ترجمة وتحرير نون بوست

إن سقوط الموصل في يد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هو عبارة عن مجموعة من السقطات التاريخية! الموصل هي ثاني أكبر مدينة في العراق، سكانها حوالي 2 مليون نسمة، إلا أننا لا نعرف عدد من تبقى منهم بعد أن هرب منهم مئات الآلاف، وبينما يمكن لنا أن نربط بين سيطرة داعش على الموصل وسيطرتها على الفلوجة أو الرمادي في الشتاء الماضي، إلا أن الأمر يختلف كثيرًا، فهذه المدن أصغر كثيرًا، كما أن زعماء العشائر هناك كانوا قد أقنعوا نوري المالكي ألا يُقحم الجيش بقوة في الأمر.

إن سقوط الموصل يتحمله من أطلق وعودًا تاريخية كاذبة، إدارة جورج بوش أعلنت - زورًا - أنها تغزو العراق بسبب الروابط بين نظام صدام والقاعدة، لم يكن هناك - للمفاجأة! - شيء مثل ذلك! ولسخرية القدر، فإن الغزو الذي تبعه نهب ثروات وإضعاف العراق جلب القاعدة للبلاد، لقد جلبها جورج بوش وديك تشيني، ليس هذا فحسب، بل إن الإضعاف المتعمد للعراق جعلنا نرى أثر ذلك في عصرنا، لقد سيطرت القاعدة على أراضٍ شاسعة بينما لا يزال الأمريكيون حول المنطقة، لقد دمر الأمريكيون الاقتصاد الاشتراكي الذي بناه صدام حسين دون أن ينجحوا في بناء اقتصاد رأسمالي أو تجارة حرة، وأقروا نظامًا انتخابيًا يذكي الانقسامات الدينية والعرقية، وساعدوا في إثارة الحرب الأهلية بين 2006 و2007 ولا تزال آثارها مستمرة، وكذبوا حين قالوا إنهم أخمدوا الحرب الأهلية في 2008 عندما عززوا قواتهم بـ 30 ألف جندي آخر، وهو أمر غير منطقي بالمرة!

في الواقع، لقد انتصرت الميليشيات الشيعية في الحرب الأهلية على الأرض، وتحولت بغداد إلى مدينة شيعية إلى حد كبير، وطُرد العديد من السنة إلى أماكن مثل الموصل، كانت مشاعر الاستياء تتزايد. 

هؤلاء الذين يقولون إن الولايات المتحدة لم يكن عليها أن تنسحب من العراق، لا يشرحوا لنا كيف كان لهذا أن يحدث، البرلمان العراقي صوت ضد القوات الأمريكية، ولم يكن هناك أي احتمال في 2011 أن يسير التصويت في اتجاه خلاف رحيل القوات الأمريكية، لقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق رهيبًا على العراقيين، وكان الجميع مستاؤون لذلك. هل كان ينبغي أن يعامل أوباما برلمان العراق كما عامل نابوليون بونابارت البرلمان الفرنسي وأن يُبقي قواته في العراق؟

يمكنني القول إن الصعوبات التي تواجهها بغداد للحفاظ على الموصل الآن، يعود أثرها إلى صدام حسين، الذي كان رائدًا في تكتيك الحكم الطائفي، مستندًا على القاعدة الثقيلة لحزب البعث السني في وسط وشمال العراق، ومتجاهلاً الجنوب الشيعي، أوصلنا صدام حسين إلى هذه المرحلة، والآن قَلَب الشيعة الآية وخلقوا قاعدة بغداد - النجف - البصرة، لتصبح قاعدتهم القوية الجديدة.

ولا يمكن تبرئة المتطرفين من السنة، فالذي يحدث في الموصل يحمل اتهامًا عن الاستخدام غير المسئول لثروات الخليج من قبل الأصوليين في السعودية والكويت، أسعار النفط المرتفعة والتي تجاوزت 100 دولار للبرميل خلال السنوات القليلة الماضية، ضخت تريليونات الدولارات في الخليج العربي، بعض تلك الأموال وصلت إلى أيدي أناس ليسوا فقط معجبين بأسامة بن لادن، لكنهم أيضًا على استعداد كامل أن يمولوا رفاقه ليسيطروا على مدن كبرى مثل حلب والموصل. 

هؤلاء الذين يدعوا قدرة وزارة الخزانة الأمريكية على وقف تحويل الأموال أدركوا خطأهم! هل هذا لأن واشنطن بشكل أو بآخر متحالفة مع مليارديرات السلفيين الكويتيين في سوريا حيث يريد الطرفان أن يطيحوا ببشار وأن يضعفوا إيران؟ إن مشاكل الديون التي تُغرق الولايات المتحدة، مع صعود دول الخليج بثرواتها المستقلة والسيادية، تمثل تحولاً هائلاً في خريطة القوى ناحية الرياض والكويت وأبوظبي، لقد استطاع هؤلاء أن يحرفوا السياسة المصرية الداخلية والخارجية خلافًا لما كانت تريده واشنطن، وأن ينفذوا انقلابًا عسكريًا يقلب موازين المنطقة، وكما فعلوا ذلك، يحاولون الآن أن يشتروا دولة سلفية في سوريا وشمال وغرب العراق.

سقوط الموصل يحمل اتهامًا للجيش العراقي الجديد، والذي جُهز تجهيزًا جيدًا ودُرب بشكل جيد كذلك، ثم هرب أمام حفنة من المقاتلين غير النظاميين وسمح لأسلحته وذخيرته بالوقوع في أيديهم.

سقوط الموصل مسئولية رئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي" والنخبة السياسية الشيعية التي تتولى أمر العراق منذ 2005، والتي لم ترغب في مد أيدي المصالحة مع السنة أبدًا! إنها ليست مجرد قضية طائفية فحسب، الأحزاب الشيعية التي فازت على الدوام في الانتخابات، هي من اليمين الشيعي المتطرف، وقبل ذلك، تعاونت الاستخبارات الأمريكية مع حزب البعث لتدمير اليسار في العراق، كان العديد من الشيعة العلمانيين قد انضموا تحت لواء الحزب الشيوعي العراقي، لكن هؤلاء قُضي عليهم بفعل البعث والسي آي إيه، لم يتبق سوى الشيعة الذين يحلمون بدولة شيعية. الكثير منهم يريدون تطبيق الشريعة على النسق الشيعي، ولا مكان للأكراد ولا اللسنة في دولة مثل تلك.

المالكي نفسه يبدو كما لو كان لديه مشكلة دائمة مع السنة، عدم قدرته على التكامل مع السنة وضمهم إلى حكومته يعني أنه يفقدهم لصالح المجموعات المتطرفة، وعدم قدرته على الحوار مع السنة جعل من المنطقي أن يرفض البرلمان اقتراح جو بايدن لتقسيم البلاد، لقد صرح "أسامة النجيفي" نائب عراقي عن الموصل قبل عدة سنوات أنها "المرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى التي يتحدث فيها أحد عن تقسيم العراق". 

إن سقوط الموصل مسئولية الاستعمار الأوروبي المخجل للشرق أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى وبين الحربين العالميتين، حين سعت لندن وباريس للحصول على النفط والموارد الأخرى، في أراض كانت القوى العظمى قد وعدت بأنها ستحصل على استقلالها، في حالة من الحالات، لقد أعطى الأوروبيون أوروبيين آخرين أرض فلسطين، مما أدى إلى تشريد 12 مليون إنسان ما زالوا مشردين حتى يومنا هذا.

خلال الحرب العالمية الأولى، وعد الدبلوماسيون البريطانيون الكثير من الناس بالكثير من الأشياء، وكانوا لا يجدون حرجًا في البيع فوق البيع! وعدت وزارة الخارجية فرنسا بسوريا، لكن البريطانيون في القاهرة وعدوا الشريف حسين في مكة بسوريا، وأرادوا له العراق أيضًا لكن حكومة الهند البريطانية أرادت العراق كذلك! لم يكونوا يفرقون بين حكم السند وراجستان وحكم العراق. 

وبينما كانت تتراجع وطأة الحرب، كان واضحًا أن الدولة العثمانية على وشك الانهيار، الفرنسيون علقوا أعينهم بالموصل وبثروتها النفطية كجزء من سوريا، لكن البريطانيين في الهند والقاهرة اتفقوا أنها لابد أن تكون جزءًا من العراق، التي كان يحتلها البريطانيون والهنود البريطانيون حينها.

عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني "لويد جورج" مع رئيس الوزراء الفرنسي "جورج كليمنصو" في فرساي، قال إنه كان يتطلع إلى صد الادعاءات الفرنسية بخصوص ضم الموصل لسوريا، ومنذ أن سيطر العرب على دمشق من أيدي العثمانيين، أراد الكثيرون التراجع عن حدود سايكس بيكو التي رُسمت عام 1916، وكان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون مع ذلك أيضًا، مع عقيدته التي كان يؤمن من خلالها بحق تقرير الشعوب لمصيرها بعد الاستقلال، كليمنصو قال حينها إنه شعر أنه بين شخصين، أحدهما يمثل المسيح (ويلسون) والآخر يمثل نابليون (لويد جورج).

عندما اجتمع لويد جورج مع كليمنصو، سأل الأخير: "ما الذي تريد؟" رد جورج: "الموصل"، وافق كليمنصو وسأل: "أي شيء آخر؟"، رد جورج: "القدس"، قال كليمنصو: "أنت لا زلت تمتلك القدس!".

في المقابل حصل الفرنسي على سوريا، مما يعني أن لويد جورج قد خان الشريف حسين وابنه فيصل لاحقًا في دمشق لصالح نفط الموصل، لقد شعر جورج حينها أنه حصل على تلك المكاسب بمجرد السؤال، وتمنى لو كان قد طلب أكثر!

دمج الموصل مع العراق تحت الاحتلال البريطاني، مع إحضار فيصل بن الحسين كملك مستورد بعد أن بشر به الفرنسيون في دمشق، سمح للبريطانيين أن يعتمدوا علي النخبة السنية العثمانية القديمة، بما في ذلك كبار ضباط العثمانيين الذين تدربوا في تركيا الحالية، هذه الاستراتيجية أدت لتهميش الجنوب الشيعي، والذي يمتلئ بالفقراء من الفلاحين في القرى الصفيرة، والتي إذا ما سببت أي مشاكل للبريطانيين، فسيتم قصفهم من قبل سلاح الجو ببساطة، وهذا ما حدث لسنوات لاحقة!

وللسيطرة على سوريا المنقسمة، ناشد الفرنسيون الأقليات في البلاد، مثل العلويين والمسيحيين في استراتيجية واضحة من "فرق تسد"، الفلاحون العلويون كانوا على استعداد للانضمام إلى الجيش الاستعماري، بينما لم يكن السنة في دمشق مستعدون لذلك، وعندما بدأت الديكتاتوريات العسكرية في الشرق الأوسط بالصعود، العلويون كانوا في مواقع عسكرية جيدة للسيطرة على سوريا، وهو ما فعلوه في 1970.

الدول التي تُعرف الآن باسم سوريا والعراق جاءت إلى الوجود بعد أن كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لـ 400 سنة، في بعض الأحيان، حكم العثمانيون العراق الحالي كمحافظة واحدة وبحدود مقاربة لحدودها الحالية، وأحيانًا كانت تُحكم كمحافظات أصغر. 

في بعض الأوقات كانت مدينة الموصل هي مقر محافظة تحمل نفس الاسم، وفي كثير من الأحيان كان يخاطب مسئوليها السلطان العثماني عن طريق بغداد، مدينة الموصل هي مركز حضري كبير على طريق القوافل والتجارة الذي يمتد من حلب وطرابلس لبنان إلى البصرة ومنها إلى الهند في الجنوب الشرقي، لقد كانت حينها مختلفة للغاية عن جنوب العراق، الذي كان قد بدأ في القرن التاسع عشر في اعتناق المذهب الشيعي تحت تأثير النفوذ الشيعي القادم من الهند، ورغم ذلك، لقد كانت البلاد موحدة بالتجارة وبسلطة العثمانيين.

لا يمكن لنوري المالكي أن يعيد العراق إلى ما كانت عليه بدون التحالف مع القوميين السنة في الشمال، وإذا لم يحدث ذلك، فإن محاولته احتلال المدينة بجنود شيعة مدعومين بالمدفعية والقصف الجوي لن يجعل منه سوى نسخة أخرى من جاره "بشار الأسد".

المصدر: The Fall of Mosul and the False Promises of Modern History