ساهمت القوات الإماراتية بفاعلية في دحر الانقلاب من أكثر من منطقة، لكن حجم الوجود العسكري الإماراتي، وطبيعة السياسات والإجراءات التي اتبعتها على الأرض بعد خروج الحوثيين من عدن، واتهام البعض لها بالانحراف عن الأهداف المعلنة، ومواقفها من القوى المحلية وحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، قبل التطوّر الأخير في العلاقة؛ قد أثارت مجموعة من التساؤلات حول حقيقة أهداف دولة الإمارات العربية المتحدة، ومستقبل نفوذها في اليمن.

سياق تاريخي

تعد الإمارات منذ عام 2011 إحدى الدول الراعية للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي شكّلت خريطة طريق لانتقال السلطة من الرئيس السابق علي عبد الله صالح إلى نائبه حينها ورئيس اليمن حالياً عبدربه منصور هادي، توّج على أثرها عبد ربه منصور هادي عام 2012 كأول رئيس لليمن بعد الثورة الشعبية التي انطلقت عام 2011. وبعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني من قبل الأحزاب المشاركة أقرّ مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن إلغاء اتفاقية تأجير ميناء عدن لشركة موانئ دبي العالمية، التي وقّعها نظام الرئيس السابق علي عبد الله في العام 2008، وكانت الإمارات حينها تعطله لصالح تشغيل ميناء جبل علي وترى الإمارات في تشغيل ميناء عدن مهدداً استراتيجياً لموانئها، حيث يقع ميناء عدن على الخط الملاحي الدولي الرابط بين الشرق والغرب.

وسعت الأمارات إلى إفشال الحكومة ففي شهر أبريل 2015 كشف اللواء المتقاعد في الاستخبارات السعودية، أنور عشقي، في مقابلة مع قناة روسيا اليوم، عن دعم دولة الإمارات لجماعة الحوثي التي انقلبت على السلطة بالتعاون مع الرئيس السابق علي صالح؛ مقابل ضرب حزب التجمع اليمني للإصلاح، لكونه الرافعة الأساسية لقوى الثورة.

وفي 21 سبتمبر 2014 سيطر مسلحو الحركة على كامل العاصمة، واستولوا على العاصمة صنعاء. وتحت ضغوط الجماعة استقالت حكومة محمد سالم با سندوة، وكُلِّف خالد بحاح بتشكيل حكومة توافق وطني سرعان ما قدمت استقالتها هي أيضًا. وبعد إخضاع الرئيس هادي للإقامة الجبرية تقدم بإعلان استقالته كذلك في 22 يناير 2015.

 

وفي 20 فبراير 2015 استطاع هادي الإفلات من قبضة الجماعة والتوجه إلى مدينة عدن في الجنوب، وتراجع عن الاستقالة ثم توجه إلى عمان ثم إلى المملكة العربية السعودية. وفي فجر السادس والعشرين من مارس 2015، انطلقت عملية عاصفة الحزم العسكرية تتزعمها المملكة العربية السعودية ضمن تحالف عربي يضم الى جانب السعودية الإمارات وقطر والكويت والبحرين ومصر والمغرب والأردن والسودان في محاولة لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح في اليمن قبل الانقلاب الحوثي.

استغلت الإمارات مشاركتها في التحالف لبسط نفوذها على المواقع الاستراتيجية الهامه مثل باب المندب الذي يعتبر طريق الملاحة الدولية الذي يربط المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. وتعد دولة الإمارات حالياً الدولة الأكثر حضوراً عسكرياً ونفوذاً على الأرض اليمنية منذ عام 2015 بعد المملكة العربية السعودية، ويتركز ثقلها في المحافظات الجنوبية.

ومنذ عام 2013 صعد دور الإمارات في أكثر من ساحة، وكشف عن إمكانياته في التأثير عليها، معتمداً على شبكة من العلاقات الدولية، والأدوات المحلية في بلدان الصراع، واستقطاب عناصر أجنبية.

الوجود العسكري الإماراتي في اليمن

تنتشر القوات الإماراتية في سبع مناطق يمنية وتتمركز قواتها الرئيسية في عدة قواعد عسكرية أبرزها في محافظة عدن، وفي والمخا والمكلا وشبوة والحديدة، وسقطرى وركزت القوات الإماراتية تواجدها في الأماكن والمراكز السيادية والحيوية، كالموانئ والجرز والمطارات حيث تضم اليمن أكثر من 200 جزيرة؛ أكبر هذه الجزر جزيرة سقطرى موطن لأنواع نادرة من النباتات والحيوانات وبدون تنسيق مع الحكومة اليمنية.

دوافع وأهداف الإمارات في اليمن

الدوافع المشتركة مع باقي الدول المشاركة في التحالف بقيادة السعودية تتمثل في: إسقاط انقلاب الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية.

أما الدوافع الإماراتية الأخرى في اليمن فتتمثل في:

  • السيطرة على الملاحة البحرية

برزت الإمارات كمركز دولي في الملاحة البحرية، فموانئ دبي العالمية تدير ما يقارب 70 ميناء في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية مروراً بإريتريا وجيبوتي وميناء عدن الأهم، لذلك ترى في أي محاولة لتطوير ميناء عدن الاستراتيجي أكثر الموانئ ازدحاماً في العالم مهدداً لأمنها القومي والاقتصادي.

  • القضاء على تيارات الإسلام السياسي  

كشفت ثورات الربيع العربي أن للإمارات أولويات وإستراتيجيات ثابتة منها القضاء على تيارات الإسلام السياسي وتعتبره تهديدًا وجوديًا لبقائهم فبينما تكثف الإمارات العربية المتحدة جهودها لمحاربة الإصلاح في اليمن، فإنها تخاطر بتقويض أي تسوية سلمية يدعمها حلفائها في التحالف منها تمكين الجماعات المسلحة المدعومة منهم في جميع أنحاء البلاد كقوات الحزام الأمني وقوات النخبة الشبوانية والتهامية والقوات المشتركة (العمالقة) وقوات الحرس الجمهوري من أجل تحقيق مصالحهم السياسية والاقتصادية فعلى مدار العامين الماضيين، شنت القوات الإماراتية حربًا ضد الشرعية اليمنية.

وركزت جهودهم على السيطرة على مدن الموانئ الجنوبية في اليمن مع دعم المقاتلين الانفصاليين في المنطقة للحصول على الدعم المحلي. ثم استخدمت أبو ظبي هذه القوات، التي يطلق عليها اسم الحزام الأمني​، لاحتجاز مئات المواطنين اليمنيين المرتبطين بالإصلاح داخل 18 سجناً سرياً منتشرة في جميع أنحاء المناطق الجنوبية.

السيناريوهات

الآن وبعد تصاعد القتال في جنوب اليمن مؤخراً كجزء من الإستراتيجية السعودية-الإماراتية للحفاظ على الدولة الأكثر فقراً في العالم العربي في حالة ضعف دائم من أجل خدمة أهدافها الخاصة، فقد أضافت المعارك التي وقعت هذا الشهر الماضي في مدينة عدن بين القوات الحكومية الموالية للرئيس هادي المقيم في السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات صفحه جديدة من التعقيد في حرب اليمن، لأن الأطراف المتحاربة هم حلفاء في التحالف العسكري السعودي الإماراتي الذي تدخل في عام 2015 لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بعد أن استولت حركة التمرد الحوثي على العاصمة فبعد قصف الإمارات لقوات موالية للشرعية اصبح أن هناك تفاهم واضح بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عندما يتعلق الأمر باليمن. وقال إن المملكة العربية السعودية لن تتحدى دولة الإمارات العربية المتحدة لأن البلدين يشتركان في الهدف الاستراتيجي المتمثل في إبقاء اليمن ضعيفًا ليتمكن من تنفيذ استراتيجياته مختلفة.

سيناريو انسحاب الامارات من اليمن

يتوقع هذا السيناريو انسحابًا وهميًا للإمارات، ففي 9 يوليو من عام 2019، أعلنت الإمارات سحب قواتها العسكرية من مدينة الحديدة الساحلية اليمنية، من أجل البدء بعملية سياسية برعاية الأمم المتحدة، لكنهم عملوا على إعادة انتشار قواتهم في مناطق أخرى وبرّر المسؤولون الإماراتيون إعادة الانتشار هذه بزعم أن القوات الإماراتية بحاجة إلى التركيز على مواجهة إيران وتسليط الضوء على نجاح أبو ظبي في تهميش الحوثيين كقوة سياسية رئيسية في جنوب اليمن.

وعلى الرغم من أن هذه العوامل ساهمت في تحول سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن، إلا أن قرار الإمارات بتخفيض قواتها في اليمن كان بسبب ضغوط دولية. فعلى الرغم من العلاقة الوثيقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد، إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية ضغطت مؤخراً على الإمارات للسماح بإجراء تحقيق في إساءة معاملة المعتقلين في اليمن. وأيضًا ردود الفعل من وزارة الدفاع على دعم الإمارات بشحنات أسلحة لتنظيم القاعدة في اليمن.

سيناريو استمرار الامارات

يتوقع هذا السيناريو استمرار الإمارات في اليمن لكن هذا السيناريو بدأ يتراجع بسبب الضغوطات التي يواجها المسؤولون الإماراتيون من الداخل نتيجة عدد القتلى من الجنود الإماراتيين في اليمن التي لا تعرف أرقام القتلى في اليمن حتى الان.

وفي يوليو 2016، أعلن وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، أن حرب اليمن "انتهت بالنسبة لقواتنا"، ووافق محمد بن زايد على بيان قرقاش على تويتر. على الرغم من أن هذه التعليقات لم تغيّر سلوك دولة الإمارات العربية المتحدة في اليمن، فإنها تشير إلى أن أبو ظبي ستكون على استعداد للانسحاب من جانب واحد من اليمن، إذا كان التوقيت مناسبًا.

وعلى الرغم من أن الإمارات تقلّل من وجودها العسكري في اليمن إلا أن أبو ظبي لا ترغب في تسليم نفوذها في اليمن. وسعت على للحفاظ على موقعها الاستراتيجي من خلال دعم مليشيات تابعة لها خارج أطار الحكومة اليمنية وتساعدهم في تعزيز الهيمنة على جنوب اليمن، وتوسيع مشاركتها الدبلوماسية في اليمن.

ستشجع الامارات الانفصال في اليمن، لأن هذا سيمنحها التأثير والسيطرة على المنطقة ذات القيمة الاستراتيجية.

الاستنتاجات

لدى الإمارات خط أخضر من بعض القوى الإقليمية والدولية للسيطرة على الموانئ. وعلى الرغم من تصريح الإمارات بانسحابها من اليمن، تشير التقارير إلى أن أبو ظبي تحافظ على وجودها العسكري في قاعدتها في المكلا.

تريد الإمارات تسليط الضوء على قيمتها كشريك في مكافحة الإرهاب للمسؤولين الأمريكيين، لأن أبو ظبي تشعر بالقلق من أن تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة سوف يضعف إذا هزم مرشح الحزب الديمقراطي ترامب في عام 2020. ومن غير المرجح أن تشجع أبو ظبي الحوار في اليمن. ومن المحتمل أن تستخدم الإمارات نفوذها الاقتصادي وروابطها مع الجماعات العسكرية التي شكلتها كنقاط ضغط للتأثير على تطوير المؤسسات السياسية في اليمن بعد الحرب.

ستشجع الإمارات الانفصال في اليمن، لأن هذا سيمنحها التأثير والسيطرة على المنطقة ذات القيمة الاستراتيجية.