يتابع رجل الإعلام سامي الفهري في قضية "كاكتوس" منذ 8 سنوات

يتابع رجل الإعلام سامي الفهري في قضية "كاكتوس" منذ 8 سنوات

قبل خمسة أشهر من الآن، في يونيو/حزيران، أعلن الإعلامي التونسي بوبكر بن عكاشة المقرب من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، في رسالة خاصة للممثل وسيم الحريصي العامل في قناة "الحوار التونسي" أن مالك القناة سامي الفهري سيزجّ به في السجن في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

مرّ شهر أكتوبر بأكمله، ولم يصدق كلام بن عكاشة، ومع ذلك بقي الجميع ينتظر إلى أن تحققت نبوءة الإعلامي المقرّب من قصر الحكومة بالقصبة، بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني، فقد قُبض على الفهري.

قضية كاكتوس من جديد

قرار النيابة العامة بإيقاف الإعلامي ومالك قناة "الحوار التونسي" سامي الفهري وشخصين آخرين، أول أمس الثلاثاء، تم على خلفية شكوى تقدمت بها وزارة المالية ضدهم تتهمهم فيها بسوء التصرف المالي في شركة "كاكتوس للإنتاج" المصادرة والمختصة في الإنتاج التليفزيوني، وفق ما أعلنه الناطق الرسمي باسم القطب القضائي المالي سفيان السليطي.

وقال الناطق الرسمي باسم النيابة العامة سفيان السليتي، الأربعاء: "تم الاحتفاظ بسامي الفهري على ذمة النيابة العمومية بشبهة غسل أموال واستغلال موظف عمومي بصفته للإضرار ومخالفة التراتيب تتعلق بالشركة المصادرة كاكتوس للإنتاج"، وأوضح السليتي أن "الاحتفاظ بسامي الفهري والمتصرفة القضائية، لمدة 5 أيام على ذمة النيابة العمومية بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي وقابلة للتمديد مرة واحدة وفق تقدير النيابة العمومية".

يُتهم سامي الفهري بـ"التسبب في خسائر مالية للتلفزة التونسية بقيمة 16 مليون دينار (6 ملايين دولار)"

سبق قرار الإيقاف، قرار قضائي آخر صدر نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يقضي بمنع سفر سامي الفهري و9 أشخاص آخرين (بينهم زوجته والمتصرفة القضائية لشركة كاكتوس للإنتاج) خارج البلاد، ومن لهم علاقة بقضية هذه الشركة الإعلامية المصادرة. وجاء الإذن بتحجير السفر على الأشخاص المذكورين بعد تقدم الأبحاث إثر تعهد النيابة العمومية بالقطب بشكاية مقدمة من المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة المالية، وبالتحديد اللجنة الوطنية للتصرف في الأملاك المصادرة.

من هو الفهري؟

يعتبر سامي الفهري (1971) أحد أباطرة الإعلام في تونس، برز نجمه سنة 2003، بتقديمه عدة أعمال تليفزيونية على قناة تونس7 (الوطنية 1)، دخل الفهري قطاع الإعلام عبر إذاعة تونس الدولية (عمومية) التي عمل فيها كمنشط منذ 1998، وانضم بعد ذلك لقناة 21 (الوطنية 2)، ثم أسس شركة كاكتوس للإنتاج.

قدم سامي الفهري على التوالي برنامجي "آخر قرار" (2003-2005) و"دليلك ملك" (2005-2007) على قناة تونس 7، وفي رمضان 2008 أخرج مسلسلاً مكتوبًا سُخرت له ميزانية ضخمة قياسًا بالمسلسلات الرمضانية الأخرى، تلاه في رمضان 2009 إخراجه للجزء الثاني، وفي رمضان 2010، أخرج مسلسل كاستينغ الذي ظهر فيه كممثل في دور صغير.

 

بعد الثورة التونسية بثلاثة أشهر، أطلق الفهري قناة تليفزيونية خاصة تحت اسم "التونسية"، بدأت القناة ببث برامج مثل "عندي ما نقلك" الذي كان سابقًا يبث على قناة تونس 7، بعد ذلك أنشأ الفهري برنامج "اللوجيك السياسي"، وأنشأ أيضًا برنامج "لاباس".

في يوليو/تموز 2013، أوقف الفهري قناة التونسية بعد نزاع مع رجل الأعمال سليم الرياحي الذي اشترى حيز البث عبر الأقمار الصناعية للقناة وعطل بثها، واشترى قناة "الحوار التونسي" لصاحبها الطاهر بن حسين، وبدأ في إنتاج برامج ومسلسلات جديدة فضلاً عن بث البرامج التي كانت تبث بقناة التونسية.

أصل القضية

تعود أطوار قضية "كاكتوس برود" التي يلاحق بمقتضاها سامي الفهري، إلى أواخر سنة 2011 - أي بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بأشهر قليلة - حيث أقام التليفزيون العمومي دعوى قضائية ضد شركة "كاكتوس" لاستحواذها على إيرادات إعلانات كان من المفروض أن تعود للتليفزيون، واستعمالها معداته التقنية لإنتاج برامج خاصة بها في عهد الرئيس المخلوع.

و"كاكتوس للإنتاج" هي شركة إنتاج خاصة أسسها سامي الفهري سنة 2002، ودخل معه فيما بعد بلحسن الطرابلسي (شقيق زوجة بن علي) كشريك، مستحوذًا على 51% من رأس مال الشركة، ثم عادت للدولة التونسية بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 بعد أن تمت مصادرتها وتعيين متصرف قضائي عليها.

وعلى مدى سنوات قبل الثورة احتكرت "كاكتوس" إنتاج برامج الترفيه للتليفزيون التونسي الرسمي مستفيدة من عائدات الإعلانات، حيث قدمت هذه الشركة التونسية، العديد من البرامج والمسلسلات وباعتها لمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، مثل برنامج "آخر قرار" سنة 2004 و"دليلك ملك" سنة 2005 و2006 و2007، ثم إنتاج مسلسل "مكتوب" ومسلسل "كاستينغ"، وتنتج الشركة هذه البرامج والمسلسلات في إستوديوهات التلفزة العمومية دون تقديم أي مقابل لذلك.

يرجع تونسيون القبض على سامي الفهري في هذه الظرفية إلى الحرب على الفساد التي أعلنتها رئاسة الحكومة بمعية رئاسة الجمهورية

يُتهم سامي الفهري بـ"التسبب في خسائر مالية للتلفزة التونسية بقيمة 16 مليون دينار (6 ملايين دولار)، ويتابع الفهري في هذه القضية مع كل من الوزير المستشار الأسبق برئاسة الجمهورية عبد الوهاب عبد الله وخمسة مديرين عامين سابقين بالتلفزة الوطنية وهم مصطفى الخماري ومحمد فهري الشلبي وإبراهيم الفريضي ومنصف قوجة والهادي بن نصر، الذين أحيلوا بحالة سراح، إلى جانب بلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق بن علي، الفار خارج البلاد.

بدأ تتبع الفهري قضائيًا في أبريل/نيسان 2011، واُتخذ ضده قرار بتحجير السفر - رُفِع في فترة لاحقة - وتجميد الأموال إلى أن صدرت في حقه بطاقة إيداع بالسجن في أغسطس/آب 2012، ولم يغادره إلا في 11 من سبتمبر/أيلول 2013.

في يناير/كانون الثاني 2013، قررت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس إصدار 5 بطاقات إيداع بالسجن في حق الخمسة مديرين العامين السابقين بالتلفزة الوطنية الموضوعين على ذمة القضية، الذين سبق لعميد قضاة التحقيق أن أحالهم بحالة سراح على أنظار دائرة الاتهام في أثناء ختمه الأبحاث في ملف قضية الحال.

تتعلق قضية الفهري بشبهات فساد

تتعلق قضية الفهري بشبهات فساد

كما قررت دائرة الاتهام كذلك إحالة جميع المتهمين إلى الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس لمقاضاتهم طبقًا لأحكام الفصل 96 من المجلة الجزائية المتعلق باستغلال شبه موظف عمومي لصفته قصد استخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره والإضرار عمدًا بالإدارة والمشاركة في ذلك.

لكن بإحالة ملف القضية إلى الدائرة الجنائية قررت الإفراج عن كل المظنون فيهم ومواصلة محاكمتهم بحالة سراح، بالإضافة إلى رفع قرار تحجير السفر عنهم الذي تواصل لسنوات، قبل أن تعود المحكمة مجددًا للبحث في هذه القضية وتحيل الملف في فبراير/شباط 2018 لفائدة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي.

حرب على الفساد

أرجع العديد من محبي سامي الفهري القبض على صديقهم إلى محاولة السلطات وخاصة حركة النهضة الانتقام من الفهري ومحاولة إسكاته خاصة أنه أعلن قبل أيام قليلة نيته بث برنامج استقصائي "يفضح" حركة النهضة، غير أن العديد من التونسيين يرون أن هذا الادعاء جانب الصواب.

يرجع هؤلاء، القبض على سامي الفهري في هذه الظرفية إلى الحرب على الفساد التي أعلنتها رئاسة الحكومة بمعية رئاسة الجمهورية عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها قيس سعيد برئاسة البلاد عقب حصوله على أغلبية أصوات المقترعين بنسبة فاقت 70%.

ويأمل العديد من التونسيين أن تطال هذه الحرب، كبار الفاسدين في البلاد، خاصة أن الفساد يكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة، حيث ساهم في تدهور اقتصاد البلاد وتحكم الفاسدين فيه، دون أن تتحرك أجهزة السلطة لمحاسبتهم.