خالد الجراح وزير الداخلية الكويتي

"ظننت أنني مخطوف، وعندما وصلنا مخفر اليرموك كأنك سكبت ماءً باردًا علي، طلبت منهما احترام سني ومرضي فقالا: اسكت لنكسر ضروسك ونقطع لسانك"، هذه بضع من كلمات ماضي الخميس، الإعلامي الكويتي الشهير ورئيس الجمعية الكويتية للإعلام، الذي يفجر حالة من الجدل بشأن المستوى الذي وصلت إليه الحريات في الكويت، وهو أفضل بلد خليجي في هذا المضمار وله أرشيف مختلف، ما دفع البرلمان للانقلاب على وزير الداخلية خالد الجراح، رغم كثرة اعتذاراته عن انتهاكات رجال الشرطة، للمواطنين ورموز المجتمع على حد سواء.

 

ماذا يحدث في الكويت؟ 

كانت الكويت لا تعرف ظاهرة زوار الفجر التي تتفشي في البلدان العربية، ولا يمكن أن تسمع بتعرض مواطن مهما كانت خلفيته السياسية، لاستدراج من كمين ليلي يقتحم منزله ويضع القيود في معصميه ويدفعه بقسوة إلى المقعد الخلفي في سيارة رباعية الدفع، مع اعتداء لفظي وجسدي وتهديدات، لينتهي به الحال إلى وضع مهين في أحد أقسام الشرطة، لكن إذا تبين أن قضيته ألهبت الرأي العام، قد يكفي جدًا اعتذار عن الخطأ في تشابه الأسماء، وكأن معيار الشهرة والاسم، هو الحد الفاصل اليوم للعيش بكرامة، بعدما كانت مباحة للجميع في العقود الماضية.

الهوس الأمني الذي طال الأمين العام للملتقى الإعلامي العربي الكاتب ماضي الخميس، وأصبح حديث الصباح والمساء في الكويت، وهو الذي رفع اسم بلاده عاليًا في مختلف المنتديات الإعلامية والثقافية العربي، جعل أغلب القوى السياسية والبرلمانية تقف عند المشهد طويلاً، وطالت لعناتها كبار رجال الداخلية وليس المسؤولون عن مخفر شرطة اليرموك فقط، المتهم باختطاف الخميس، وركزت هجومها على وزير الداخلية خالد الجراح الذي يبدو أنه أصبح يعيش أصعب أيامه في المنصب. 

حاول الجراح التعامل سريعًا مع الأزمة بعد اشتعالها إعلاميًا، بسبب إنكار الداخلية في البداية حديث "الخميس"، ورفضها رواية تعذيب الإعلامي الشهير، إلا أن الرواية التي قدمتها في المقابل، لم تنطل على عقل أحد، ومع الاستنكار الواسع لطريقة لي عنق الحقائق، حذفت الوزارة البيان الصادر على حسابها في "تويتر"، وأشارت إلى تحرك جديد من وزير الداخلية، لمحاسبة المسؤولين عن إهانة الخميس بهذه الطريقة.

وتحظر المادتان 55 و56 من القانون 31 لسنة 1970، على أي موظف عام، اقتحام مسكن أي مواطن دون رضائه، وفي غير الأحوال المبينة في القانون، فضلاً عن تجريم استعمال القسوة مع آحاد الناس، اعتمادًا على وظيفته، ووضع القانون عقوبة واضحة لهذه الأفعال، بالحبس فيما لا يزيد على ثلاث سنوات، مع العزل من الوظيفة لمدة خمس سنوات أخرى.

وصلت حدة الانتقادات لدرجة المطالبة بإقالة الجراح بسبب تجاوزات مالية أكدتها تقارير الجهات الرقابية

فوبيا الصراع الذي تتسع حلقاته مع القوى المدنية، على ملف الحريات الذي يواجه تراجعًا غير مسبوق في تاريخ البلاد، أشعل البرلمان وأدان العديد من نوابه، السلوك العنيف للداخلية، وعلى رأسهم النائب محمد الدلال الذي وجه سؤالًا برلمانيًا إلى الوزير، عن اعتقال رجال الداخلية للإعلامي ماضي الخميس. استفسر النائب، عن وجود إذن من النيابة عند الاعتقال، ومدى تأهيل رجال وزارة الداخلية والمباحث للتعامل مع الناس، استنادًا إلى نص المواد 31 و34 من دستور دولة الكويت، التي تنص على حسن معاملة الإنسان وعدم إيذائه أو تعذيبه أو الحط من كرامته.

ازداد الخناق البرلماني على الوزارة، بعد أن طالب النواب، بمعرفة الأسس القانونية لقيام رجال الداخلية بالقبض والاعتقال والإساءة والحط من الكرامة الناس، بما يضع الكويت في منطقة خطيرة، ويسوء سمعتها في ملف حقوق الإنسان، فضلاً عن مطالبة الوزير بإطلاعهم على خريطة بالتدريبات التي يحصل عليها رجال وزارة الداخلية والمباحث، وتثبت علمهم بتلك الأسس والمبادئ، وأساليب التعامل مع الناس وأفراد المجتمع، وحتى المتهمين في قضايا أمام المخافر أو القضاء.

منذ أشهر والبرلمان يرصد التجاوزات المتصاعدة للدخلية، رغم الضغوط المفروضة عليه، ولم تقف محاولاته لإلجام الوزارة وتذكيرها بالوضع المختلف للحريات في الكويت عن جيرانها، بمجرد الانتقادات والاستجوابات المتتالية الرافضة للطريقة التي تحكم الفكر الأمني في بلادهم، بل وجه البرلمان ضربة قاصمة للوزير، وكشف ما اعتبره البعض تجاوزات وسلبيات ومخالفات، في العقود الإنشائية والعسكرية والأمنية.

وصلت حدة الانتقادات لدرجة المطالبة بإقالة الجراح، بسبب تجاوزات مالية أكدتها تقارير الجهات الرقابية، بحسب النائب رياض العدساني الذي يرفض الضغوط عليه لإثنائه عن تقديم استجواب يستهدف ذبح الوزير وإقالته عن منصبه.

التعميم تم تخفيفه من كلي إلى جزئي، ومن جزئي إلى عدم حجز، بعد الانتقادات المتزايدة لتجاوزات الأمن، ودعوات عقلاء السلطة إلى ضرورة عدم التضييق على المواطنين

 

لماذا كل هذا التضييق على الناس؟ 

محاولة تفكيك الصورة السائدة الآن في الكويت، وحالة الاستنفار الأمني، وضيق صدر السلطة بالمعارضة، يمكن تفسيرها إذا رصدنا قرار الشيخ خالد الجراح، والتعميم الذي أصدره مطلع الشهر الحاليّ، إلى عموم قطاعات الوزارة بالإبقاء على وقف الإجازات حتى إشعار آخر، بسبب القلق الأمني وتخوف الأجهزة السيادية من احتمال وقوع حرب شاملة في المنطقة. 

التعميم تم تخفيفه من كلي إلى جزئي، ومن جزئي إلى عدم حجز، بعد الانتقادات المتزايدة لتجاوزات الأمن، ودعوات عقلاء السلطة، إلى ضرورة عدم التضييق على المواطنين، حتى يتزايد تماسك الجبهة الداخلية، حال حدوث أي اضطرابات إقليمية، في مقابل الاتفاق مع النواب والإعلام والمعارضة على تقليل حدة النقد السلبي الموجه إلى الاستعدادات والإجراءات الحكومية. 

لكن بصرف النظر عن محاولات التفاهم مع الجبهة الداخلية والصورة الذهنية الجيدة والإرث الجيد في مخيلة المواطنين العرب، الذي كشفته نتائج استطلاع أجري العام الماضي لمركز الباروميتر العربي، وأكد أن أكبر نسبة من المواطنين العرب، ممن يعتقدون أن حرية الصحافة وحرية التعبير مكفولة في بلادهم، أعطوا تصويتهم للكويت، من 13 دولة عربية، شملها الاستفتاء، إلا أن الحريات تتراجع بشكل يدعو للقلق. 

مستقبل الديمقراطية في الكويت 

الحركة الليبرالية بالكويت رصدت هذه المخاوف، مطلع العام الحاليّ، وأكدت أن حرية الرأي في البلاد تشهد تراجعًا حادًا، في ظل الملاحقات الأمنية المتكررة لأصحاب الرأي، والأمر من وجهة نظرها لا يقتصر فقط على تداعيات التوترات الإقليمية الحاليّة، ولكنه أصبح من مرادفات الحياة في البلاد خلال السنوات الماضية، ما ترك أثرًا ملموسًا على مؤشرات الكويت في الحريات وحقوق الإنسان.

المثير للقلق أن الكويت تنسخ تجارب بغيضة في المنطقة لا تناسبها، وأصبح عقاب المعارضين يمتد إلى سحب الجنسية منهم حال استمرارهم على أفكارهم

يبدو أن هناك في أوساط السلطة من يتناسى عمدًا، دور الديمقراطية الكويتية في تحرير البلاد من عدوان نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي، إذ كانت هذه الورقة أحد أهم أسانيد الأنظمة العالمية في دعم قضية الكويت، وهو ما أوضحته الحركة الليبرالية، في خطاب طالبت فيه الجمعيات والهيئات الحقوقية والإنسانية المعنية بالحريات وحقوق الإنسان بالتصدي الحاسم، لهذه الممارسات اللاديمقراطية، في وقت يشهد فيه العالم انفتاحًا كبيرًا نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة أن السلطة تمارس ضغوطًا هائلة على البرلمان لإصدار تشريعات تقيد الحريات، وعلى إثرها صدرت أحكام بسجن العشرات وهروب أضعافهم خارج البلاد خوفًا من الملاحقات القانونية بخصوص قضايا الرأي.

وأصبح من الطبيعي أن يستدعى إلى القضاء يوميًا متهمون في قضايا رأي، فضلاً عن النشاط الملحوظ لإدارة الجرائم الإلكترونية ونيابة الإعلام، بسبب الآراء المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم عدم دستورية هذه القوانين التي تتعارض مع نص المادة 36 من الدستور التي تكفل حرية الرأي للجميع. 

المثير للقلق أن الكويت تنسخ تجارب بغيضة في المنطقة لا تناسبها، وأصبح عقاب المعارضين يمتد إلى سحب الجنسية منهم حال استمرارهم على أفكارهم، بعد إمطارهم بالعقوبات الإدارية التي تهدد مستقبلهم الاجتماعي والوظيفي، وهو توجه جديد لم تعهده البلاد منذ أكثر من 50 عامًا.

هذه التصرفات تجعل هناك خطورة كبيرة - من وجهة نظر منظمات المجتمع المدني - على استمرار السلطة التشريعية في أداء وظيفتها بحماية المواطن كما كانت دائمًا، ما يهدد سمعة الكويت أمام المنظمات الحقوقية العالمية وبرلمانات العالم.