الضغوط السياسية والاقتصادية وراء تصاعد الاحتجاجات في لبنان

نزيه عون وناجي الفليطي وداني أبي حيدر وأنطونيو طنوس.. أربعة لبنانيين قرروا أن ينهوا حياتهم فجأة وبدون مقدمات، كل اختار لنفسه طريقة مختلفة لإسدال الستار على أخر فصول العمر دون أي يقدم تفسيرًا مباشرًا وموثقًا لماذا رحل ولماذا كان الموت الطريق الأيسر للهروب مما هرب منه.

أربع حالات انتحار في الأيام الخمس الأولى من ديسمبر/كانون الأول الحالي أثارت حفيظة الشارع اللبناني الذي انتفض عن بكرة أبيه باحثًا عن الدوافع الحقيقية وراءها خشية أن تتحول مع مرور الوقت إلى ظاهرة تهدد أمن واستقرار المجتمع الذي ظل لسنوات طويلة مضت قبلة للباحثين عن الترابط المجتمعي والسعادة والاستقرار النفسي.

الأول البالغ من العمر 56 عامًا والمقيم في بلدة تبنين الجنوبية، قرر فجأة إنهاء حياته بسبب عدم وجود عمل فلم يعد يتحمل البطالة وألمها وفق المعلومات المتوفرة، فيما هزت جريمة الثاني الشارع اللبناني، بعد عدم قدرته على توفير 1000 ليرة لبنانية لابنته، وتراكم ديون بقيمة 700 ألف ليرة عليه، وعدم قدرته على تأمين العلاج اللازم لزوجته المصابة بالسرطان.

أما أبي حيدر فأطلق النار على نفسه بسبب طرده من عمله وسوء الأوضاع المعيشية وتراكم بعض الديون عليه، والتي تزامنت في اليوم ذاته مع حادثة طنوس الذي أطلق النار على نفسه كذلك من سلاح ميري وإن لم تنته التحقيقات بعد، الحادثتان يعودان بالذاكرة إلى جورج زريق، الذي أشعل نفسه قبل عام في باحة المدرسة، لأنه لم يتمكن من دفع أقساط أولاده.

تتزامن حالات الانتحار تلك مع الأزمة التي يعيشها الشعب اللبناني على مختلف المستويات، منذ عدة أشهر، والتي أطاحت بحكومة سعد الحريري، وهو ما يجعل حصرها تحت عنوان "الأوضاع المعيشية الصعبة" انتقاصًا من الحقيقة التي فتحت الباب على مصراعيه أمام حزمة من الدوافع المختلفة من الممكن أن تكون وراء تفشي هذه الظاهرة.

محاولة كل 6 ساعات

تتصاعد معدلات الانتحار في لبنان بطريقة مخيفة لدى الكثير من المتابعين، حيث شهدت الـ 15 عامًا الأخيرة على وجه التحديد زيادة في تلك الجرائم لم تشهدها البلاد قبل ذلك، حيث ارتفع عدد حالات الانتحار سنوياً من 2004 إلى2007 بلغ 60 حالة، في حين ارتفع الى 103 حالات في 2008 وتابع الارتفاع فوصل إلى 111 حالة في 2013.

أما  في 2016 فقد بلغت حالات الانتحار  128 حالة، زادت إلى  143 في 2017، 155 حالة في 2018، وحتى سبتمبر 2019 بلغ 105 حالات وفي بضعة أيام من كانون الأول/ ديسمبر 4 حالات، ولا تزال القائمة مستمرة وفق ما ذهب رئيس "مركز الدولية للمعلومات” جواد عدرا .

نحو 10 بالمئة ممن حاولوا الانتحار لم يتخطّوا سن الـ18 سنة، وأن 58 في المئة تراوحت أعمارهم بين 18 و34 سنة.

وتحتل لبنان المرتبة 160 من 183 دولة في ترتيب الدول بالنسبة لمعدل الانتحار، حيث جاءت ليتوانيا في المرتبة الأولى تليها روسيا، فيما تأتي اليابان في المرتبة 14، ويقول الاختصاصيون أن هذا المعدل يعد عاليًا نسبيًا رغم أنه أقل من معدلات الدول الغربية، غير أن الأزمة تتمحور حول زيادة معدلات تلك الجرائم في السنوات الأخيرة.

إحصائيات عدة تذهب إلى أنه من المرجح أن يتزايد العدد خلال الأونة المقبلة خاصة بعدما كشفت بعض الدراسات عن محاولة انتحار كل 6 ساعات، وهو ما دفع العديد من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية المعنية بالصحة النفسية بالتحذير من خطوة تصاعد هذا المنحنى وضرورة العمل على تحجيمه بشتى السبل.

الاضطرابات النفسية

من المؤكد أن المنتحر يريد أن ينهي ألمه الذي فشل في التعامل معه وليس حياته كما يظهر للناس، ومن الواضح أن الأسباب الرئيسة وراء الإقدام على الانتحار في هذه الحالات هي الاضطرابات النفسية التي تتملك من الفرد بسبب مجموعة من الأسباب التي تنغص عليه حياته فتجعل الهروب هو الحل الوحيد أمامه.

السجل الوطني للصحة النفسية اللبنانية كان قدم معلومات من 9 أطباء نفسيين، حول 779 شخصاً يعانون من اضطرابات في الصحة النفسية خلال عامي 2016/2017 وأظهرت العيّنة أن 15 في المئة حاولوا الانتحار 61 في المئة منهم نساء، ونحو 10 بالمئة ممن حاولوا الانتحار لم يتخطّوا سن الـ18 سنة، وأن 58 في المئة تراوحت أعمارهم بين 18 و34 سنة.

وقد أصابت قصة انتحار الأب ناجي الفليطي في الثاني من ديسمبر الجاري الشارع اللبناني بالصدمة، بعد عدم قدرته على تأمين العلاج اللازم لزوجته المصابة بالسرطان، حيث فجرت معها براكين الغضب بسبب الأوضاع المتردية التي آلت إليه الأمور خلال الأعوام الماضية، والتي حولت لبنان من دولة مستقرة نسبيًا إلى بؤرة يقدم سكانها على الانتحار من العوز والحاجة.

"الشعب اللبناني من أكثر شعوب العالم إقبالا على الحياة، حيث تجد كل شارع في بيروت وضواحيها مفعم بالأمل وحب البقاء والتقاط السعادة من نسمات الهواء".. هكذا استهل الطبيب المصري محمد فرج حديثه معلقا على ظاهرة الانتحار التي بدأت تستشري في الشارع اللبناني.

سالم الذي عمل طبيبًا بقسم الصحة النفسية بإحدى مستشفيات بيروت قرابة 5 أعوام أضاف في حديثه لـ "نون بوست" أن التغير الذي طرأ على التركيبة النفسية للشعب اللبناني لم يتجاوز عدة سنوات قليلة مضت، خاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية التي دفعت أغلبية اللبنانيين إلى التخلي عن الكثير من ضرورات الحياة.

وأوضح أن الضغوط المعيشية أصابت الكثيرين بالاضطرابات النفسية العادية لكن مع مرور الوقت تفاقم الوضع لتترجم تلك الاضطرابات إلى سلوكيات عدائية على رأسها اللجوء إلى الانتحار، وهي مرحلة لا يصل إليها الإنسان إلا حين يفوق الألم قدرته على التحمل، فيختار أن ينهيه حتى ولو كان المقابل حياته.

الاقتصاد.. ليس وحده السبب

يعاني الاقتصاد اللبناني من أزمات طاحنة خلال السنوات الماضية، فلم يتجاوز نمو إجمالي الناتج المحلي، بحسب البنك الدولي، 0.2% في عام 2018، فيما ارتفع معدل التضخم في العام نفسه ليبلغ في المتوسط 6.1%، هذا في الوقت الذي تشير فيه تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انخفاض النمو نحو 0.3% في العام الماضي (2018) تأثرًا بانخفاض مستوى الثقة.

أما فيما يتعلق بالوضع المالي فحدث ولا حرج، حيث شهد تدهورًا حادًا خلال العام الماضي واتسع عجز الموازنة العامة ليصل إلى 11.5% من إجمالي الناتج المحلي، وبلغ الدَّيْن العام 085.3 مليار دولار في نهاية يناير/كانون الثاني 2019، ووصل إلى 85.7 مليار دولار في نهاية يونيو/حزيران 2019.

 أما خدمة الدين العام بالنسبة إلى المدفوعات الإجمالية فقد بلغت في مايو/أيار 2019 حوالي 34.3%، وتُقدَّر كلفة خدمة هذا الدين أو ما يعرف بالفوائد حوالي 8312 مليار ليرة لبنانية أي حوالي 5.51 مليارات دولار في قانون موازنة العام 2019، وهو يستنزف حوالي 44.2% من الإيرادات العامة.

حملة أهملية تتألف من 6 أشخاص تعمل على تأمين حاجيات وسلع أساسية لعائلات محتاجة في مناطق مختلفة من لبنان

هذا الوضع المتردي ساهم في اشتعال الشارع الاحتجاجي خلال الأشهر الماضية ضد النظام، وتحت شعار "كلن يعني كلن" خرج عشرات الآلآف من اللبنانيين للميادين الرئيسية، رافعين مطالب إسقاط النظام، ومحاسبة الفاسدين، ورغم المواجهات العنيفة والقاسية من قبل قوات الأمن بشتى أنواعها إلا أن المحتجين أصروا على مواصلة حراكهم حتى كتابة هذه السطور.

الوضعية الاقتصادية رغم تأثيرها القوي إلا أنها ليست السبب الوحيد في تصاعد منحنى الانتحار في البلاد، فالوضع السياسي الراهن وما به من ثغرات وخلل وما نجم عنه من تضييق للأفق وغلق لمنافذ التعبير التي تعتبر متنفسًا أمام الغاضبين، كلها عوامل ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تفاقم هذه الظاهرة.

فقدان المواطن اللبناني الثقة في حكومة بلاده وتأرجح مسار العدالة في محاسبة المقصرين والفاسدين، لعب هو الأخر دورًا مهما في تعميق شعور عدم الرضا والسخط على الحياة برمتها، ، عزز ذلك قضايا الفساد التي استشرت بصورة غير مسبوقة، وهو ما كشف عن بعض أوجهه الرئيس ميشال عون نفسه الذي طالب بفتح ما يقرب من 18 ملف فساد تتضمن ارتكابات مالية وهدراً وتزويراً وتبييض أموال، إضافة إلى صفقات مشبوهة أُوقِفَت، وإهمال في العمل والترويج لأدوية مزورة وعقود مصالحة مشبوهة.

جهود أهلية للتخفيف عن المواطنين

مساعي أهلية لإنقاذ الموقف

في الوقت الذي تقف فيه الدولة مكتوفة الأيدي حيال تفاقم الأزمة التي باتت تمثل شبحًا يطارد اللبنانيين في مضاجعهم، خرجت بعض المنظمات الأهلية رافعة شعار "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" حيث عملت على تخفيف وقع الأزمة وتقديم يد المساعدة للأسر المحتاجة في لبنان تجنبًا لوصولها إلى خيار إنهاء الحياة إذا ما أغلقت أمامها كافة السبل.

حملة أهلية تتألف من 6 أشخاص تعمل على تأمين حاجيات وسلع أساسية لعائلات محتاجة في مناطق مختلفة من لبنان، هكذا قالت إحدى منظمات الحملة، التي فضّلت عدم ذكر اسمها في حديث لـ "بي بي سي عربي" مؤكدة أن غالبية العائلات التي تمّت مساعدتها حتى الآن، لم يطلب أحد من أفرادها تلك المساعدة. واستطاعت المجموعة الوصول إليها عبر "أشخاص قاموا بترك رسائل عن وجود عائلات محتاجة هنا وهناك".

وعبر موقع "غو فاند مي" دشن بعض الأفراد صندوقا لجمع السلع الغذائية من الميسوريين بهدف تجهيزها وإرسالها للأسر المحتاجة، هذا بخلاف التواصل مع لبنانيين مغتربين لجمع تبرعات مالية منهم لمساعدة المتضرّرين من الأوضاع الاقتصادية السيئة داخل لبنان "لعدم قدرة اللبنانيين داخل البلاد على التبرع بالكثير من الأموال".

لم يكن لبنان البلد العربي الوحيد الذي يعاني من هذه المشكلة، فالكثير من المجتمعات العربية تواجه ذات الظاهرة وبنسب أعلى مما يواجهه اللبنانيون، غير أن السمة المشتركة في كافة الدول التي تشهد تصاعد منحنى معدلات الانتحار هي استشراء الفساد السياسي وتدني الوضعية الاقتصادية فضلا عن كبت الحريات وتضييق الأفق، تلك الدوافع التي أسقطت معتقد تحميل الأوضاع المعيشية وحدها مسؤولية هذه الأزمة.