العاهل السعودي وأمير قطر

بعد قرار مقاطعة بطولة كأس الخليج التي من المقرر إقامتها في العاصمة القطرية الدوحة من 24 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ وحتى الـ6 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، قررت السعودية والإمارات والبحرين التراجع عن هذا القرار وإعلان المشاركة الرسمية في البطولة.

القرار الذي تزامن مع عدد من المؤشرات الأخرى على رأسها التصريحات الصادرة عن مسؤولين إماراتيين وسعوديين بجانب التفاؤل الذي أبداه الوسيط الكويتي والأمريكي، إضافة إلى زيارة الرئيس المصري للإمارات اليوم، كلها تذهب إلى أن هناك شيئًا ما يدور في الكواليس بشأن انفراجة في الأزمة الخليجية المندلعة منذ يونيو/حزيران 2017.

تأتي هذه المؤشرات في الوقت الذي أكد فيه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على هامش كلمته خلال افتتاح الدورة التشريعية الجديدة لمجلس الشورى القطري قبل أسبوع أن الدوحة منذ بدء الأزمة أعربت عن "استعدادها للحوار لحل خلافات دول مجلس التعاون وفي إطار ميثاقه على أسس أربع: الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم الإملاء في السياسة الخارجية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية".

تراجع عن عدم المشاركة

في بيان رسمي لهم، على مواقعهم الإلكترونية، أمس الثلاثاء، أعلنت اتحادات الكرة في السعودية والإمارات والبحرين، مشاركتهم في بطولة كأس الخليج الـ24، التي ستقام في قطر، وذلك بعد قرار ثلاثي سابق بشأن عدم المشاركة استجابة للمقاطعة على خلفية الأزمة الخليجية.

البداية كانت مع الموقع الرسمي للاتحاد الإماراتي لكرة القدم الذي نشر بيانًا قال فيه: "بناء على تجديد الدعوة التي وجهها اتحاد كأس الخليج العربي إلينا، بهدف المشاركة في بطولة كأس الخليج الرابعة والعشرين، التي تستضيفها الدوحة، فإننا قررنا مُشاركة المنتخب الأول في المسابقة".

لم يكن قرار التراجع عن عدم المشاركة في البطولة المقامة في الدوحة بادرة التفاؤل الوحيدة بشأن حلحلة الخلاف، إذ شهدت الساحة الخليجية خلال الأسبوع الماضي حزمة من المؤشرات التي تذهب في الإطار ذاته

تزامن ذلك مع بيان مماثل صادر عن الاتحاد البحريني لكرة القدم، الذي نشر عبر موقعه الرسمي في الإنترنت صورة، وعلق عليها بقوله: "لقد قرر الاتحاد البحريني المشاركة في بطولة كأس الخليج الرابعة والعشرين، بعد تجديد الدعوة التي تلقيناها من اتحاد كأس الخليج العربي".

وبعد ساعات قليلة من تراجع الإمارات والبحرين عن موقفيهما، قرر الاتحاد السعودي لكرة القدم هو الآخر المشاركة في البطولة، بناء على الدعوة المُكررة من اتحاد كأس الخليج العربي، بحسب ما نُشر على الموقع الرسمي الإلكتروني.

التراجع عن قرار المشاركة يعد سابقة من نوعها منذ اندلاع الأزمة، إذ سبق لمنتخبات الدول الثلاثة أن قررت عدم المشاركة في منافسات "خليجي 23" بين نهاية عام 2017 ومطلع 2018، بسبب إقامتها في قطر، لكن وبعد تدخلات إقليمية اتفق على نقل البطولة إلى الكويت، ما دفع المنتخبات الثلاث إلى خوض المنافسات التي فازت بها سلطنة عمان على حساب المنتخب الإماراتي.

 

مؤشرات إيجابية

لم يكن قرار التراجع عن عدم المشاركة في البطولة المقامة في الدوحة هو بادرة التفاؤل الوحيدة بشأن حلحلة الخلاف، إذ شهدت الساحة الخليجية خلال الأسبوع الماضي حزمة من المؤشرات التي تذهب في الإطار ذاته، فبالأمس نشر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، على حسابه على تويتر قائلاً: "أبشركم بتطورات مهمة لحل الخلاف الخليجي بأقرب مما تتوقعون"، لكن دون ذكر أي تفاصيل.

وبعدها بساعات قليلة غرد الكاتب الصحفي الإماراتي محمد الحمادي رئيس تحرير صحيفة الرؤية الإماراتية بجملة مكونة من كلمتين فقط "الصلح خير"، ورغم عدم الإفصاح عن نوايا الكاتب من وراء هذه الكلمات، فإنها أثارت جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي حيث ربطها البعض بزيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم ولمدة يومين إلى الإمارات.

 

رواد مواقع التواصل الاجتماعي ربطوا بين التغريدة القصيرة وزيارة السيسي وأشاروا إلى احتمالية طرح ملف حل الأزمة الخليجية على طاولة المناقشات مع مسؤولي الإمارات، خاصة في ظل المتغيرات الأخيرة والمستجدات التي تشهدها المنطقة وتتطلب توحيد الجميع من أجل التصدي للتحديات.

 

والأحد الماضي، تسلم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، رسالة من أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وذلك خلال زيارة وزير الخارجية الكويتي للرياض في زيارة غير معلنة ولم يكشف تفاصيل ما دار فيها من مناقشات.

الرسالة الكويتية جاءت بعد قرابة 12 يومًا من تصريحات أمير الكويت في كلمته خلال افتتاح دورة لمجلس الأمة (البرلمان) الكويتي في 29 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، التي قال فيها: "من غير المقبول استمرار الخلاف الخليجي بين دول مجلس التعاون".

يذكر أن سلطنة عمان كانت قد استضافت الشهر الماضي، اجتماعًا للجنة العسكرية العليا لرؤساء أركان دول مجلس التعاون الخليجي، الخميس، وذلك بمشاركة مسؤول عسكري قطري بار، وهو ما فسره مقربون ببادرة أمل لتعزيز التعاون المشترك بين دول الخليج.

وفي مايو الماضي، وخلال مقابلة له مع وكالة "سبوتنيك" الروسية قال صدقة يحيى فاضل رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى السعودي: "أعتقد أن أزمة السعودية والإمارات والبحرين مع قطر تتجه إلى الحل"، موضحًا "هذا قد يكون من باب التمني، لكن هناك بعض المؤشرات التي توحي بأن الأزمة في طريقها للحل، وبالشكل الذي يُرضي الأطراف كافةً".

تأتي هذه المؤشرات تتويجًا للنجاحات التي حققتها النسخة الجديدة من الدبلوماسية القطرية منذ بداية الأزمة، التي نجحت طيلة العامين والنصف الماضيين في تقليل الآثار المحتملة من المقاطعة السياسية والاقتصادية لدول الحصار

جاءت تصريحات فاضل عقب اتصال رئيس وزراء البحرين الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهو الاتصال الذي نقلت وكالة الأنباء البحرينية عن وزير شؤون مجلس الوزراء، محمد إبراهيم المطوع، قوله إنه "لا يؤثر في التزام المملكة مع شقيقاتها، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، بشأن تنفيذ دولة قطر ما التزمته في اتفاقية 2013 و2014 وما تبعها من مطالب عادلة".

وفي منتصف أكتوبر وصل إلى الدوحة مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر للقاء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني ومسؤولين آخرين في الحكومة القطرية، وذلك لمناقشة "القضايا السياسية الثنائية والإقليمية وسيركّز على أهمية العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وقطر، وسيؤكّد على الحاجة إلى مجلس تعاون خليجي موحد لمواجهة نشاط النظام الإيراني المزعزع للاستقرار" وفق ما ذكر بيان صادر عن الخارجية الأمريكية.

كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى سيمون هندرسون، يرى أن تلك الزيارة تمثل فرصة جيدة أمام واشنطن لترى "ما إذا كان بإمكانها وضع حد للخلاف بين قطر ودول الخليج الأخرى"، لا سيما أنها تزامنت مع لقاءات أجراها وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية ديفيد هيل في الإمارات والسعودية.

 

إرهاصات الحلحلة

تأتي هذه المؤشرات تتويجًا للنجاحات التي حققتها النسخة الجديدة من الدبلوماسية القطرية منذ بداية الأزمة، التي نجحت طيلة العامين والنصف الماضيين في تقليل الآثار المحتملة من المقاطعة السياسية والاقتصادية لدول الحصار التي كانت تراهن منذ الوهلة الأولى على قصر نفس الدوحة في مجابهة تلك التداعيات.

ونجحت الدوحة في تكسير موجة الحصار رويدًا رويدًا، بل تجاوزت ذلك إلى تحقيق معدلات نمو غير مسبوقة، سواء على المستوى الاقتصادي أم السياسي، حيث فتحت نوافذ تجارية جديدة مع دول أخرى، بجانب تكثيف جهود الاعتماد على الذات، هذا بخلاف أودية الانفتاح التي شقتها في خريطة علاقاتها الخارجية، بدءًا بالمحور الروسي الصيني الإيراني مرورًا بالعمق الإفريقي وصولاً إلى أمريكا اللاتينية.

مجموعة موريتانية تضم مدونين وعددًا من رجال الثقافة والأدب دشنت حملة طالبت من خلالها الرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد الغزواني "بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر والمحافظة على علاقات طيبة مع جميع الدول العربية"

وفي يوليو الماضي وبعد 25 شهرًا من تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الدوحة إرضاءً للرياض وأبو ظبي على خلفية الأزمة الخليجية، أصدر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مرسومًا ملكيًا، بالموافقة على تسمية الأمين العام لوزارة الخارجية زيد اللوزي سفيرًا للمملكة لدى قطر.

 

هذا القرار الذي أعطى الضوء الأخضر لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مستوياتها السابقة، ما قبل الـ5 من يونيو/حزيران 2017، وهي خطوة أولى نحو كسر الحصار الذي فرضه الرباعي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) عززتها حزمة من المستجدات الإقليمية والمصالح المشتركة التي دفعت عمان إلى إعادة النظر في توجهاتها حيال قطر خاصة بعدما أبدته الأخيرة من حسن نوايا ومد يد العون لأشقائها الأردنيين رغم الموقف السياسي الرسمي.

سيناريو آخر مشابه يتكرّر مع الملف الموريتاني، ففي نهاية سبتمبر الماضي كثفت العديد من الأطراف السياسية والمدنية في موريتانيا جهودها للضغط على السلطات الحاكمة من أجل إعادة علاقات بلادهم الدبلوماسية مع الدولة الشقيقة قطر، بعد أكثر من سنتين على قطعها، تبيّن أن الخاسر الأكبر فيها هي موريتانيا وشعبها المسالم الذي يكنّ كل الاحترام لأشقائه العرب.

مجموعة موريتانية تضم مدونين وعددًا من رجال الثقافة والأدب دشنت حملة طالبت من خلالها الرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد الغزواني "بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر والمحافظة على علاقات طيبة مع جميع الدول العربية وعدم التدخل في الأزمات والخلافات بين الدول".

الحملة هدفت إلى إيصال صوت الشعب الموريتاني الرافض لقطع العلاقات مع الدوحة، الذي يحترم في نفس الوقت كل دول الخليج والبلدان العربية الشقيقة، فضلاً عن حث السلطات على تصحيح الخطأ الدبلوماسي الكبير الذي وقع فيه الرئيس السابق والمتعلق بقطع العلاقات مع دولة قطر الشقيقة.

هذا بخلاف تراجع عدد من الدول الإفريقية التي تجاوبت بداية الأزمة مع مساع بذلتها الدول الرباعية وقطعت علاقاتها مع قطر، على رأسها السنغال التي أعادت سفيرها إلى الدوحة بعدما كانت سحبته للتشاور، وقالت إن إعادة السفير تهدف إلى التشجيع على التوصل إلى حل سياسي للأزمة الخليجية، بجانب تشاد التي استأنفت علاقتها الدبلوماسية بالكامل مع الجانب القطري فبراير 2018 بعد إغلاق سفارة قطر في العاصمة إنجمينا في 23 من أغسطس 2017 استجابة للضغوط السعودية الإماراتية.