مهاجرون محتجزون في مركز احتجاز في مدينة الزاوية الواقعة غرب طرابلس، في 17 حزيران/ يونيو 2017

ترجمة وتحرير نون بوست

على مدار ثلاثة أيام من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، شاهدت فاطمة عثمان داربو ابنها البالغ من العمر 7 سنوات يموت جراء إصابته بالتهاب الزائدة الدودية، تورمت معدة الطفل وتلوّى من الألم. تسنى لمعظم الأمهات الأخريات إحضار أطفالهن إلى المستشفى، إلا أن داربو كانت مسجونة داخل مركز احتجاز في الصحراء الليبية. بدلاً من ذلك، طلبت من الحراس المساعدة وتوسلت مرارا وتكرارا لكن رجاءها قوبل بالتجاهل.

لقد توفي طفلها الصغير في سيارة حين أشفق عليه مدير مركز الزنتان واصطحبه إلى المستشفى. لم تكن كل من الهيئة الطبية الدولية، وهي المنظمة التي يُفترض أنها مسؤولة عن توفير الرعاية الصحية اللازمة في مركز الاحتجاز، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة متواجدين في أي مكان.

في الحقيقة، رفضت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والهيئة الطبية الدولية التعليق على هذه القضية. وفي بيان خطي أرسلته لمجلة "فورين بوليسي"، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الوفاة كانت بمثابة "تذكير صارخ بالظروف القاسية التي يُجبر المهاجرون على تحملها داخل مراكز الاحتجاز"، مؤكدة أنها علقت تقديم المساعدة الصحية في الزنتان بين تشرين الأول/ أكتوبر 2018 وكانون الثاني/ يناير 2019 "بسبب مشاكل مع الإدارة بشأن إمكانية الوصول".

لم تسمح الجالية الليبية المحلية في الزنتان، أين أُحتجزت داربو، بدفن المعتقلين من غير المسلمين علما بأن عائلة اللاجئة كانت مسلمة. مع ذلك، لم يُدفن ابنها إلا بعد مرور شهر. وتجدر الإشارة إلى أن داربو وزوجها قدما من دولة غامبيا لكنهما عاشا في ليبيا لسنوات عديدة، وعندما تدهورت صحة زوجها حاولا عبور البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى أوروبا على أمل الحصول على رعاية طبية أفضل. ومثل عشرات الآلاف الآخرين، أُلقي عليهما القبض واحتُجزا إلى أجل غير مسمى ضمن نظام وصفه المفوض السامي السابق للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زيد بن رعد الحسين "بالانتهاك لضمير الإنسانية".

بعد مرور أسابيع على دفن ابن داربو، توفي زوجها أيضًا بسبب سكتة دماغية جراء صدمة فقدان طفلهما. لم يتسنى لداربو، التي كانت محبوسة في قاعة منفصلة خاصة بالنساء، توديع زوجها رغم أنها توسلت ليسمحوا لها برؤيته في الساعات التي سبقت وفاته. وعندما علمت أنه فارق الحياة، تعرضت لصدمة قوية.



احتجاج في مركز الزنتان للاحتجاز في ليبيا خلال شهر أيار/ مايو الماضي. لاقى ما لا يقل عن 23 شخصًا حتفهم منذ أيلول/ سبتمبر الماضي بسبب نقص الرعاية الطبية وتردي الأوضاع.

 

لم تكن وفاة زوج داربو وابنها الحالة الوحيدة، إذ بدأ اللاجئون والمهاجرون في مراكز الاحتجاز الليبية في الاتصال بي في آب/ أغسطس 2018، بعد أن أخبرهم أشخاص قابلتهم في السودان السنة الماضية عن تقاريري. ومنذ ذلك الحين، تحدثت مع عشرات المحتجزين في العديد من المراكز المختلفة حيث يستخدمون الهواتف خلسة لإرسال معلومات عما يحدث لهم.

على هذا الأساس، شرعتُ في مراسلة كل من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بالبريد الإلكتروني حول ارتفاع عدد القتلى في الزنتان في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أي بعد مرور فترة وجيزة على تورط الأمم المتحدة في نقل مئات المهاجرين واللاجئين من العاصمة طرابلس إلى هناك. وبعد مرور سبعة أشهر فقط، حين توفي 22 محتجزًا بسبب نقص الرعاية الطبية وتردي الظروف، تحدثت الأمم المتحدة أخيرًا عما حدث في الزنتان ودعت إلى إعادة نقل المعتقلين.

في سياق متصل، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن تبادل التقارير غير المؤكدة حول هذه الأحداث من شأنه أن يهدد سلامة المهاجرين المحتجزين. وقد أكد موظفو الأمم المتحدة في السابق للمجلة أنه لا وجود لمنظمة تتولى متابعة مسألة المحتجزين الذين يموتون داخل مراكز الاحتجاز التابعة لليبيا.

تعتبر هذه الأحداث مجرد سلسلة من الفضائح اللامتناهية في مراكز الاحتجاز التي يتولى، ظاهريا، الجهاز الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية التابع لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة والتي تتخذ من طرابلس مقرا لها، إدارتها. وفي الواقع، تخضع العديد من مراكز الاحتجاز لسيطرة الميليشيات.



أعلى اليسار: قارب مطاطي مفرغ من الهواء في عرض البحر الأبيض المتوسط بعد أن اعترض خفر السواحل الليبي سبيل المهاجرين على متن سفينة في الثامن من أيار/ مايو 2018. أعلى اليمين: مهاجرون على متن سفينة تابعة لمنظمة غير حكومية إسبانية بعد إنقاذهم قبالة الساحل الليبي في 19 شباط/ فبراير 2017.

 

أسفل اليسار: مهاجر ينتظر في مركز احتجاز في تاجوراء في السادس من آب/ أغسطس 2017، إثر إلقاء القبض عليه من قبل خفر السواحل الليبي أثناء محاولته الوصول إلى أوروبا. أسفل اليمين: يحاول مهاجر ركوب سفينة تابعة لمنظمة غير حكومية ألمانية بعد انقلاب قاربه في السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2017. حُمّل خفر السواحل الليبي مسؤولية وفاة خمسة أشخاص جراء غرق السفينة بسبب سلوكه العنيف.



منذ سنة 2017، تلقّى خفر السواحل الليبي الدعم من قبل الاتحاد الأوروبي الذي زوّده بمعدات بقيمة عشرات الملايين من الدولارات. ويُزعم أن الاتحاد الأوروبي يُقدّم الدعم لخفر السواحل بهدف التحايل على مبدأ منع الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الدولي، والذي يحظر على السفن الأوروبية إعادة طالبي اللجوء واللاجئين إلى بلد يمكن أن يواجهوا فيه الاضطهاد.

داخل مراكز الاحتجاز في ليبيا، يُحرم الآلاف من اللاجئين والمهاجرين من الطعام وأشعة الشمس والماء ويصبح الكثير منهم ضحايا للاستغلال الجنسي والاعتداء، وحتى التعذيب أو القتل. وقد نُقل 22 محتجزًا إلى غرفة تحت الأرض وتعرضوا للتعذيب إثر احتجاج في مركز اعتقال طريق السكة، وهو المقر غير الرسمي للجهاز الليبي لمكافحة الهجرة غير الشرعية. ووفقًا لمسؤولي الإغاثة وأشخاص مطلعين على هذه المسألة عملوا مع الأمم المتحدة، فشل المسؤولون في المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الدفاع عن الضحايا كما ينبغي على الرغم من أنهم كانوا على دراية بالوضع.

عمال الطوارئ بصدد انتشال الجثث بعد غارة جوية أسفرت عن مقتل العشرات من اللاجئين المحتجزين في مركز احتجاز تاجوراء شرق طرابلس في الثالث من تموز/ يوليو الماضي.

منذ اندلاع النزاع الأخير الذي جد في طرابلس في نيسان/ أبريل الماضي، أي بعد أن أمر المشير خليفة حفتر الجيش الوطني الليبي بالتوغل نحو العاصمة، يؤكد اللاجئون والمهاجرون أن حياتهم تغيرت إلى الأسوأ. وقال محتجزون في خمسة مراكز احتجاز مختلفة للمجلة إنهم أجبروا على مساعدة الميليشيات التابعة للحكومة الوطنية عن طريق تحميل الأسلحة أو نقلها، وتنظيف القواعد العسكرية وفي بعض الأحيان القتال بالسلاح على الخطوط الأمامية.

مهاجرون يأخذون قسطا من الراحة في مركز احتجاز في ضواحي طرابلس بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 2017.

 



في مقابلات عديدة مع "فورين بوليسي"، اتهم سبعة من مسؤولي الإغاثة الذين يعملون حاليا في ليبيا أو عملوا هناك خلال السنتين الأخيرتين، الوكالات التابعة للأمم المتحدة بتجاهل أو محاولة التقليل من شأن سوء المعاملة الممنهجة ضد المهاجرين في مراكز الاحتجاز بهدف حماية عشرات الملايين من الدولارات من التمويل المتأتي من الاتحاد الأوروبي.

رفض جميع هؤلاء المسؤولين الكشف عن هويتهم خوفا من العواقب الوخيمة التي قد يواجهونها على الصعيد المهني. وأشار جميعهم إلى أن كلا من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة متورطتان في "تبييض" الآثار المدمرة والرهيبة لسياسة الاتحاد الأوروبي المتشددة والرامية إلى إبقاء اللاجئين والمهاجرين خارج أوروبا.

اللاجئون والمهاجرون يحتجون في مركز احتجاز بمنطقة سوق الخميس في أواخر سنة 2018. وبعد وقت قصير من التقاط هذه الصور، قام الحراس الليبيون ببيع بعض المحتجزين هناك إلى المهربين.

 

عند سؤالهم عن دور الاتحاد الأوروبي في تسهيل استغلال وتعذيب وإساءة معاملة الآلاف من اللاجئين والمهاجرين في ليبيا، دائما ما يشير المتحدثون باسم الاتحاد الأوروبي إلى دور الأمم المتحدة في مراكز الاحتجاز زاعمين أن الاتحاد الأوروبي يحاول تحسين الظروف ويود لو يتم إغلاق هذه المراكز.

في حين كان دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان حاسما في قضية اللاجئين، فإنهما لا تكفان عن توجيه الشكر للاتحاد الأوروبي على التمويل الذي يمنحه، على الحسابات الخاصة بهما على مواقع التواصل الاجتماعي، مع التغاضي عن ذكر أن الاتحاد يؤدي دورًا رئيسيًا في إرسال اللاجئين والمهاجرين إلى مراكز الاحتجاز.

نشرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 30 تموز/ يوليو تغريدة على حسابها الرسمي على موقع تويتر كتبت فيها: "الصداقة تعني أنه لا ينبغي أن يكون هناك شخص متخلّف عن الركب. المفوضية ممتنة للدعم الذي يقدّمه الاتحاد الأوروبي لعمليات الإجلاء الإنسانية للاجئين من ليبيا". وفقا للمراقبين، يقف هذا النوع من الرسائل الانتقائية على طرفي نقيض مع وسم هذه المنظمة الأكثر استخداما # مع اللاجئين. بالإضافة إلى ذلك، ذكر مسؤولو الإغاثة والمحتجزون أن هذا الأمر يُعتبر أحد الأسباب التي تحول دون تمثيل المفوضية لآراء اللاجئين.

المبعوث الأممي السابق لليبيا، مارتن كوبلر، يتحدث إلى المهاجرين خلال زيارة أدّاها إلى مركز احتجاز في طرابلس في 17 شباط/ فبراير 2017.

من الواضح أن الأمم المتحدة تعمل في ظروف صعبة في ليبيا، حيث لا تزال المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تفتقر إلى تفويض في ليبيا، على الرغم من دور الأمم المتحدة في إضفاء الشرعية ودعم حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها. وحيال هذا الشأن، أورد المسؤول السابق بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، جيف كريسب، أن ليبيا ربما تكون "أسوأ سيناريو" يمكن للمفوضية العمل عليه.

في رسالة بالبريد الإلكتروني، ذكر كريسب أن المشاكل التي تعاني منها المفوضية في ليبيا تتضمن: "الاعتماد على تمويل الاتحاد الأوروبي وعدم القدرة على تغيير سياسته؛ حكومة مدعومة من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ ضعف المؤسسات الحكومية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالميليشيات؛ شعور اللاجئين باليأس بسبب عدم قدرة المفوضية على تقديم يد المساعدة؛ ومخاوف بشأن سلامة وأمن الموظفين".

قال أحد مسؤولي الإغاثة الذين زاروا العديد من مراكز احتجاز اللاجئين، إنه من الواضح أن المهام التي تزعم الوكالات التابعة للأمم المتحدة أنها تقوم بها إما أنها لا تقوم بتنفيذها بالفعل أو أنها غير فعالة. وأضاف المصدر ذاته أن هذه الوكالات تعمل على تضليل الجهات المانحة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، حول تقديم المساعدات بشكل منتظم إلى مراكز الاحتجاز بما في ذلك الزنتان. كما أكّد أيضا أن هذه الوكالات لم تكن صادقة حول حقيقة تواصلها مع اللاجئين والمهاجرين لمعرفة احتياجاتهم وأولوياتهم. كما أفاد المصدر ذاته بأن التقارير الخاطئة التي يقع إرسالها إلى الجهات المانحة تحتوي على "أرقام وهمية، وتستخدم هذه الوكالات فرقًا طبية غير موجودة".

 على اليسار: رسم للاجئ إريتري في مركز اعتقال في ليبيا ينتقد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعدم مساعدة عدد كافٍ من الأشخاص. على اليمين: رسم للاجئ رهن الاحتجاز في طرابلس، طُلب منه أن يُطلق عليه اسم آسر.

من جهتها، لم ترد المفوضية بشكل خاص على هذه التهم، إلا أنها كتبت بيانا لمجلة "فورين بوليسي" أكدت فيه أن المنظمة الدوليّة للهجرة "متواجدة في شرق وغرب وجنوب ليبيا. وتؤدي فرقنا زيارات منتظمة لمراكز الاحتجاز، وتقدّم المساعدة الطبية الطارئة ومواد الإغاثة الأساسية، وتنسيق المساعدة التطوعية للعودة الإنسانية للراغبين في العودة إلى ديارهم. إن اتهام المنظمة بتزوير التقارير أمر غير مقبول إطلاقا".

في المقابل، بيّن عمال الإغاثة خلال حديثهم أنهم يشعرون بخيبة أمل لأن الوكالات التابعة للأمم المتحدة ترفض الاعتراف بالقيود المفروضة على ما يمكنهم القيام به في ليبيا، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على أوضاع اللاجئين ويتسبب في ارتفاع عدد الوفيات في صفوفهم. وقال أحد مسؤولي الإغاثة إن "ما نراه في ليبيا هو حالة من الفوضى العارمة. كل ما نفتقده هنا هو الاستعداد للحديث عن الوضع، حيث يشعر اللاجئون بخوف شديد".

بالإضافة إلى ذلك، يشعر عمال الإغاثة بالإحباط لأن الأمم المتحدة لا تستغل نفوذها لتطالب حكومة الوفاق الوطني بإصلاح نظام احتجاز المهاجرين، لا سيما أن الأمم المتحدة تضفي شرعية على الحكومة الليبية من خلال دعمها خاصة في حربها مع جيش المشير حفتر.

قال مسؤول إغاثة حضر اجتماعات رفيعة المستوى إنه بدلا من أن تعترف الهيئات الحكومية الدولية بالعيوب الموجودة فيها، فإن هناك ممثلين عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة يدافعون عن الميليشيات الليبية المرتبطة بحكومة الوفاق الوطني. وأضاف المصدر ذاته أن أحد ممثلي المنظمة الدولية للهجرة اعتبر التقارير التي صدرت حول عدد الوفيات في الزنتان غير صحيحة، وأكد الموظفون في كلا المنظمتين أن اللاجئين والمهاجرين يبالغون.

على اليسار: أشخاص يحملون مهاجرًا أغمي عليه بينما ينتظر الآخرون في أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس بعد اعتقالهم قبل ركوب القوارب باتجاه أوروبا في الرابع من حزيران/ يونيو 2015. على اليمين: عائلات مهاجرة في مركز احتجاز في الزاوية الواقعة غرب طرابلس في 18 نيسان/ نيسان 2017.

 

في بيان لمجلة "فورين بوليسي"، قال المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، ليونارد دويل، إن المنظمة كانت على الدوام تتحدث عن الظروف القاسية في مراكز الاحتجاز في ليبيا. وأضاف قائلا: "لقد قمنا، بالاشتراك مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بدعوة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي إلى تبني نهج جديد للتعامل مع الوضع في ليبيا". فضلا عن ذلك، أوضح دويل أن التبرعات ساهمت في إعادة أكثر من 47 ألف لاجئ إلى بلدانهم منذ سنة 2015، وما تزال المنظمة تواصل تقديم المساعدة اللازمة لآلاف المهاجرين والنازحين داخل ليبيا.      

والجدير بالذكر أن مجلة "فورين بوليسي" تتواصل بشكل منتظم مع عشرات اللاجئين والمهاجرين الموجودين حاليا في مراكز الاحتجاز الليبية الذين أكدوا مرارًا وتكرارًا خلال السنة الماضية أن الأمم المتحدة لا تمثلهم بشكل مناسب. وقال أحد المحتجزين: "المفوضية لا تستمع إلينا بل إلى الجنود". وأضاف محتجز آخر: "المفوضية لا تعمل لصالحنا. إنها منظمة إجرامية". واتهم مُحتجز ثالث موظفي الأمم المتحدة بأنهم يعاملون المحتجزين معاملة "الحيوانات" ويتجاهلونهم.

حين اندلع القتال في طرابلس في آب/ أغسطس 2018، تلقّت مجلة "فورين بوليسي" أدلّة تثبت أن ربع عدد اللاجئين الموجودين في بعض مراكز الاحتجاز المحاصرة فحسب وقع تسجيل أسمائهم لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، على الرغم من تقديمهم مطالب تسجيل لمدة أشهر.

يشعر مسؤولون مطلعون على الأوضاع في ليبيا بالقلق من احتمال عدم توفر ضوابط وموازين، لأن وكالات الأمم المتحدة الأخرى لا ترغب في أن تتلقى أسئلة حول كيفية عمل المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة. وحيال هذا الشأن، قال أحد مسؤولي الإغاثة: "تتنافس كل من المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة للحصول على الموارد"، ولكن عندما يتعلّق الأمر بفشلهما "يتحد مسؤولو المنظمتين للدفاع عن أنفسهم كجبهة موحّدة". وأضاف قائلا: "يوجد استراتيجيات مختلفة، تتمثل إحداها في التجاهل، والأخرى في التظاهر بأن كل الأمور تسير على ما يرام، والثالثة النظر في الأمر دون القيام بأي شيء".

مهاجرون ينتظرون في الصف للتحقق من قائمة الحضور في مركز احتجاز القنفذة في الثاني من شباط/ فبراير.

في الوقت الذي ساعدت فيه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 1540 لاجئا على مغادرة ليبيا خلال سنة 2019، لا يعتبر هذا العدد سوى عدد بسيط للغاية من إجمالي عدد المهاجرين الذين ظلوا عالقين بين مراكز الاحتجاز وتحت رحمة المهربين وخفر السواحل الليبي. وقد انتظر بعضهم سنوات عديدة حتى يتم إجلائهم. في شهر أيار/ مايو، وقع إعادة حوالي 1224 لاجئًا من البحر الأبيض المتوسط ووقع احتجازهم في مراكز، ما يمثل أيضا خطرا على حياتهم.

يُذكر أنه في شهر تموز/ يوليو، سار الناجون من القصف الذي تعرّض إليه مركز احتجاز في تاجوراء في شوارع طرابلس الخطرة لعشرات الأميال. إثر ذلك، نشر المتحدث الرسمي باسم المفوضية تغريدة أعلن فيها نجاح عملية إجلاء الناجين إلى "بر الأمان". في سياق متصل، قال مصدر عمل مع الأمم المتحدة في ليبيا: "يمكنني أن أُؤكّد أن هناك غلوّا كبيرا. إن مقدار الوقت والمال الذي ننفقه على الرؤية والعلاقات العامة أكثر مما يقع إنفاقه على العمل الفعلي".

في رسالة إلكترونية أُرسلت إلى مجلة "فورين بوليسي"، قالت المتحدثة باسم المفوضية، سيسيل بويلي، إن البيان الصحفي الذي أصدرته الوكالة في 24 نيسان/ أبريل أوضح أن نقل اللاجئين والمهاجرين إلى مركز احتجاز الزاوية "كان الخيار الوحيد المتاح في ذلك الوقت"، وهو ما يشير إلى أن ليبيا "مكان خطير وغير مناسب للاجئين والمهاجرين" وبناء عليه "تدعو إلى إطلاق سراحهم وإجلائهم إلى بر الأمان".

بالنسبة للاجئين والمهاجرين الذين ما زالوا رهن الاحتجاز، أصبحت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تمثّل رمزا للعجز والخمول. وفي هذا الصدد، ادّعى لاجئ من دارفور أن المحتجزين يتعرضون للتهديد والضرب على أيدي قوات الحرس الليبي أمام موظفي المفوضية دون أن يقوم الموظفون بأي شيء لإيقافهم. ولكن المفوضية دحضت هذه المزاعم. فضلا عن ذلك، قال ناج من القصف إنه فقد الأمل في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وأعرب عن استعداده للعودة إلى المهربين، مضيفًا "أريد أن يعرف العالم كيف يعاني الناس في ليبيا، لأن الكثير من الناس يموتون ويفقدون عقولهم هنا".

المصدر: فورين بوليسي