عزيزي القارئ.. غالبًا ما تُواجَه الأفكار الجديدة الخارجة عن المتداول والمألوف بردة فعل سلبية، لذلك، قبل أن تبدأ بالاعتراض على ما سيأتي، أرجو منك التخلص مما رسخ في ذهنك من مفاهيم وقناعات تتعلق بالأنظمة الانتخابية، واسمح لي أن أبحث أمامك، بما أستطيعه من موضوعية وبناءً على معايير أحددها بالتدريج، عن نظام انتخابي يتلاءم مع بُعدي لبنان المناطقي والطائفي ويحد من خطر الوقوع في أزماتٍ متكررة.

في حال كان هدفك تقوية الفئة التي تنتمي إليها على حساب الفئات الأخرى أو كان ما يهمك فقط مصالحك الذاتية، فلا داعٍ لمتابعة القراءة لأن هذا المقال لن يفي بغرضك. من جهة أخرى، لا تنتظر أن تجد في الأسطر التالية أكثر من طرح مبادئ عامة واستنتاجاتٍ أولية أملًا بتدعيمها لاحقًا بتفاصيل تقنية وتنظيمية، واعذرني إن لم أستعمل المصطلحات والتعابير القانونية الدقيقة، فذلك ليس من اختصاصي وهمي ينحصر في إظهار الأفكار واضحة لتصل سهلةً إلى عامة الناس، بهذا الهدف جعلت النص متسلسلًا بصورة أسئلة وأجوبة والسؤال البديهي الأول هو التالي:

لماذا البحث عن نظام انتخابي جديد؟

الجواب أيضًا بديهي، فالصيغ التي اتبعت في لبنان منذ نشأته حتى اليوم أنتجت دولة ضعيفة غير قادرة على الصمود أمام التجاذبات الفئوية والخارجية، فتكررت الأزمات والحروب كما عمت الفوضى مختلف مؤسسات الدولة وإداراتها، وصيغة الطائف ليست أفضل مما سبقها بل على الأرجح هي الأسوأ، فبعد أن انكفأت السيطرة السورية واستعادت الطبقة السياسية حرية أعمالها، دخلت البلاد مرة جديدة في أزمات كبرى استعصى على اتفاق الطائف تجنبها أو حلها.

ومن الخطأ أن يكون المعيار الذي على أساسه يفضل نظام انتخابي على آخر هو مدى تقبله من الأطراف السياسيين، فهؤلاء استحوذوا على موقعهم من خلال النظام الحاليّ وغالبيتهم سيعارضون أي نظام يهدد هذا الموقع، والأنظمة لا توضع نزولًا عند رغبات الأقوياء ولظروفٍ آنية، إذ إنها ستتحول إلى نزاعات جديدة عند تغير هذه المعطيات.

إن الأنظمة الصحيحة هي التي ترتكز فقط على المصلحة العامة وتتكيف مع مختلف الظروف، فالخروج من الأزمات التي نتخبط فيها منذ زمن بعيد وإمكانية الانتقال إلى حالة أكثر استقرارًا هي الاتجاه الصحيح الذي يجب أن نبحث عنه.

أين تكمن العلة في لبنان؟

لكي تتمكن الدولة من فرض القانون وبسط العدالة دون تمييز بين المواطنين ودون الخضوع لأصحاب المصالح الخاصة والفئوية لا بد لها من أن تكون بمؤسساتها لا بأشخاصها، أقوى من جميع الأفراد والفئات، وجوهر المشكلة في لبنان وجود زعامات طائفية أو مناطقية أو مالية أقوى من الدولة، ومن هذه العلة الأم تولدت العيوب الأساسية التالية:

  1. أن الدولة رهينة الزعماء الفئويين لأنها ﺇن لم تستجب لرغبات أحدهم فباستطاعته ﺇثارة المشاكل أمامها وشل عملها وحتى ﺇسقاطها عن طريق تحريك شريحة واسعة من المجتمع تتقيد تلقائيًا بتعليماته، ليس دائمًا عن اقتناعٍ بموقفه، بل غالبًا بفعل نزعة الانتماء الفئوي أو بتحريضٍ إعلامي.
  2. بعض القوانين تصاغ أو تعدل وفقًا لمصالح الزعامات والطوائف وقد تكون بعيدة كل البُعد عن مصلحة الوطن والمواطن، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك: القوانين الانتخابية المفصلة على قياس الزعماء ومشاريع الخصخصة والأملاك البحرية والتنظيم المدني ووسائل الإعلام.
  3. القضاء يتعطل عندما تتعارض أحكامه مع مآرب الطبقة السياسية العليا مما يجعل عدالته كيفية تحمي النافذ والتابع مما يدان به غيرهما.
  4. الإدارات العامة أصبحت مترهلة ويشوبها الفساد نتيجة تقاسمها بين الزعامات وبفعل التعيينات الوظيفية المبنية على التبعية الحزبية أو الطائفية على حساب الجدارة والنزاهة.
  5. القوى الأمنية ضعيفة لا تجرؤ على مواجهة الأقوياء وأزلامهم تجنبًا لتفاقم الأوضاع مما يجعلها مائعة تعمل بالتراضي عوضًا عن أن تكون الأداة القاطعة للعدالة، تردع المخالفين وتفرض القانون على الجميع دون تمييز.

وإليك ما هو أخطر من كل هذا؛ طالما أن السلطة الفعلية بيد الزعماء الفئويين، فمن الطبيعي أن تبني الأطراف الخارجية علاقاتها السياسية مع هؤلاء الزعماء تاركة للدولة دورًا هامشيًا يتعلق فقط بالأمور البروتوكولية أو التي يسهل التوافق عليها. من هنا، يصبح لكل زعيمٍ حليفه الخارجي وعوضًا عن أن يكون للبنان سياسة خارجية واحدة، يتكون ضمنه عدة سياسات خارجية تتنوع تبعًا لقناعات أو مصالح كل زعيم.

ومن خلال هذه التحالفات تتمكن القوى الخارجية من التدخل في الشؤون الداخلية بدءًا من اختيار الرؤساء حتى التزام المشاريع، وعندما تتعارض سياسات أو مآرب الفرقاء، في الخارج أو الداخل، يلجأ كل منهم إلى حلفائه سعيًا لفرض مشيئته أو لحماية موقعه مما يؤدي غالبًا إلى اشتعالٍ داخلي يوقد من الخارج. هنا يكمن السبب الفعلي للأزمات والحروب الأهلية التي وقعت في لبنان منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى اليوم وسنبقى في هذه الدوامة طالما بقيت نفس المسببات.

يجدر هنا التأكيد أن الملامة لا تقع على الزعماء كأشخاص بل على الدور التي منحته لهم التركيبة السياسية المبنية على تقاسم السلطة بين الفئات، مما وضع كل زعيم في موقع المدافع عن حقوق فئته بوجه الفئات الأخرى وهذا بحد ذاته عاملًا تصادميًا يهدد بصورة مستمرة السلم الأهلي ويضع اهتمامات المسؤولين بالمصلحة الوطنية العامة في مرتبة أدنى من اهتماماتهم الفئوية، ولا ثبات بما سمي بالديمقراطية التوافقية لأن التوافق في ظل هذا التقاسم الفئوي ما يلبث أن يتحول تخاصمًا كلما تعارضت المصالح واشتدت التجاذبات مما يشل عمل الدولة ويهدد أمنها.

طالما بقي هذا الواقع متجزرًا في نفوس اللبنانيين، فالعلمانية التي يتكلمون عنها لا تمنع استغلال العصبيات الفئوية ولن تكون إلا شكلية لأن كل طائفة ستظل تمنح أصواتها لمن هم منها، فتهيمن الطائفة الأكبر على الأصغر

كيف نتخلص من النزعة الفئوية؟

نزعة الانتماء إلى عرق أو قومية أو طائفة أو عشيرة لازمت عامة الناس عبر العصور ولا تزل قوية في شتى أنحاء العالم، وحتى في أرقى المجتمعات وأعرقها ديمقراطية تظهر هذه النزعة جلية كلما استثارتها ظروف أو أغراض معينة، وما نراه من عصبية طائفية أو مناطقية عند اللبنانيين ليس استثناءً ولا دلالة تخلف، بل نتيجة طبيعية لقانون اجتماعي عام سمحت التركيبة السياسية باستغلاله، فالتفت كل فئة حول من جعلته رمزًا لها، ليس بالضرورة اقتناعًا بطروحاته ومبادئه، بل لأنها اعتبرت ربحها من ربحه وخسارتها من خسارته، تمامًا كما يتصرف جمهور فريق رياضي، على هذا الأساس أصبح بإمكان الزعيم الرمز تحريك تابعيه بالشكل الذي يرتئيه، متى أراد وكيفما تبدلت مواقفه.

وطالما بقي هذا الواقع متجزرًا في نفوس اللبنانيين، فالعلمانية التي يتكلمون عنها لا تمنع استغلال العصبيات الفئوية ولن تكون إلا شكلية لأن كل طائفة ستظل تمنح أصواتها لمن هم منها، فتهيمن الطائفة الأكبر على الأصغر وسنجد أنفسنا في وضع أسوأ مما نحن فيه، ومن يعتقد أن الإصلاح يبدأ باستئصال نزعة الانتماء من النفوس عن طريق التربية والإعلام وما شابه فعليه الانتظار أجيالًا طويلة لأنه من الصعب جدًا، إن لم نقل من المستحيل، تعديل الطبيعة البشرية، كل ما نستطيعه عوضًا عن ذلك هو وضع نظام انتخابي جديد يضعف تأثير هذه النزعة على الحياة السياسية وذلك بتحقيق الشرطين التاليين:

  1. تحجيم الزعامات الفئوية.
  2. الحد من استغلال العصبيات.

من الصحيح أن شراء الأصوات أسهل في الدوائر الصغرى منه في النظام النسبي ولكن، في الدوائر الكبرى، قد لا يتم قبول بعض المرشحين على لائحة الأقوياء إلا مقابل مبلغ من المال يكون عمليًا بدل شراء بالجملة للأصوات من اللائحة

كيف نحجم الزعامات الطائفية؟

عن طريق تفكيك كل زعامة فئوية لعدة زعامات صغيرة تتنافس ضمن فئتها، وهذا يتم إذا فككت الدوائر الانتخابية إلى مناطق صغيرة تتمثل كل منها بنائب واحد بحيث لا يجبر المرشح على الالتحاق والخضوع لمشيئة الزعيم الأقوى لتأمين نجاحه، لأن شعبيته في منطقته قد تتفوق على نفوذ أي زعيم من خارج هذه المنطقة، عندها تلغى عملية ما يسمى "البوسطة" أو "المحدلة" ويفسح المجال لبروز أكثر من زعامة واحدة ضمن كل فئة مما يحجم تدريجيًا الزعامات الفئوية الكبرى.

تجدر الإشارة، كما سيتبين لاحقًا، إلى أننا لا نتكلم هنا عن دائرة فردية بل عن منطقة انتخابية ضمن دائرة صغيرة، وكما هو معلوم، فإن تمثيل الأفراد يكون أصح في الدائرة الصغيرة، إذ يسهل اتصال المرشح بالناخبين، فيتم اختياره بعد درايةٍ بسيرته وخصاله.

طبعًا لا معنى لتطبيق النظام النسبي على الدوائر الصغرى، وفي النظام الذي يستوجب دوائر واسعة، سنجد، كما في النظام الحاليّ، لوائح تابعة لزعماء الفئات، يختار منها الناخب لائحة زعيمه دون اعتبار لما تحتويه من أعضاء مما يؤدي إلى قلة من النواب القادة الفئويين الأقوياء وجمهرة من النواب التابعين، تمامًا كما نحن عليه الآن، وكلما اتسعت الدوائر، ازدادت قوة الزعماء الكبار وضعفت أمامهم الدولة.

من الصحيح أن شراء الأصوات أسهل في الدوائر الصغرى منه في النظام النسبي ولكن، في الدوائر الكبرى، قد لا يتم قبول بعض المرشحين على لائحة الأقوياء إلا مقابل مبلغ من المال يكون عمليًا بدل شراء بالجملة للأصوات من اللائحة، فلا حل لهذه الآفة إلا بإلزامية الاقتراع السري والتشدد بمعاقبة مرتكبيها.

كيف نحد من استغلال العصبية الفئوية؟

عن طريق جعل هذا الاستغلال ينعكس سلبًا على أصحابه، وهذا يتم عندما يكون المرشح بحاجة لأصوات من هم من غير فئته الطائفية أو المناطقية لتأمين نجاحه، أي عندما تحتوي الدائرة على أكثر من فئة بنسبٍ كافية لمنع المرشح من الفوز في حال استمال فئته بمواقف أو تصرفات مناهضة للفئات الأخرى.

كيف إذًا التوفيق بين الدائرة الصغرى والدائرة المختلطة؟

نظرًا للتوزيع الديموغرافي للطوائف في لبنان، فمن غير الممكن تحديد دوائر انتخابية صغيرة تحتوي كل منها على أكثر من طائفة بنسب متوازنة في حال أصرينا على أن تكون الدائرة بقعةً جغرافية متصلة الأجزاء، ولكن هذا التصور للدائرة ليس ما يبرره إلا أننا فقط اعتمدناه تاريخيًا نقلًا عن بلدان أخرى، وبالحقيقة لا يوجد أي مانع موضوعي من جعل الدائرة مكونة من منطقتين متباعدتين جغرافيًا تتمثل كلٌ منها بنائب واحد. عندها يصبح بالإمكان تكوين دوائر صغيرة وبنفس الوقت مختلطة ومتوازنة طائفيًا ومناطقيًا، ومثالًا على ذلك، قد تتألف دائرة من بعض أحياء بيروت وبعض قرى قضاء بعلبك وقد تتألف دائرة أخرى من ساحل المتن وبعض قرى الشوف وهكذا.

في حال أبقينا على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، سيكون هناك احتمال على اثنين أن تتبع منطقة انتخابية لدائرة مختلطة، أي مؤلفة من منطقة بأكثرية مسيحية وأخرى بأكثرية مسلمة

أما تؤدي الدوائر الصغرى إلى سياسات محلية ضيقة؟

لتجنب ذلك وبما أن على النائب الاهتمام بمصلحة المجتمع ككل علاوةً على اهتمامه بمنطقته، فمن الطبيعي أن يخضع يوم الانتخابات للمحاسبة من أي منطقة لبنانية وليس فقط من تلك التي انتخبته في المرة السابقة، لكن ذلك يتطلب منا أيضًا قبول ما لم نألفه وهو تغيير تركيبة الدوائر بالقرعة قبل كل دورة انتخابية. لنفترض مثلًا أنه في آخر دورة، كانت المنطقة "أ" تؤلف دائرة مع المنطقة "ب"، فالقرعة في الدورة اللاحقة قد تضع "أ" مع "ج" عوضًا عن "ب".

لا داعٍ هنا للاستغراب، فعدى تأثير العادة على تفكيرنا وثقافة التشبه بالآخرين، ليس هناك من موجبات عقلانية تمنعنا من هذا التغيير الدوري، بل بالعكس، إن دينامية الدوائر وعدم معرفتها مسبقًا ستفرض على من يريد الاحتفاظ بمركزه في البرلمان أو على من يطمح لهذا المركز اعتماد سياسة تتوافق مع كل الفئات وسيكون من مصلحته الانخراط في تحالفاتٍ عابرة للمناطق والطوائف ومن هذه التحالفات قد تتكون أحزاب وطنية حقة بعيدة عن الفئوية والانعزال.

إلى أي مدى تؤمن هذه القرعة دوائر مختلطة؟

في حال أبقينا على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، سيكون هناك احتمال على اثنين أن تتبع منطقة انتخابية لدائرة مختلطة، أي مؤلفة من منطقة بأكثرية مسيحية وأخرى بأكثرية مسلمة، بمعنى آخر، سيكون معدل عدد الدوائر المختلطة نصف عدد مجمل الدوائر مما يحمل المرشح على التحالف مع أبناء دينه كما مع أبناء الدين الآخر.

تحافظ القرعة النسبية على الحق السياسي لكل طائفة حتى ولو كانت موزعة على عدة مناطق

أما تؤدي الدوائر المختلطة إلى تمثيلٍ مغلوط للمناطق؟

من غير المقبول أن تتمثل منطقة انتخابية بشخص ليس له فيها حد أدنى من التأييد، فمثلًا، إذا كانت الدائرة مؤلفة من منطقتين "أ" و"ب"، لا يجوز أن تتمثل "أ" بنائبٍ نال من أصواتها 1% ونال 100% من أصوات "ب"، لذلك، يكون تمثيل المناطق أصح إذا عد راسبًا من ينال في منطقته أقل من نصف أصوات من نال الأكثرية في هذه المنطقة. بناءً على هذا الشرط، يفوز تلقائيًا من ينال أكثر من ثلثي أصوات منطقته حتى إن لم ينل أكثرية الأصوات في الدائرة.

ماذا عن مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين؟

بما أن جميع الأفرقاء يقبلون في الوقت الحاضر بالمناصفة، يصح القول إن هذه المعادلة هي صورة عن التوازنات الحاليّة بين مختلف القوى، ومن الخطأ تجاهل هذا التوازن، ولكن، من جهة أخرى، كل اتفاق يبنى على أسس ظرفية قد يتحول إلى تباين ونزاعٍ خطر عندما تتغير هذه الظروف، وعلينا ألا ننسى أن صيغة توزيع المناصب على الطوائف التي اتفق عليها عند الاستقلال، كانت سببًا أساسيًا لحروب 75-90.

لذلك، سعيًا لاستقرارٍ بعيد الأمد، لا بد من الانطلاق من صيغة تقترب من المناصفة على أن تتماشى مع التغيرات المقبلة بطريقة بطيئة ولكنها مستمرة وعادلة، لهذا الغرض، عوضًا عن المناصفة في المقاعد النيابية بين المسلمين والمسيحيين، يمكننا الانطلاق من اعتماد المناصفة بين المناطق الانتخابية بحيث تكون الأكثرية مسيحية في نصف هذه المناطق وتكون مسلمة في نصفها الآخر على أن تبقى هذه المناطق ثابتًا بصورة نهائية مهما تغيرت تركيبتها الطائفية.

ولكي نحد من سرعة التغير الديموغرافي في المناطق وتجنب الألاعيب الانتخابية بنقل الأصوات من منطقة إلى أخرى يجب ألا يسمح للمواطن بنقل نفوذه إلى منطقة جديدة إلا بعد إقامته فيها بصورة مستمرة مدة لا تقل عن ثلاث دورات انتخابية.

 ثم، منعًا للاستغلال الطائفي ضمن المنطقة الانتخابية، من الصواب أن يتنافس على مقعد هذه المنطقة مرشحون منتمون إلى نفس الطائفة، لذلك، قبل كل دورة انتخابية، يتم اختيار طائفة النائب عن كل منطقة بواسطة "القرعة النسبية" أي بسحب اسم بالقرعة من لائحة شطب المنطقة لكي تكون طائفة نائبها العتيد من طائفة صاحب الاسم المسحوب.

هذه الطريقة تجعل احتمال اختيار طائفة معينة يتناسب مع عدد ناخبيها في المنطقة، توضيحًا لذلك، لنفترض أن منطقة ما تحتوي على 5000 ناخب من الطائفة "ط1" و3000 من الطائفة "ط2" و2000 من الأقليات، فبناءً على القرعة النسبية، يكون نائب هذه المنطقة من الطائفة "ط1" بمعدل خمس دورات على عشرة ومن الطائفة "ط2" بمعدل ثلاث دورات على عشرة ومن الأقليات بمعدل دورتين على عشرة، علمًا أن هذه الاحتمالات قد تتغير مع تغير نسب الطوائف في المنطقة، خلافًا للأنظمة التي اتبعت حتى الآن، إن هذه الطريقة تفسح المجال لأي مواطن بتمثيل منطقته أيًا كانت طائفته.

من جهة أخرى، تحافظ القرعة النسبية على الحق السياسي لكل طائفة حتى ولو كانت موزعة على عدة مناطق، لنفترض، على سبيل المثال، أن في خمس مناطق، 20% من الناخبين في كلٍ من هذه المناطق هم من طائفة "ط"، فبالمعدل ستتمثل إحدى هذه المناطق بنائب من "ط".

يكفي أن تتغير قليلًا نسبة الأصوات في أي من المنطقتين أو في كليهما لكي تكون النتيجة (الفوز أو الرسوب) هي نفسها في حال اختلف حجم المنطقتين أو لم يختلف

علاوة على تماشيها مع المتغيرات الديموغرافية انطلاقًا مما يقترب من اتفاق المناصفة الحاليّ والمحافظة بشكل مستمر على حقوق كل الفئات، إن هذه الطريقة تنقل التوزيع الطائفي من مستوى مجلس النواب إلى عملية قرعة، جوهرها طبعًا طائفي ولكنها تطبق بنفس النحو على جميع المناطق مما يجعل التفرقة بين الطوائف أقل بروزًا. أضف إلى ذلك أن القرعة النسبية ستسمح بالتجديد الدوري للطبقة السياسية وستزيد بصورة ملموسة عدد المهتمين بالشأن العام.

ماذا لو كان حجم منطقتي الدائرة مختلفًا؟

بناءً على مبدأ المناصفة وبما أن عدد المسلمين في لبنان حاليًّا أكبر من عدد المسيحيين، سيكون عدد الناخبين في المناطق الإسلامية أكبر من عددهم في المناطق المسيحية، ومن الطبيعي أن تكون المنطقة الأكبر أكثر تأثيرًا على نتيجة الانتخابات من المنطقة الأصغر.

لنتبين مدى هذا التأثير، دعنا نفترض أن دائرة ما مكونة من منطقتين 1 و2  تحتوي الأولى على 40% والثانية على 60% من ناخبي الدائرة ويتنافس مرشحان على مقعد المنطقة 1، في حال حصل أحدهما على 35% من أصوات منطقته و61% من أصوات المنطقة الأخرى تكون نسبة أصواته في الدائرة:

         ويفوز.0.35(40) + 0.61(60) = 50.6%   

بينما لو كانت المنطقتين بنفس الحجم لكانت هذه النسبة:

   0.35(50) + 0.61(50) = 48%  ويرسب.               

ولكن يكفي أن تتغير قليلًا نسبة الأصوات في أي من المنطقتين أو في كليهما لكي تكون النتيجة (الفوز أو الرسوب) هي نفسها في حال اختلف حجم المنطقتين أو لم يختلف.

طبعًا يمكننا إلغاء هذا التأثير بجمع النسبة المئوية في المنطقة الأولى مع النسبة المئوية في المنطقة الثانية عوضًا عن جمع أصواتهما، غير أن ما يكسبه المسلمون من زيادة في الثقل الانتخابي لمناطقهم يمكن اعتباره تعويضًا، ولو طفيفًا، عن إجحاف المناصفة بحقهم، إذ إن معدل عدد نوابهم لا يتناسب مع حجمهم الدميوغرافي. 

 بناءً على لوائح الشطب، يحتسب في كل منطقة انتخابية عدد الناخبين من كل طائفة وتعتبر من ضمن الأقليات كل طائفة يقل عدد ناخبيها عن 10% من مجمل ناخبي المنطقة

باختصار، كيف تتم انتخابات القرعة النيابية؟

أولًا: تحدد المناطق الانتخابية تمامًا كما لو اتبع نظام الدائرة الفردية، فمثلًا يمكن تجزئة كل قضاء إلى مناطق انتخابية يساوي عددها العدد الحاليّ لنواب القضاء، ومن المستحسن أن تراعى قدر الإمكان المساواة بين عدد المناطق ذات أكثرية من طائفة معينة مع العدد الحاليّ لنواب القضاء من هذه الطائفة، غير أن هذا التدبير ليس إلزاميًا لأن القرعة النسبية تحفظ حق كل طائفة حتى لو توزعت على عدة مناطق كما بينا أعلاه، بعد الموافقة عليها في مجلس النواب تثبت هذه المناطق بصورة نهائية لتعتمد في كل دورة انتخابية.

ثانيًا: قبل سنة من موعد الانتخابات، تجرى القرعة في مجلس النواب لتحديد الدوائر بحيث تتألف كل دائرة من منطقتين انتخابيتين، وهذا لا يتطلب أكثر من ثوانٍ في حال تمت هذه القرعة بواسطة الكمبيوتر.

ثالثًا: بناءً على لوائح الشطب، يحتسب في كل منطقة انتخابية عدد الناخبين من كل طائفة وتعتبر من ضمن الأقليات كل طائفة يقل عدد ناخبيها عن 10% من مجمل ناخبي المنطقة، وتشكل هذه الأقليات مجتمعةً طائفة أخرى في المنطقة شرط أن يتجاوز عدد ناخبيها نسبة الـ10% لكي تزيد إمكانية وجود مرشحين من هذه الفئة يتمتعون بالكفاءة اللازمة لتمثيل المنطقة.

رابعًا: قبل ستة أشهر من موعد الانتخابات، تجرى القرعة في مجلس النواب لتحديد طائفة النائب عن كل منطقة انتخابية، هنا أيضًا، لا تتطلب هذه القرعة أكثر من ثوانٍ إذا تمت بواسطة كمبيوتر بعد تزويده بالمعطيات الواردة في "ثالثًا".

خامسًا: تجرى الانتخابات في كل الدوائر في نفس اليوم وعلى الناخب أن يختار إلزاميًا مرشحًا عن كلٍ من منطقتي دائرته ويعتبر فائزًا بالمقعد النيابي عن منطقة معينة من ينال من أصوات هذه المنطقة أكثر من نصف أصوات من حصل فيها على الأكثرية، وينال أكثرية الأصوات في الدائرة (أي في المنطقتين معًا) بين مرشحي منطقته المستوفين الشرط السابق، أو من ينال في منطقته أكثر من ضعف أصوات أي مرشح آخر في هذه المنطقة.

صورة

ماذا عن تحديد طوائف الرئاسات الثلاثة؟

إن حصر كل رئاسة بطائفة معينة يولد تلقائيًا تفرقة بين اللبنانيين من حيث دورهم السياسي والاجتماعي مما يؤدي إلى تمسك بعض الطوائف بمكتسباتها وشعور الطوائف الأخرى بالغبن أو الحرمان، فالمساواة بين المواطنين تقضي بأن يتاح أي منصب رئاسي لأي مواطن ولكن، منعًا للمشادات الطائفية، يجب أن يتنافس على نفس المنصب أشخاص من نفس الطائفة. تحقيقًا لذلك وقبل ستة أشهر من موعد انتخابات رئاسة الجمهورية، تحدد طوائف الرئاسات الثلاثة للعهد القادم على النحو التالي:

أولًا: يوزع مجلس النواب إلى ثلاث مجموعات

المجموعة 1 تضم كل السنة مع الدروز.

المجموعة 2 تضم كل الشيعة مع العلويين.

المجموعة 3 تضم كل المسيحيين.

ثانيًا: يسحب بالقرعة اسم من أسماء أعضاء مجلس النواب بكامله لتكون طائفة رئيس الجمهورية العتيد من طائفة الاسم المسحوب وتلغى أسماء مجموعته من أسماء المجلس.

ثالثًا: يسحب بالقرعة اسم من الأسماء المتبقية من أعضاء المجلس لتكون طائفة رئيس مجلس النواب العتيد من طائفة الاسم المسحوب وتلغى أسماء مجموعته من أسماء من تمت عليهم القرعة الثانية.

رابعًا: يسحب بالقرعة اسم من الأسماء المتبقية من أعضاء المجلس لتكون طائفة رئيس مجلس الوزراء العتيد من طائفة الاسم المسحوب.

بهذه الطريقة، إذا كان عدد نواب المجلس من الطائفة "ط" هو بنسبة "ن%" فاحتمال أن تكون "ط" طائفة إحدى الرئاسات الثلاثة يساوي "ن%".

إن انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب يمنحه القوة الشرعية لفرض القانون على الجميع كما تجعله من جهة أخرى المسؤول الأول عن نجاح السلطة أو فشلها

أي النظامين أفضل: البرلماني أم الرئاسي؟

يفضل النظام الرئاسي للأسباب التالية:

  1. للفصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، من المنطقي أن ينتخب رئيس الجمهورية وتتألف الوزارة بمعزل عن مجلس النواب.
  2. تكون السلطة التنفيذية أكثر فعالية إذا تحررت من تناقض شروط النواب عند تأليفها وتكونت من أشخاص منسجمين سياسيًا ولهم منهج عمل موحد.
  3. في النظام البرلماني تتعارض السلطة التشريعية مع نفسها عندما تحاسب السلطة التنفيذية بعد أن تكون هي التي انتخبت رئيس الجمهورية وسمت رئيس الوزراء.
  4. إن انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب يمنحه القوة الشرعية لفرض القانون على الجميع كما تجعله من جهة أخرى المسؤول الأول عن نجاح السلطة أو فشلها.

كيف يُنتخب رئيس الجمهورية؟

أولًا: كما ورد سابقًا، تحدد بالقرعة طائفة كلٍ من الرئاسات الثلاثة قبل ستة أشهر من موعد انتخابات رئاسة الجمهورية.

ثانيًا: يحق لأي مواطن من طائفة رئاسة الجمهورية يزيد عمره على 35 سنة أن يترشح لهذه الانتخابات.

ثالثًا: تجرى المرحلة الأولى للانتخابات في جميع المناطق الانتخابية في نفس اليوم وتحسب لكل مرشح النسبة المئوية للأصوات التي نالها في كل منطقة.

رابعًا: تجمع النسب المئوية التي حصل عليها المرشح في المناطق وينتقل إلى المرحلة الثانية للانتخابات فقط المرشحان اللذان نالا أكبر هذه النسب.

خامسًا: يفوز برئاسة الجمهورية من نال في المرحلة الثانية أكبر حاصل لجمع النسب المئوية في المناطق.

عزيزي القارئ.. غالبًا ما تُواجَه الأفكار الجديدة الخارجة عن المتداول والمألوف بردة فعل سلبية، لذلك، قبل أن تبدأ بالاعتراض على ما سيأتي، أرجو منك التخلص مما رسخ في ذهنك من مفاهيم وقناعات تتعلق بالأنظمة الانتخابية، واسمح لي أن أبحث أمامك، بما أستطيعه من موضوعية وبناءً على معايير أحددها بالتدريج، عن نظام انتخابي يتلاءم مع بُعدي لبنان المناطقي والطائفي ويحد من خطر الوقوع في أزماتٍ متكررة.

وعودًا على بدء، كثيرًا ما تواجه المبادرات الآتية من خارج الصندوق تعنتًا وممانعة وصعوبة في التقبّل من طيف واسع من الجمهور والنخب، لكن ألا تستحق التجربة  اللبنانية -التي تشهد أول انتفاضة مستقلة عن الأحزاب والفئويات- أن يعاد النظر في نظام حكمها الطائفي وما يرسخ بقاءه رغم أنه هو ذاته ما يبقي البلاد في حالة من المراوحة والتراجع؟