ما إن هدأت شرارة المظاهرات الشعبية التي شهدتها العاصمة بغداد وغيرها من المدن العراقية الأخرى، حتى بدأت المظاهرات في بيروت وغيرها من المدن اللبنانية، ولا عجب أن كلتا التظاهرتين ولدتا من رحم معاناة آفة الفساد السياسي والإداري الذي أثقل حياة المواطنين العامة، فضلًا عن مشترك آخر وهو الدور الإيراني هناك، بما يحمله من تداعيات سلبية على مجمل نواحي الحياة العامة.

ولا بد من القول هنا، إن هناك العديد من الأسباب الرئيسة التي دفعت الحاضنة الشيعية في لبنان إلى التنديد بالأدوار التي أداها "حزب الله" وحركة أمل، وهو ما يعني من جهة أخرى تنديدًا بالمشروع الإيراني في لبنان، وهي:

1- احتكرت ثنائية "حزب الله - حركة أمل" كل الوظائف المخصصة للطائفة الشيعية، وقد استطاعت على مدى الـ30 سنة الماضية توظيف عشرات الآلاف من مناصريهم في الدولة، لكن في السنوات الماضية وبسبب وضع الدولة المالي بدأ هذا الأمر يتقلص إلى حدوده الدنيا، لينضم عشرات الآلاف من الشبان الشيعة إلى جيش العاطلين عن العمل، ما زاد حالات الفقر والتململ في المناطق الشيعية بشكل غير مسبوق.

2- الأزمة المالية التي يعاني منها حزب الله بسبب العقوبات الأمريكية التي خنقت داعميه الإيرانيين، انعكست بشكل كبير على تقديماته للمناصرين والمحازبين والمؤسسات التابعة له التي تضم الآلاف من المواطنين الشيعة، فهذا الحزب الذي ربط أكثر من مليون شيعي خلال العقود الماضية بمؤسسات تابعة له لم يعد قادرًا على استكمال تمويلها.

3- مارس الحزب السطوة والاستبداد في بيئته تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وخوّن كل من عارضه، ولا يخفى أن الضيق الاقتصادي والمعيشي والشكوى من سياسة السلطة، يطال كل الفئات والطوائف، ونظرًا إلى انخراط حركة أمل وحزب الله في السلطة، فإن الاتهامات وجهت إليهما من المناصرين بالمسؤولية عن الأوضاع الاقتصادية المزرية.

عند متابعة المطالعات الصحفية الإيرانية خلال الأيام القليلة الماضية، نجد أنها لم تختلف في تغطيتها الإعلامية والصحفية للمظاهرات التي تحدث في المدن اللبنانية، عن تلك التي حدثت في بغداد بداية الشهر الحاليّ

إن إنهاء النفوذ الإيراني هو المستهدف الرئيس من المظاهرات التي تشهدها بيروت في الوقت الراهن، وهو ما دفع إيران إلى أن ترمي بكل ثقلها من أجل احتواء هذه المظاهرات، وهو ما يعكس طبيعة المخاوف الإيرانية من أن تؤدي هذه المظاهرات إلى تداعيات سلبية على مجمل المشروع الإقليمي الإيراني، خصوصًا أنها تحدث في بلد يعد من ركائز النفوذ الإستراتيجي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

فعند متابعة المطالعات الصحفية الإيرانية خلال الأيام القليلة الماضية، نجد أنها لم تختلف في تغطيتها الإعلامية والصحفية للمظاهرات التي تحدث في المدن اللبنانية، عن تلك التي حدثت في بغداد بداية الشهر الحاليّ، إذ قالت العديد من الصحف الإيرانية كصحيفة كيهان وأفتاب نيوز ووكالة فارس ومهر وغيرها، إن المظاهرات اللبنانية عبارة عن فتنة تديرها أجهزة استخبارية أجنبية من خارج الحدود اللبنانية، وتحديدًا المملكة العربية السعودية بالتعاون مع رئيس الوزراء سعد الحريري، وهدفها المباشر هو التضييق على تيار 8 آذار، الذي هو عبارة عن تحالف سياسي تأسس بعد اغتيال رفيق الحريري، ردًا على دعوة أطياف سياسية مختلفة في لبنان إلى إنهاء الوجود السوري في البلاد، وهو يضم إلى جانب حزب الله قوى مسيحية أبرزها التيار الوطني الحر بقيادة الرئيس اللبناني الحاليّ العماد ميشال عون.

فإلى جانب الاستحقاقات الإقليمية التي يمكن أن تنتظر النفوذ الإيراني في المنطقة، يبرز استحقاق آخر وهو مستقبل محور المقاومة الذي تقوده إيران، إذ عبر العديد من المسؤولين في الحرس الثوري الإيراني أن إيران ستقف بوجه أي تظاهرات قد تشكل خطرًا على مستقبل مشروع المقاومة في المنطقة، وهو تصريح يعكس مدى الانغماس الإيراني الأمني في هذه التظاهرات، إذ ليس من الممكن تجاوز إيران من معادلة تغير الأنظمة السياسية في العراق ولبنان، كونها لعبت دورًا كبيرًا في تهيئة جزء من الطبقة السياسية في كلا البلدين، وهو ما يجعل هذه المظاهرات تحمل الكثير من التحديات التي من الممكن أن تكون بانتظار إيران.

مهما كانت نتائج الاحتجاجات في كل من العراق ولبنان، فإن إيران لن تسمح لهياكل قوتها بالانهيار دون قتال

فإلى جانب غرف العمليات التي أنشأتها إيران في العراق مع بدء المظاهرات في 1 من أكتوبر/تشرين الأول 2019، تحدثت العديد من المصادر الاستخبارية عن زيارة سرية قام بها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني إلى جنوب لبنان، والتقى مع العديد من قيادات حزب الله اللبناني من أجل اتخاذ إجراءات وقائية، يسعى من خلالها للحفاظ على وجود حزب الله العسكري والسياسي في الساحة اللبنانية، كون الحزب جزءًا من معادلة إقليمية إيرانية يتجاوز حدود الخلافات السياسية الداخلية في لبنان، وكانت غرفة العمليات التي تشكلت قد ضمت إلى جانب الملحق العسكري الإيراني في بيروت، رئيس جهاز الاستخبارات في حزب الله، إلى جانب العديد من القيادات الميدانية في الحزب، كما أن هناك مصادر استخبارية أخرى تحدثت عن عزم حزب الله استدعاء العديد من عناصره ومستشاريه الموجودين في سوريا والعراق إلى لبنان.

وفي النهاية يمكن القول إنه مهما كانت نتائج الاحتجاجات في كل من العراق ولبنان، فإن إيران لن تسمح لهياكل قوتها بالانهيار دون قتال، في لبنان بدلًا من التراجع والسماح بتنفيذ الإصلاحات من حكومات جديدة بوزراء مؤهلين، من المرجح أن يلجأ حزب الله والميليشيات التي تدعمها إيران إلى القوة، كما لجأت الميليشيات العراقية المدعومة من إيران إلى العنف مرة أخرى لقمع احتجاجات 25 من أكتوبر/تشرين الأول.