وصلتُ صباح يوم من أيام سبتمبر في 2016 إلى مدينة إدلب، ما جئت إليها سائحًا أو تاجرًا أو لغرضٍ أصيبه، ولكن كنت هائمًا على وجهي، مهجرًا من أرضي بعد حصار طويل فرضته قوات الأسد على مدينتي، داريا، كم كنت مترقبًا طوال الطريق الذي سيوصلنا إلى مدينة الثورة ومعقل المكافحين وأملهم وروحهم، وبالفعل عندما وطأت أقدامنا أرضها ارتاحت النفوس أننا في مدينة يشغلها ما يشغلنا من الثورة والكفاح ضد الأسد وحلفه.

لم يكن ليخف بكائي عند وصولي المدينة إلا عندما ربت على كتفيّ شخص لا أعرفه وقال لي "استهدي بالله إنت وصلت لبلدك وبيتك وأرضك"، وكأن إدلب كلها تواسيني وتواسي الأهل المهجرين، هلمّوا إلى حضن بلدكم الجديد، وبالفعل قضيت في المدينة ما يقارب السنتين، عملت فيها وعشت مع أهلها وتعرفت على تفاصيل الحياة فيها، فأصبحت موئلًا جديدًا يؤسس لحياة جديدة.

اليوم ومن جديد ترزح تلك المنطقة بمدنها وريفها تحت وطأة قصف وتهجير وحصار في مرحلة جديدة تطلّ على الساحة السورية، ولكن مسرحها هو إدلب ومعرة النعمان والقرى المحيطة، يقصف الطيران الروسي المدن والبلدات ليهجر أهلها ومن ثم يتقدّم عسكريًا على البيوت المدمرة والمحروقة وجثث الضحايا من السكان المدنيين والذين هم أصحاب الأرض وأهلها.

 

إدلب أنقذت الجميع

منذ بدأت حملات التهجير الأولى في سوريا كانت مدينة إدلب التي تقع في شمالي سوريا هي الوجهة المحددة التي يذهب إليها المهجرون من مختلف المناطق، ولم تعلم إدلب أنها ستكون حديث الناس ومحور الاهتمام العالمي كونها احتضنت أناسًا من كافة المناطق وبقيت هي البقعة الوحيدة الخارجة عن نطاق سيطرة الأسد، ومما يثير الدهشة أن السوريين أنفسهم لم يكونوا يسمعون باسم هذه المدينة إلا صدفة، إذ أن النظام السوري عمل على جعلها على الهامش في كافة الخدمات، فأصبحت تنادى بـ "المدينة المنسية".

عانت المدينة منذ بداية الثورة السورية كثيرًا، ولم يكن لانتزاعها من تحت سلطة النظام في عام 2015 إلا أن يزيد النظام بطشه وحقده عليها، ومذ ذاك الحين لم تهدأ طائرات النظام بقصفها جيئةً وذهابًا، ولم يكتف الأسد وميلشياته بالقصف بل يحاولون التقدم واقتضام المدن وبغيتهم السيطرة على كل المناطق التي خرجت عن سيطرتهم، واليوم تصل مليشيات النظام وقواته تحت غطاء جوي روسي إلى مشارف مدينة معرة النعمان والتي طالما غنّت للثورة وأفكارها وكانت مركزًا ثقافيًا للثوار جميعهم.

كانت معرة النعمان كما مدينة إدلب، تستقبل المهجرين وتحاول الطبطبة على جراح السوريين كافة، إلا أن قوات الأسد تحاول اليوم جاهدةً انتزاع المدينة من أهلها وتهجرهم في مقاطع يندى لها جبين الإنسانية، وكيف للسوريين أن ينسوا مدينة الشاعر أبي العلاء المعري والتي تحطمت على أسوار ثورتها كل الأفكار الدخيلة والمتشددة. كانت المدينة صامدةً وتحيي ثورتها، ولم يكن يمر حدثٌ في سوريا أو بالعالم إلا وتجد المتظاهرين فيها قد أعلنوا التضامن معه بأصواتهم وحناجرهم ولافتاتهم.

وحيدةً تقف

أحيت إدلب في نفوس السوريين حب الإخاء والتعاطف وأعطت معنىً جديدًا للتضامن ورح الجماعة، إلا أنها اليوم تقف وحيدةً لا بواكي لها إلا السوريين المجروحين فيها، فيبكون أنفسهم وسط تخاذل عربي وإسلامي وعالمي على المذبحة التي تحصل، عدا عن هذا الصمت السياسي والرسمي يبرز سكوت إعلامي مطبق وكأن دم السوريين أصبح مجرد حديث عابر لا يؤبه له.

وللتضامن مع أنفسهم أطلق السوريون على وسائل التواصل الاجتماعية بكافة منصاتها حملةً إعلامية لتسليط الضوء على ما يجري من أحداث في ما تبقى للسوريين من أراضٍ محررة، وانتشرت الحملة تحت عنوان "لا ضامن إلا الله" تلميحًا إلى صمت تركيا والتي هي تعتبر ضامنًا للمنطقة وفصائلها عبر اتفاقيات سابقة مع روسيا، ورمّز الناشطون للحملة باللون الأزرق وهو لون السماء معتبرين بأن الحدود الوحيدة المفتوحة لأهل إدلب هي حدود السماء.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب السوري أحمد أبازيد ضمن هذه الحملة: "يتكلم السوري فيعدمه الأسد، يرفض النزوح فتذبحه ميليشيات إيران، يقعد في بيته فيقتله الطيران الروسي، يهرع إلى الحدود فتطلق عليه النصرة النار، يتظاهر أمام السفارات فتعتقله شرطة الدول، السماء وحدها مفتوحة للسوريين بلا تأشيرة أو حدود".

وليس غريبًا هذا الصمت، إذ أنه وليس بعيدًا عن إدلب أو معرة النعمان، يحتفل مؤيدو النظام وهم سوريون أيضًا بأعياد الميلاد بينما جرح جيرانهم ينزف، ليصبح السوري الذي هتف للحرية غريبًا حتى في ما يفترض أنه وطنه، وينقل الناشط السوري عمر مدنية مقطعًا للاحتفالات من مدينة حلب والتي لا تبعد كثيرًا عن ساحة الاستهداف، ويقول: "احتفالات المواليين برأس من ساحة العزيزية في حلب والتي تبعد نصف ساعة قيادة في السيارة عن ادلب التي تحترق بفعل طائرات سيدهم..الرقص على جثث أطفالنا وهي تحترق هذه هي اللحمة الوطنية".

في السياق ذاته يتعجب الصحفي السوري قتيبة ياسين في تغريدة على تويتر، من صورتين من نفس الدولة واحدةٌ مليئة بأضواء الاحتفالات وأخرى مضاءة بنار القصف، ويقول: "صورتان تعجان بالأضواء.. الأولى للاحتفال والثانية أضواء للقتل لكن الغريب أن الصورتان التقطتا في ذات البلد وذات الزمن والأغرب أن أصحاب الصورتان يحملان ذات الجنسية".

 

 

تركيا صامتة

برز في هذه الحملة العسكرية الكبيرة على إدلب وريفها صمت تركيا البلد الضامن للمنطقة والتي تتوزع نقاطها العسكرية في كافة أنحاءها حتى إن نقطة ثانية لها باتت قاب قوسين من الحصار كما حصل في نقطة مدينة مورك سابقًا ومازال، وكان عدد من الناشطين والمدنيين تظاهروا يوم الجمعة الماضية أمام معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا احتجاجًا على التصعيد العسكري، و"لمطالبة تركيا بالتدخل وأن تأخذ نقاطها العسكرية دورها بشكل جدي".

من جهته قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن "أوروبا ستشعر بأثر موجة هجرة جديدة". معلنًا أن "80 ألف سوري بدأوا بالتحرك من إدلب باتجاه تركيا" مضيفًا أن "بلاده لا تستطيع استيعاب موجة مهاجرين جديدة من سوريا"، وأشار أردوغان إلى أن "تركيا تفعل كل ما في وسعها مع روسيا لوقف الهجمات في إدلب"، فيما سيزرو وفدٌ تركي موسكو لبحث الوضع في سوريا.

وفي ظل هذه المحرقة وعدم القدرة من أي طرف على إيقاف آلة الحرب الروسية التي أوغلت في القتل والتدمير، يبقى السوريون هم المتألم الوحيد على مدار 9 سنوات، فهذا السيناريو يتكرر منذ أيام الزبداني ومضايا وحمص إلى غوطتي دمشق وحلب وليس آخرها معرة النعمان، ولاعمل فعلي لإيقاف الإجرام بحق الإنسان السوري ولا تصدر غير التصريحات، حتى وصلنا اليوم إلى وقت لم نعد نجد حتى التصريحات الاستنكارية.