تصنف المحافظات الشرقية رسمياً (كمحافظات نامية)، كانت في السابق تشكل منفى لبعض الموظفين الذين يرتكبون مخالفات، فيتم معاقبتهم بإرسالهم للمناطق الشرقية، وكانت هذه الفوقية التي يتم من خلالها النظر لتلك المنطقة، وذلك الأهمال، يلقي بظلاله في مختلف قطاعات الدولة، فلا وزارة الصناعة تفتتح مشاريع صناعية تخدم المنطقة وابناءها حتى لو كانت لخدمة الشق الزراعي كمصانع الأعلاف أو دباغة الجلود، ولا وزارة النفط مستعدة لبناء مصفاة للنفط في مناطق انتاج النفط الأساسية، ولا وزارة التعليم بالمقابل كانت مهتمة بالواقع التعليمي وتشجيعه، بل كان التعليم مهمشًا بدرجة لا يمكن تخيلها، فقد تم أفتتاح أول جامعة في المحافظات الشرقية (جامعة الفرات) سنة 2006 فقط. كما أن البعثات الجامعية على نفقة الدولة كانت نادراً ما تستقطب أبناء هذه المحافظات، في حين تلعب اعتبارات أخرى لها علاقة بالنفوذ داخل الدولة في اختيار الطلاب للبعثات، وحتى الكليات العسكرية، نجدها شبه خالية من ضباط من المنطقة الشرقية.

أطراف الصراع

بدأت مناطق شرق الفرات تخرج فعلياً وبشكل متسارع من سيطرة النظام السوري منذ نهاية سنة 2012، وتوزعت السيطرة في شرق الفرت بين عامي 2012 بين النظام، وفصائل المعارضة في بعض المناطق، وكانت السيطرت الأطول و الأبرز تتمثل بسيطرة داعش والعمال الكردستاني منذ عام 2013. ويمكننا تلخيص أبرز محطات التعليمية بحسب السيطرات وفق التالي:

مناطق سيطرة داعش

بعد سيطرة تنظيم داعش على الرقة، سمح التنظيم مع الفصل الدراسي الثاني من عام 2013-2014 بمتابعة التدريس بالمنهاج السوري، مع إلغاء بعض المواد، (التربية القومية، الفنون، الموسيقا، الفلسفة)، إلى إيقاف عمل المدارس في بداية الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 2014-2015 دون إبداء أي أسباب، وهو ما فسّره بعض أبناء المدينة بوصفه يعكس حالة من عدم الاهتمام والإهمال المقصود للعملية التعليمية. لقد كان تنظيم داعش يمنع ماتبقى من المدرسين من القيام بأي دروس خصوصية تحت طائلة العقوبة، بعد أن أقامت لهم دورات استتابة، كما جرى استغلال المدارس التي سيطر عليها التنظيم بفكره ومنهجه المتشدِّد في تجنيد الأطفال وضمِّهم لصفوفه، وهو النهج الذي سارت عليه ميليشيا “قسد” بعد سيطرتها على الرقة.

التعليم في الرقة تعرض لتدمير ممنهج، كما أن البنية التحتية و معظم المدارس تعرضت للقصف والدمار نتيجة قصف طائرات التحالف الدولي في إطار الحرب المعلنة على داعش، حيث جرى تدمير نحو 80% من الرقة في تلك الحرب بحسب تقرير الأمم المتحدة .

 

يمكن القول: إن فترة سيطرة تنظيم داعش، قد ساهم بحرمان جيل كامل من فرصة التعليم بشكل يصعب تعويضه.

مناطق سيطرة العمال الكردستاني

لا تختلف سياسة العمال الكردستاني عن داعش اتجاه المؤسسات التعليمية في شيء، فبعد سيطرتها على جميع المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرتها شرق الفرات (باستثناء عدد قليل من المدارس التي بقيت تحت  إدارة النظام في القامشلي والحسكة)، كما قامت الإدارة الذاتية بإغلاق المدارس الخاصة بما فيها المدارس التابعة للطوائف المسيحية.  وسعت الإدارة الذاتية لفرض فقط المناهج التعليمية التي أقرتها، محاولة من خلالها فرض فكر وسياسة محددة، وهي تعتمد على ثلاثة أركان وقواعد: أولها الحاجات الأيديولوجية، وثانيها اعتماد اللغة الكردية، والثالث مرتبط بضرورات التغيير وإعادة التأهيل للبنى التعليمية، فقد أوصى المؤتمر الثاني لمؤسسة اللغة الكردية SZK الذي عُقِد في مقاطعة عفرين بترسيخ النظام التعليمي وفق مبادئ الأمة الديمقراطية استنادًا إلى فلسفة (عبد الله أوجلان) بوصفه قائدًا للشعب الكردي، وضرورة تأهيل الكادر التدريسي لنفسه بجهد ذاتي، وإخضاع الأعضاء جميعهم للتدريب الأيديولوجي والثقافي والمسلكي، وضرورة عمل الهيئة على البدء بالتعليم رسميًا خلال العامين 2015/2016.

 و يمكن تلخيص سياسة القوات الكردية في التعليم بالتالي:

  • فرض مناهج دراسية بخلفية إيديولوجية تمثل سياسة حزب العمال الكردستاني، وتشجع على ما يسمونه في أدبياتهم ب“العنف الثوري"، والتسويق له.
  • تكريد اسماء المناطق والمعالم الجغرافية في منهاج الإدارة الذاتية الكردية.
  • الغاء مادة التربية الدينية والاستعاضة عنها بمادة لتدريس الأديان بشكل سطحي بما فيها الزردشتية.
  • القيام باستبعاد المدرسين الأصلاء وانتداب مدرسين غير مؤهلين من حملة الشهادة الاعدادية والابتدائية أحياناً للتدريس.
  • في مدارس الإدارة الذاتية يتم فرز الطلاب على أساس عنصري (عربي / كردي).
  • يتم تدريس الطلاب العرب المنهاج الذي تفرضه الإدارة الكردية باللغة العربية وبلغة ركيكة وغير علمية وتفتقد الشروط المعرفية. أما الطلاب الأكراد فيتم تدريسهم المنهاج الذي تفرضه الإدارة الكردية أيضاً باللغة الكردية.
  • اكتظاظ مدارس المدينة التي تقوم بتدريس منهاج الدولة السورية، مع فرض غرامات باهظة على السيارات التي تنقل الطلاب لتلك المدارس من قبل القوات الكردية.
  • استخدام بعض المدارس كمقرات عسكرية وتدريب.

 

مدرسة مدمرة في الرقة

 

مناطق سيطرة المعارضة:

لم تكن سيطرة المعارضة في شرق الفرات طويلة الأمد، لذلك لم يكن هناك تدخل في المؤسسات التعليمية، وعلى الرغم من ذلك، فقد كان النظام يصدر تعليمات مشددة، لجميع الكوادر التعليمية في مناطق المعارضة شرق الفرات، و التي كانت تستلم  مرتباتها من النظام، بمنع فتح المدارس في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة تحت طائلة المسائلة والحرمان، حدث ذلك في ريف القامشلي والحسكة الجنوبي الذي وقع تحت سيطرة المعارضة، ونتيجة نقص الكوادر، أضطر عدد كبير من طلاب الريف، للانتقال إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، لمواصلة التعليم في المدارس، ومع ذلك بقي العدد الأكبر من أبناء القرى خارج العملية التعليمية فارتفعت نسبة التسرب بشكل كبير في هذه المناطق، خاصة مع غارات النظام الجوية المتكررة بشكل شبه يومي على مناطق سيطرة المعارضة.

مناطق الشريط الحدودي تحت النفوذ التركي

بالنسبة للتعليم في مناطق سيطرة المعارضة في الشريط الحدودي في مناطق شمال سورية (غرب الفرات)، والخاضعة للنفوذ التركي بشكل أساسي، فهناك مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية، تدرس مناهج معدلة عن المنهاج القديم باللغة العربية، وتتبع مديريات التعليم لوزارة التربية التركية،  وتشرف على الامتحانات وزارة التربية في الحكومة السورية المؤقتة، ويتم تدريس اللغة التركية كلغة أجنبية ثانية مع الإنكليزية، جميع المدرسين المعينون في المدارس هم سوريون، ويتقاضون راتب شهري يقدر بنحو 700 ليرة تركية، جزء منه من اليونيسيف، وجزء من الحكومة التركية، كذلك تم افتتاح كليات تابعة لجامعتي عينتاب وحران، كلية للإدارة في الباب، وكلية زراعة في عفرين، وكلية ثالثة في اعزاز، وتدرس مناهجها باللغة العربية ومعظم كوادرها أيضاً من السوريين.

المدارس في المناطق الخاضعة للنفوذ التركي، جيدة نسبياً من حيث التجهيزات والدعم اللوجستي، لكنها خاضعة بشكل مباشر لوزارة التربية التركية، ولا تساهم وزارة التربية في الحكومة المؤقتة السورية بأي دور رئيسي في إصدار تعليمات وقوانين خاصة بالمؤسسة التعليمية، بما في ذلك العطل الرسمية المعتمدة فقط لدى وزارة التربية التركية، وعدم اعتماد المناسبات والعطل السورية. ويبقى المنهاج دون المستوى المطلوب، خاصة مع عدم كفاية المدرسين المختصين.

جرابلس

وكذلك غياب الرقابة الكافية في المؤسسة التعليمية. وفي عفرين هناك تحديات إضافية تواجه المعلمين هناك، فالمدارس هناك ومنذ نحو 6 سنوات كانت خاضعة للإدارة الكردية، وكانت تدرس منهاجها باللغة الكردية، لذلك التلاميذ الذين وصلوا للمرحلة الإعدادية اليوم، باتوا لا يستيطعون التواصل تعليمياً باللغة العربية كما ينبغي، بل أن بعض التلاميذ من ابناء القرى الكردية لا يستطيع التحدث باللغة العربية اليوم، وهؤلاء بالتالي يعانون من صعوبات كبيرة في هذا الإطار.

ومنذ سيطرة تركيا والفصائل المدعومة منها على عفرين، تم استبدال المناهج الكردية بمناهج عربية مدققة من قبل الحكومة المؤقتة، يضاف إليها ساعات تدريسية لتعليم اللغة الكردية للطلاب الكرد، إضافة إلى ساعات تدريسية لتعليم اللغة التركية، التي أصبحت لغة أساسية في هذه المدارس يتم تدريسها لسائر الطلاب.

خلاصة:

يمكننا القول بأن العملية التعليمية في عموم سورية، وبشكل خاص  مناطق الشمال والشمال الشرقي من سورية، قد تأثرت بشكل مرعب منذ بدء الثورة، بحيث أننا نتحدث اليوم عن أجيال كاملة شبه ضائعة، حيث ارتفعت نسبة الأمية، وازداد التسرب من التعليم، سواء بسبب تعطل المدارس وخاصة في مناطق الرقة ودير الزور، أو بسبب إحجام الأهالي عن إرسال أطفالهم عن المدارس في ظل سيطرة منظمات مثل داعش والعمال الكردستاني على المؤسسة التعليمية، ومساهمتها في أدلجة التعليم وعدم توفير مادة علمية أو معتمدة يمكن أن يستفيد منها الطالب. وكل ذلك ينذر بمستقبل مظلم في عموم سورية، يمكننا التعرف على مؤشراته من خلال زيادة معدل الجرائم الجنائية اليوم، وإنتشار الإدمان على المواد المخدرة، خاصة مع  تساهل أطراف الصراع المسلح في تداولها وتجارة تلك المواد، لما توفره تلك التجارات من دخل كبير لها، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أوغير مباشر.