لقد مر ما يقارب مائة سنة منذ الثورة العربية الكبرى ضد الإمبراطورية العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى. و بناءً على وعد اعتراف من بريطانيا وفرنسا، سعى قادة عرب وراء الاستقلال لاقامة دولة عربية موحدة و لكن انتهت الثورة بدول عربية منقسمة وضعيفة. وفي القسطنطينية، تركت الثورة طعما مريرا من خيانة.و اليوم، مع إسقاط الجيش للرئيس محمد مرسي في مصر بدعم من بعض دول المنطقة، ظهر شبح الخيانة ثانية.

الأسباب المباشرة الحالية ليس من الصعب العثور عليها. تحت حكم حزب العدالة والتنمية  شهدت البلاد نهضة مدهشة لثقافتها الإسلامية العريقة. قادتها يعتبرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من نهضة واسعة قد تجلب الاستقرار والازدهار والديمقراطية الحقيقية الى المنطقة. وبالتالي، فإن الانقلاب العسكري ضد مرسي  كان غير معقول.
وفقا لما أفاد به عبد الباري عطوان في مقال نشر مؤخرا، تم التعبير عن قوة الشعور بالغضب في محادثة هاتفية بين رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان ووزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل.
سأل اردوغان "كيف يمكنك أن تدعي أن دولتكم تحكمها الشريعة الإسلامية، وانكم تدعمون الإسلام والمسلمين،  وتدعم في ذات الوقت الإطاحة برئيس اسلامي انتخب في انتخابات حرة ونزيهة؟"

مصادر MEMO في الخليج وتركيا تؤكد أن هذا التبادل تم بالفعل . فالفيصل اتصل باردوغان بعد الانقلاب لتوصيل رسالة من الملك عبد الله لحث الأتراك على التخلي عن مرسي وتأييد التدخل العسكري. المنح المالية الضخمة من السعودية والإمارات من أجل "الحكومة المؤقتة" المدعومة من الجيش في القاهرة تؤكد أن حكامها تدعم مدبري الانقلاب.

من منظور تركي، كانت دول الخليج ليست الوحيدة التي تعمل بالتعامل المزدوج فمنذ وقوع الانقلاب،كانت أنقرة لاذعة في انتقادها العلني لما وصفته بأنه نفاق غربي. وفيما يتعلق بواشنطن، كان الشعور بالخيانة أكثر ألماً لأن أردوغان كان قد التقى مع الرئيس الامريكي باراك أوباما في مايو ووفقا لمصادر MEMO دار بينهما مناقشات مطولة فيما يتعلق بمصر وسوريا. وقد غادر أردوغان و لديه الانطباع بأن أوباما سوف يدعم الشرعية الديمقراطية والتغيير في مصر على الرغم من الصعوبات. واتفقوا أيضا على التعاون على نطاق واسع لإنهاء الأزمة في سوريا. لكن اتضح فيما بعد أن الولايات المتحدة كانت على علم بالانقلاب الوشيك ولم تفعل شيئا لمنع ذلك. وربما كانت أحد المشاركين في التخطيط والتنفيذ.

بالنسبة لأردوغان، كان ذلك اعادة لما حدث في عام 2008 مع نظيره الإسرائيلي، إيهود أولمرت. قبل مجرد ثلاثة أو أربعة أيام من الهجوم على غزة، قام أولمرت بزيارة أنقرة بينما حاول أردوغان التوسط في اتفاق بين الاسرائيليين والسوريين. وبعد اجتماعات إيجابية، غادر أولمرت تركيا دون إبلاغ أردوغان أنه كان على وشك شن حرب.
إن المظاهرات الضخمة في جميع أنحاء تركيا تأييدا للرئيس مرسي هي مقياس لشعور الأتراك حياله. فالعديد  يعتبر ذلك جزء من حملة شرسة ضد الإسلاميين و في اعتقادهم أعمال الشغب في ساحة تقسيم كانت جزءا من هذا.

كان الألم مبرحاً خصوصاً لأن تركيا قد أعطت دعما كبيرا للتغيير الديمقراطي في سوريا. ولتحقيق هذه الغاية عملت أنقرة بجد مع حلفائها في الخليج والغرب. و لكن للأسف، في حين ان تركيا كانت تركز كل جهودها لإنهاء الأزمة في سوريا، تبين أن جهود حلفائها قد وجهت سراً لإسقاط الرئيس المنتخب لمصر، الذي كان على علاقة وثيقة مع الأتراك وكان بينهم العديد من القواسم المشتركة. وبالتالي فإنهم ما زالوا ينظرون لمرسي باعتباره الرئيس الشرعي لمصر.
بوجهة نظر تركية، المسألة هي مسألة مبدأ وليس الغرائز أو السياسات المكيافيلية. فالتدخل العسكري في السياسة شيء مرفوض على مستوى مختلف الانتماءات السياسية التركية. اليوم، هناك تقريباً إجماع وطني أن الحكم العسكري ليس متخلف فحسب، بل مدمر. وعلاوة على ذلك، فان الأتراك يقارنون بين ركود بلادهم تحت الحكم العسكري لسنوات طويلة و بين تقدمها لتصبح واحدة من أسرع الاقتصادات نموا في العالم في ظل الحكومة المنتخبة ديمقراطيا.

في نهاية المطاف، يمكن أن يكون هناك سيناريوهين في مصر: إما أن يتم اعادة محمد مرسي أو أن الوضع سيزيد تدهوراً مع كل الآثار السياسية و الأمنية التي ستسببها للمنطقة.
وعلى الرغم من التشابه بين تجاربهم، مصر تختلف اختلافا جوهريا عن الجزائر، حيث كان الجيش قادرا على احتواء العواقب المترتبة على انقلابها داخل البلاد، وإن كان بتكلفة ضخمة في الأرواح والموارد المادية. فإنه لم يسلم منه حتى الان.
و لكن في حالة مصر لا يوجد أي ضمان بأن الوضع يمكن السيطرة عليها بالمثل. فالإخوان المسلمين في مصر هي الحركة الأم لكل الحركات الإسلامية في المنطقة، و بناءاً على ذلك فمن المحتمل جدا أن يكون هناك تسرب لأثر الانقلاب الى البلدان التي لها وجود فيها.و في هذه المناسبة يوحي كل شيء أن الإسلاميين لن يقبلوا بسرقة ثورتهم أو تخريب تجربتهم الديمقراطية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإخوان المسلمين هم أكثر تطوراً وتجذرا من الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية. فقد أمضوا عشرات السنين يتقنون فن العمل سراً. و في أخر تصريح للمرشد العام للاخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، قال "عرفنا السجون قبل أن نعرف السلطة"، وهو تذكير مؤثر لجميع الأطراف المعنية.
دفع الإخوان المسلمون"تحت الأرض" قد يؤدي إلى تكرار ما حدث في إيران في أوائل الخمسينات. على الرغم من أنه استغرق الإيرانيين عقدين من الزمن لاستعادة حريتهم، عندما استعدوها كانت من خلال ثورة كان لها عواقب وخيمة على القوى الخارجية التي تآمرت ونفذت الانقلاب ضد مصدق في عام 1953. من البداية، اعتبرت الثورة الإيرانية في عام 1979 الولايات المتحدة العدو الرئيسي للأمة. هذا المنظورأصبح منذ ذلك الوقت ركيزة لسياسة الدولة الإيرانية، وهو أمر لم يسمع به قبل عقدين ايام مصدق.

في الوقت الراهن، قد تبدو تركيا معزولة ووحيدة، ولكن كما تقول مصادرنا هم مؤمنون أن "التاريخ في صالحهم". بمجرد أن الناس ذاقت الحرية، وأدركت قوة إرادتهم الجماعية، لا يمكن لأي قوة، عسكرية أو غيرها إنكارهم أو إخضاعهم والمصريين ليسوا استثناء. عندما ترتد هذة المقامرة، و سيحصل ذلك بالتأكيد المتآمرون والممولين سيعودون الى تركيا يتوسلون للحصول على مساعدة. ولن يرحب بهم حينها الا إذا كانوا على استعداد لإظهار احترام حقيقي لإرادة الشعب، ليس فقط في مصر بل في بلدانهم أيضاً.

المصدر: ميدل إيست مونيتر