنة حل مؤقت للأزمة الإنسانية في سوريا التي امتدت وطالت أكثر من المتوقع، ولا حديث عن دولة أو كانتون داخل الدولة السورية، تركيا أكدت مرارًا احترامها لسيادة سوريا ووحدة أراضيها".

موقف اللاجئين السوريين من العودة.. بين الموافقة والمخاوف

طرح "نون بوست" سؤالاً على بعض اللاجئين السوريين وهو: هل تريدون العودة إلى المنطقة الآمنة أم لا؟ وظهرت العديد من الآراء التي تحمل أفكارًا متعددة عن الموافقة ومخاوف أيضًا حيال هذا المشروع.

ومن أبرز الآراء، ما قاله المواطن السوري زاهر. م من أحد مخيمات اللجوء في تركيا: "أود العودة إلى المنطقة الآمنة في إدلب، لأن أهلي وأحبابي في سوريا، وهي الأرض التي ولدت وكبرت بها، ومن الصعب أن أنساها أو أتخلى عنها، نحن مقيمون الآن في تركيا وأنا على صعيدي الشخصي سعيد بإقامتي هنا، ولكن في القلب غصة حزن على أهالينا وتراب وطننا، وأنا أرى أن المناطق المحررة الآمنة بحاجة إلينا أكثر من وجودنا بتركيا، لأنهم هناك يحتاجون إلى الكادر الشبابي والأكاديمي والمهني الذي اكتسب خبرته من المدن التركية وحضارتها لينقلها في إدلب، التي ولدت فيها وسأموت فيها". 

اللاجئون السوريون يتطلعون لمعرفة الآلية التركية لتأمين المنطقة الآمنة والضمانات التركية فيها

إن المخاوف عند بعض السوريين في مسألة العودة للمنطقة الآمنة، تكمن باعتبارها ليست آمنة حقًا ومبهمة بالنسبة لهم. يعبّر المواطن السوري هشام. ح عن رأيه في هذه المسألة بحديثه لـ "نون بوست": "لا أوافق على العودة للمناطق التي تقول عنها الحكومة التركية إنها آمنة، لأنه لو يوجد ضمان بالأمان فيها".

وكذلك الحال يقول عبد الحكيم. م من مخيمات اللجوء: "بالوقت الحاليّ لا أريد العودة، لأنني لا أعرف من سيقوم بإدارة الشأن العام هناك، أو بشكل أوضح لا أعرف من القائمين على العمل هناك"، وكانت هناك العديد من الآراء السورية التي تؤيد وتودّ العودة لكنها متخوفة من مسألة الأمن الشخصي.

يرى المواطن أحمد. س، وهو من دمشق، بأنه يود العودة "اليوم قبل غدًا"، لكن في حال كانت هذه المنطقة مدعومة من كل الدول وخصوصًا تركيا وروسيا، وذلك بسبب ثقته في الأمن التركي بعدما عاش نحو 4 سنوات في تركيا في أمن وأمان، بحسب قوله.

إن هذه الآراء تعني أن اللاجئيين السوريين يتطلعون لمعرفة الآلية التركية لتأمين المنطقة الآمنة والضمانات التركية فيها وأن موقفهم من العودة ليس حاسمًا بقدر ما يحتاج إلى ضمانات أمان شخصي، وهو موقف مفهوم جدًا وشرعي لضحايا الحرب وما خلفتها من مخاوف وصدمات.

بهذا الخصوص يشرح كايا الآلية التركية لتأمين المنطقة الآمنة، قائلًا: "المخطط التركي ينص على إقامة منطقة آمنة بالتعاون بين الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية وإدارة هذه المناطق من سكان المنطقة، وهي آلية جرى تطبيقها في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، ونجحت في تطبيق الأمن إلى درجة كبيرة باستثناء بعض الخروقات".

ما الضمانات التركية للسوريين في هذه المنطقة؟

يجيب كايا: "لا توجد ضمانات مكتوبة أو محددة، ولكن في حال تمكن الجيش التركي من إقامة هذه المنطقة فإنها ستكون على غرار المناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي غربي نهر الفرات وهي مناطق تتمتع بدرجة كبيرة من الأمن ولم تتعرض لأي هجمات من النظام السوري أو الجماعات الإرهابية وتتمتع بقدر كبير من الأمن الداخلي، كما أن تركيا تنوي تقديم نموذج مشابه من حيث الخدمات، فهي تعمل على توفير الخدمات الأساسية ودعم النشاط الاقتصادي لتشجيع السكان على الاستقرار في تلك المناطق".

ومن جهتها قالت وزارة الخارجية التركية في بيان لها مؤخرًا، إن أنقرة مصممة على تطهير شرق الفرات من الإرهابيين وإنشاء "المنطقة الآمنة" بهدف حماية وجودها وأمنها وضمان أمن وسلام واستقرار سوريا، وأوضح أن اتخاذ التدابير التي يتطلبها الأمن القومي ضد التهديدات الإرهابية النابعة من طرف سوريا، يعد من حقوق تركيا الأسياسية التي تستند إلى القانون الدولي.

مسألة عودة السوريين للمنطقة الآمنة يتطلب توافر المقومات الملموسة على أرض الواقع، وضمانات على سلامة المواطنين ليبدأوا رحلة بناء وطنهم من جديد

ولفت البيان إلى أن تركيا بذلت لغاية اليوم قصارى جهدها من أجل تفعيل التدابير المذكورة بالشراكة مع حلفائها، وأكّد أن تركيا بذلت جهودًا بناءة وحسنة النية بهدف حماية مصالحها الأمنية المشروعة وفتح المجال لعودة مئات آلاف السوريين المهجرين إلى منازلهم بأمان وبشكل طوعي، من خلال المنطقة الآمنة التي سيتم تشكيلها شمالي سوريا.

كيف ستستفيد كل من تركيا والسوريين من رحيل هذا العدد من السوريين؟

يؤمن المواطن السوري محمد. ع وهو من حلب، بأنه لا بد من عودة السوريين على الرغم من إقامته في إسطنبول لمدة 8 سنوات وتأسيس حياته من جديد هنا، وسط تعاون الحكومة التركية على تسهيل حياة السوريين، إلا أنه يريد العودة لإعمار بلاده.

وعن هذا الموضوع يجيب كايا "الكثير من السوريين يفضلون العودة إلى سوريا مجددًا لا سيما السكان الأصليين لتلك المناطق الذين جرى تهجيرهم من مناطقهم الواقعة شرق الفرات سواء من النظام السوري أم التنظيمات الإرهابية، هؤلاء يتمنون اليوم الذي يعودون فيه إلى أراضيهم ومنازلهم، وهي فائدة كبيرة لهم للعيش مجددًا في وطنهم ومنازلهم بعيدًا عن اللجوء وظروفه الصعبة مهما كانت الحكومة التركية تقدم لهم من خدمات".

يضيف كايا "في المقابل، فإن عودة أي عدد من السوريين إلى بلادهم يعتبر تخفيفًا للعبء عن تركيا التي تستضيف ملايين اللاجئين وتسعى حاليًّا بقوة لإعادة أكبر قدر منهم إلى بلادهم لتخفيف أعبائهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية".

على أي حال فإن مسألة عودة السوريين للمنطقة الآمنة يتطلب توافر المقومات الملموسة على أرض الواقع، وضمانات على سلامة المواطنين ليبدأوا رحلة بناء وطنهم من جديد، وفي المقابل فإن الحكومة التركية لم تتوان عن تقديم كل أشكال العون للاجئين السوريين خلال السنوات الماضية لتيسر عليهم فترة إقامتهم في تركيا، وبكل تأكيد تعمل الآن على توفير الحياة الكريمة لهم في المنطقة الآمنة التي تقدمها نفس هذه الحكومة.