يتزايد الحديث في بلدان الخليج، عن أزمة التجمعات العشوائية للوافدين، وخاصة العزاب منهم، يأخذ الحديث أحيانا صبغة موضوعية، وأحيانا آخرى يتصاعد بشدة، ويختلف تناول طرح مثل هذه القضايا، حسب البلد، ومدى قربه أو ابتعاده عن الحداثة ومستوى تغلغل النظام القبلي فيه، في أعرافه وتركيبته السكانية وعلاقته بالوافدين، في ظل الهجمة الشرسة عليهم، ومحاولة دفعهم من البعض، للخروج من البلدان الخليجية بأي طريقة، حتى لو كانت مهينة، وتتنافى مع الأعراف والتقاليد العربية الأصيلة.

التحامل على الوافد.. أسلوب حياة في الكويت والسعودية

في الكويت، ورغم النظام شبه الديمقراطي العتيد في البلاد، إلا أن الرأي العام في السنوات الأخيرة، يشوبه الكثير من التحامل على الوافدين، وكأنهم أصل الأزمات في البلاد، وليس من استقدمهم، وتركهم لمعيشة غير آدمية.

تستطيع لمس هذه الروح العدائية ضد الوافدين من بعض كتاب الرأي، وخاصة القادم منهم من خلفيات أمنية، إذ يصورون للرأي العام، الوافدين على الكويت، وأغلبهم من العمال الآسيويين، وكأنهم في مستنقع عربدة، كل منهم يفعل ما يحلوا له دون حسيب أو رقيب، بعد أن وجدوا الفرصة مواتية أمامهم، لعمل أي شيء مخالف للقانون.

عمال

طارق حمادة، مدير أمن العاصمة الأسبق، والكاتب والباحث حاليًا، هو أحد الذين دونوا شهادتهم على الأزمات المعيشية للعمالة الوافدة، وانعكاساتها على الكويتيين، ويؤكد أن تجمعاتهم، وخاصة العزاب منهم، بها أقسام مخصصة للخمور، وأخرى لاحتجاز النساء والاتجار فيهن، وغالبيتهم بحسب «حمادة» يحيا مغيبًا عن الواقع، بفعل المخدرات، والأنواع الغربية التي تروج من السموم المخدرة بأنواعها كافة.

يستمر مدير الأمن الأسبق، في نقل رؤيته، من واقع ما كان يعايشه، أيام عمله الأمني، ويزعم أن التجمعات تحولت إلى كراجات مخازن للمهملات والمسروقات، فضلا عن مخالفة الآلاف لقانون الاقامة، وإدارة المطاعم من داخل الغرف المغلقة، الى جانب آلاف المحلات التي تعمل بالمنطقة، دون ترخيص، ومن داخل السكن الخاص للوافد، ويقترح في المقابل إنشاء مدن عمالية، منظمة ومراقبة ومتكاملة الخدمات، تكون للدولة سلطة رقابية عليها.

ما يقوله مدير الأمن الأسبق، بالعاصمة الكويتية في شهادته، لم يأت بعيدًا عن الخيال الأمني المعتاد في البلدان العربية، الذي يستسهل دائما تجريم الآخر، مع أن الأحداث التي رصدها، ليست في صالحه، وكل من تخاذل، في تطبيق القانون، حتى انتشرت آلالاف المخالفات، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل من الموضوعية والإنصاف، تحميل مثل هذه الأزمات للمخالف وحده، أم هي أصل في عوار القانون، وربما المحسوبية والفساد، التي دفعت الوافد مجبرًا، إلى الأبواب الخلفية، بدلًا من اتباع الطرق الصحيحة في الاستثمار والإقامة، ثم من أدخل عمالة بهذه المواصفات إلى البلاد، ومن يتحمل مسئوليتها!

نفس النبرة التي تسمعها في الكويت، ستجدها في السعودية، وخاصة مع الهجمة الشرسة على الوافدين، الذين أصبحوا محل سخط جماعي، وتلاحقهم الهاشتجات على تويتر، والمجموعات العرقية التي تتبعهم وتنشر عناوينهم الخاصة، وكل تصرف يصدر عنهم، للضغط على السلطة بترحيلهم، وبدلا من تحميل السلطة مسئولية الإخلال بتطبيق القانون، تخرج هذه الأصوات على تويتر، وتحمل الوافد مسئولية كل شيء.

 

في عمان الأمر مختلف كثيرًا، رغم وجود الأزمة بالفعل، ولكن الشارع متعاطف، والرأي العام لايميل لتحميل مسئولية الوافد الأزمة، وكذلك الكتاب والمثقفين، ومنهم الكاتب الصحفي على المطاعني، الذي يحمل بلاده المسئولية عن انتشار بعض المظاهرالاجتماعية التي لاتناسب حداثة البلاد ويؤكد انهم استقدموا العمالة من بلدانها للعمل، برضاهم وباختيارهم.

يطالب المطاعني الجهات المختصة بإلزام المقاولين بتحرير عقود إيجار للعاملين، تكون موثقة من أجهزة البلديات العاملة في البلاد، وتفعيل مراقبة هذا الجانب، ويعترف أن بعض الممارسات الخاطئة من الدولة، في التعاطي مع القوى العاملة الوافدة، لا تنسجم مع القيم الإنسانية التي ترفعها القيادة السياسية، وتتجسد في أخلاقيات المواطن العماني بالفعل.

 

ويعترف الكاتب الصحفي العماني، أن السكن العشوائي على أطراف الأحياء السكنية، يفتقر لأدنى الخدمات الإنسانية، كالمياه والكهرباء والصرف الصحي، بل إن نمط البناء نفسه، لا تتوفر به الظروف الصحية الملائمة لخلق مجتمع آدمي، فيضطر الوافد الذي لاحول له ولاقوة، إلى التعامل مع البيئة الخشنة التي يعيش بها، ويستخدم مرافق المساجد كدورات مياه في الاستحمام، وغيرها من مظاهر العشوائية التي دفع إليها ولم يذهب طواعية.

حل الأزمة.. كيف  ؟

لا خلاف على أن المدن العمالية، حل يمكن الاعتماد عليه، في استقبال آلاف العمال الجدد، بل يمكن استخدامها في الاستثمار والاستفادة منها، كما تفعل الإمارات، التي سارعت إلى تبني هذا الحل، وظهر بشكل أكثر مؤسسية منذ عام 2008، حيث كلفت الدولة، المؤسسة العليا للمناطق الاقتصادية المتخصصة، ببناء تجمعات عمالية ذات طابع عائلي، لتوفير وحدات سكنية ملائمة لذوي الدخل المحدود وعائلاتهم، وبإجراءات تنظيمية، تهدف إلى ضمان بيئة آمنة وإنسانية.

المدن العمالية

اتخذت المؤسسة أنذاك عدة تدابير تنظيمية، لتحقيق الأمن المجتمعي، والقضاء على ظاهرة التأجير من الباطن في المدن التي كان يتربح منها المواطن الإماراتي والوافد خارج سلطة القانون، وبالتالي أصبح مواجهة المخالفات القانونية، وتوفير سكن آدمي للوافدين، توجه رسمي حاسم وصارم من أعلى سلطات الدولة، ما انهى على الظاهرة تماما. 

وتتبع وزارة الموارد البشرية والتوطين، منذ عام 2016 نظامًا متطورًا، لإبصار الوافد بكل شيء، وأطلقت حملة «اعرف حقوقك» تستقبل العمال الأجانب، الذين يصلون أياً من مطارات الدولة، وتسلمهم كتيبات تعلمهم حقوقهم والتزاماتهم بموجب عقود عملهم، وتترجم هذه المنشورات، بكافة اللغات العاملة في البلاد، العربية والإنجليزية والهندية والمالاليم والأوردو.

ولا تغرد الإمارات وحدها في هذا المضمار، بل تزاحمها قطر، التي تفوقت في هذا المجال، وأصبحت تملك عدة مدن عمالية بالفعل، تم إنشاؤها بهدف توفير السكن اللائق للعمال، وفق مواصفات دولية، وأخرجتهم تدريجيًا من المناطق العشوائية المخالفة، إلى سكن منظم، يضم جميع التجهيزات والخدمات التي يحتاجون إليها.

تضمن التصميم القطري للعمالة، فناء خاصًا لكل منزل، يتيح للسكان فيه، الاستمتاع بمكان في الهواء الطلق، مع الحفاظ على خصوصيتهم في الوقت نفسه

وحسب مواصفات آخر مدنية عمالية، تم بناؤها في قطر قبل عامين، يضم المنزل السكني للعمال «العزاب» بيتا سكنيا، بسعة 8 غرف، و8 حمامات، ومطبخًا للبيت الواحد، بالإضافة إلى محلات تجارية، ومساجد، ومحطة كهرباء فرعية، وطرق داخلية، وشبكات لمياه الشرب، والحريق، والري، والصرف الصحي.

تضمن التصميم القطري للعمالة، فناء خاصًا لكل منزل، يتيح للسكان فيه، الاستمتاع بمكان في الهواء الطلق، مع الحفاظ على خصوصيتهم في الوقت نفسه، كما تميز تصميم المشروع بمراعاة الجوانب البيئية والاجتماعية، على طراز البيوت العربية التقليدية والتي تتناسب مع الظروف البيئية المحيطة.

وجاءت هذه المكتسبات من وراء سن قانون مواصفات السكن، الذي سعى لحل مشكلة السكن غير المناسب للعمال بشكل صارم، الأمر الذي ساهم في منع مظاهر الفساد، والتجاوزات الكبيرة التي كانت تحدث، بسبب سعي بعض المواطنين القطريين لوضع أيديهم على أراضي الدولة، بحجة تحويلها إلى سكن للعمال، ومن ثم السيطرة عليها فيما بعد.

الابتكار في حل أزمات العمال، كسبت منها قطر على جميع الأصعدة، من ناحية طورت من ملف العمالة، الذي كان يتسبب لها في أزمات حقوقية دولية، ومن ناحية آخرى، استفادت من المزارع التي جرى إخلاؤها من العمال القاطنين بها، وجرى استصلاحها واستعمالها في الإنتاج الزراعي، وساهمت بالفعل في برنامج الدولة لتحقيق الأمن الغذائي، وزيادة الثروة الحيوانية، وبالتالي حل أزمات من هذا النوع، يتوقف على إخلاص النوايا، والقدرة على التفكير والابتكار، والإخلاص بدرجة أكبر للقيم الإنسانية!