سلطان عمان الجديد، هيثم بن طارق

بعد حالة الغموض التي خيمت على المشهد العُماني خلال الأسابيع الماضية بشأن صحة السلطان قابوس بن سعيد، ها هو الستار يسدل على حياة الرجل الذي مكث في حكم السلطنة 50 عامًا كاملة، استطاع خلالها تحديث هياكل بلاده تدريجيًا حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.

وقد عُين هيثم بن طارق آل سعيد الذي يشغل منصب وزير التراث والثقافة منذ 2002، سلطانًا جديدًا لعمان خلفًا للسلطان الراحل، بعد أدائه اليمين القانونية أمام مجلس عمان، صباح السبت، بموجب النظام الأساسي للدولة، بحسب وسائل الإعلام العمانية وفي مقدمتها جريدة "الوطن".

وبتعيين سلطان جديد نأت السلطنة بنفسها عن مغبة الولوج في مأزق سياسي خطير، طالما حذر منه الجميع طيلة الفترة الماضية في ظل توقع شغور المنصب في أي وقت، نظرًا للظروف الصحية المتردية لقابوس خلال الأعوام الخمس الأخيرة، خاصة أن السلطان الراحل لم يكن لديه أبناء لخلافته على العرش، وهو ما أثار مخاوف من نزاعات على الحكم ربما تعرض البلاد لفوضى غير محمودة.

ووفق الإعلام العماني فقد دعا مجلس العائلة المالكة في السلطنة، صباح اليوم، للانعقاد لتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم، بعد إعلان وفاة قابوس، وقال المجلس في بيان إنه "استنادًا لما نصت عليه المادة 6 من النظام الأساسي للدولة (...) فقد انعقد مجلس الدفاع برئاسة معالي الفريق أول سلطان بن محمد النعماني وزير المكتب السلطاني، وبحضور جميع أعضائه"، مضيفًا "قام مجلس الدفاع بدعوة مجلس العائلة المالكة بالانعقاد لتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم وسيظل مجلس الدفاع فى حالة انعقاد".

وقوع الاختيار على هيثم لخلافة قابوس كان مفاجأة للكثيرين في ظل ترجيح غالبية التوقعات لـ"أسعد" شقيقه وابن عم السلطان الراحل، الذي يشغل منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي منذ 2017، والممثل الشخصي لقابوس منذ عام 2002.

وتزامنًا مع ندرة المعلومات المتوافرة عن هيثم آل سعيد، حالة من الشغف تسيطر على قطاع كبيرة من الشارع العربي بشأن هوية السلطان الجديد وتوجهاته وأبرز ملامحه، ودوافع اختياره تحديدًا دون غيره، ومدى ما يمكن أن يحدثه من تغييرات في هيكل السلطنة وسياساتها الخارجية أو الإبقاء على نفس النهج السابق للسلطان قابوس.

اختيار ذكي

في الـ22 من ديسمبر الماضي، نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تقريرًا تناول تفاصيل اختيار خليفة قابوس حال رحيله، التقرير أشار إلى وصية للسلطان الراحل حدد فيها من يخلفه في الحكم حال فشلت العائلة في التوافق على سلطان جديد خلال ثلاثة أيام من الوفاة.

التقرير ذكر أن قابوس أوصى بذلك في وصيتين بظرفين مختلفين، الأول وضع في قصر الحكم الذي يقيم فيه السلطان في مسقط، والثاني في قصر آخر، خشية فقدان الظرف الأول أو الاستيلاء عليه، ومن ثم لزم على مجلس الدفاع ورئيس المحكمة العليا بفتح الظرف بحضور غرفتي المجلس الاستشاري.

مجلس العائلة المالكة في السلطنة احترم وصية قابوس رغم أن النظام الأساسي للدولة - دستور عمان المكتوب - أتاح لهم اختيار الخليفة

وبالفعل عقدت صباح اليوم جلسة فتح وصية الراحل قابوس بن سعيد، بحضور عدد من كبار المسؤولين وأفراد العائلة المالكة، ونصت على تسمية هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد، سلطانًا لعُمان، لينتهي رسميًا، داخليًا وخارجيًا، الجدل بشأن هوية من يخلف قابوس على كرسي السلطنة.

مجلس العائلة المالكة في السلطنة احترم وصية قابوس رغم أن النظام الأساسي للدولة - دستور عمان المكتوب - أتاح لهم اختيار الخليفة، الأمر الذي دفع بعض المقربين من دوائر صناعة القرار العماني لتثمين هذه الخطوة التي تجسد قهر التقاليد العمانية الأصيلة لشهوة السلطة.

اختيار يعتبره البعض ذكيًا للغاية، وتجسيدًا لما وصفوه بـ"حكمة" قابوس حتى بعد رحيله، ومساعيه للحفاظ على الشعب العماني وتوفير مقومات السلم والأمن له، فالرجل وفق مصادر خاصة بـ"نون بوست" هو الأكثر توافقًا بين المرشحين الآخرين، والأجدر على إدارة المرحلة الحرجة التي تمر بها دول المنطقة بأسرها.

شعبية داخلية

"شعبية السلطان هيثم بن طارق قد تكفكف بعض دموع العمانيين"، هكذا علق الكاتب الصحفي علاء حمودة، مدير التحرير الأسبق لصحيفة "الوطن العمانية" على اختيار السلطان الجديد، لافتًا إلى أنه يتمتع بجماهيرية غير مسبوقة ومكانة بارزة لدى الشارع العُماني، الأمر الذي ربما يخفف من حدة الصدمة برحيل قابوس.

حمودة في مداخلته لـ"نون بوست" أوضح إلى أنه تلمس ما يتمتع به هيثم من شعبية كبيرة من خلال احتكاكه بالشعب العماني الذي يحتل السلطان الجديد مكانة كبيرة في قلبه، فما يتمتع به من تواضع وبساطة وحب للناس فرض نفسه على حديث الشارع طيلة السنوات الماضية، مقارنة بشقيقه أسعد ذي الخلفية العسكرية الذي تشهد العلاقات بينه وبين العمانيين توترًا واضحًا وملموسًا.

وأضاف إلى أنه التقاه أكثر من مرة، وقد عُرف عنه أنه نجم كروي محبوب ومتألق في الدورات الرمضانية في التسعينيات، على حد قوله، وأن مشاركته للشباب العماني في هواياته الكروية والثقافية كانت عاملًا مهمًا في حب الشعب له، وهو ما انعكس في تظاهرة الارتياح التي أبداها العمانيون مع تسميته سلطانًا جديدًا للبلاد، هذا بجانب حالة من التفاؤل بشأن القضاء على الفساد الذي استشرى في مفاصل السلطنة خلال السنوات الخمسة الأخيرة من مرض السلطان قابوس.

من الواضح أن هيثم له خبرة واضحة في عالم الاقتصاد والبيزنس، فهو أكبر مساهم في الشركة الوطنية القابضة ورئيس مجلس إدارتها، تلك الشركة التي شاركت في بناء محطتي الطاقة الرئيسيتين في عمان (مناح وصحار)

توصية السلطان الراحل بالخليفة الجديد تأكيد على اللحمة الوطنية والتفاف الشعب على قلب رجل واحد، يجدوا فيه ما يساعدهم على التماسك والتوحد في مواجهة التحديات الجمة، الداخلية والخارجية، التي تواجه السلطنة في الوقت الراهن، وهو ما يعكس حسن بصيرة للسلطان قابوس، على ما يرى مدير التحرير السابق للوطن العمانية.

رجل أعمال

قبل تنصيبه كان يعمل السلطان الجديد رئيسًا للجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية للسلطنة "عمان 2040" وهي الرؤية التي تتطرق إلى تقليل الاعتماد على عائدات النفط كمورد أساسي لاقتصاد السلطنة (85% من الاقتصاد يعتمد على النفط) ومحاولة البحث عن آليات وإستراتيجيات جديدة كما هو متبع في بعض دول المنطقة ذات الاعتماد الأكبر على عائدات الطاقة.

من الواضح أن هيثم له خبرة واضح في عالم الاقتصاد والبيزنس، فهو أكبر مساهم في الشركة الوطنية القابضة ورئيس مجلس إدارتها، تلك الشركة التي شاركت في بناء محطتي الطاقة الرئيسيتين في عمان (مناح وصحار)، كما أنها تعتبر وكيل الأعمال الحصري لعدة شركات متعددة الجنسيات في عمان.

السياسة الخارجية للسلطنة ستبقى متزنة خلال المرحلة المقبلة دون تغيير ملموس، معتمدة في ذلك على المسارات السابقة التي حددها قابوس

كما شارك أيضًا في تدشين مشروع المدينة الزرقاء، وهي مدينة سياحة ضخمة في جنوب صحار تقدر قيمتها بمبلغ 20 مليار دولار، وكان من المخطط أن يتم الانتهاء من بناء المدينة في عام 2020 لتستوعب 200.000 نسمة، ولكن المشروع تأخر لأسباب إدارية ومالية.

يمثل الاقتصاد التحدي الأكبر للسلطنة خلال المرحلة المقبلة، حيث سجل الدَّين العام صعودًا مستمرًا في السنوات الأخيرة، إذ ارتفع خلال الفترة من 2013 إلى 2019 بنحو 1480%، وهي نسبة ارتفاع هائلة حيث وصل إلى 15.8 مليار ريال حتى 2019، وفق ما كشف محمد بن عبد الله الحارثي رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الدولة في عمان.

كثير من الأسئلة تدور في مخيلة الشارع العماني بعد ساعات قليلة من تنصيب السلطان الجديد بشأن قدرته بما يتمتع به من خبرة اقتصادية في إحداث أي تغييرات إيجابية في منظومة اقتصاد البلاد، أسئلة تطغى عليها الأمنيات أكثر من قراءة الواقع الذي يبدو أنه لن يكون بهذه السهولة.

توازن في العلاقات الخارجية

من السابق لأوانه قراءة ملامح السياسة الخارجية العمانية في عهد ابن طارق، لكن الأجواء كلها تشير إلى أن الوضع لن يتغير كثيرًا، فالسلطان الجديد كان أحد أبرز المقربين من قابوس، وكان يده اليمني في تنفيذ السياسة الخارجية للسلطنة، ومن ثم فإن الحديث عن أي تغييرات تطرأ على الخريطة الحاليّة حرث في الماء لا فائدة منه.

العديد من المناصب شغلها في وزارة الخارجية، منها الأمين العام للوزارة ووكيل الوزارة للشؤون السياسية والوزير المفوض، ما يعني أنه تربى في كنف توجهات محددة التزمت بها السلطنة طيلة العقود الأربع الماضية، هذا بخلاف ثقة السلطان الراحل فيه وتمثيله له في أكثر من مناسبة من بينها حضوره الزفاف الملكي البريطاني في 2011 نيابة عن السلطان رغم وجود وزير الخارجية.

وبحسب محللين فإن السياسة الخارجية للسلطنة ستبقى متزنة خلال المرحلة المقبلة دون تغيير ملموس، معتمدة في ذلك على المسارات السابقة التي حددها قابوس، التي ترتكز على الحياد والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتصارعة، وهو ما جعل عُمان شقيقة الجميع وإن اختلف معها جيرانها الخليجيون، وباتت خارج حساباتهم السياسية والعسكرية مؤخرًا.

وكانت بعض المخاوف قد أثيرت مؤخرًا بشأن مساعٍ إماراتية لاستمالة السلطان الجديد قبل تسميته، في إشارة إلى ما تناقله البعض بشأن العلاقة الجيدة التي تربط بين أبناء زايد وأسعد بن طارق، المرشح الأول لخلافة قابوس، غير أن تسمية هيثم للمنصب ربما تغلق الباب نهائيًا على أي من تلك المخاوف.

هيثم بن طارق

البُعد عن المركزية

عشرات الانتقادات وجهت للسلطان الراحل بشأن طريقه إدارته للبلاد، تتلخص معظمها في إحكام قبضته على كل مفاصل الدولة، حيث يتفرد وحده بما يزيد على 12 منصبًا متفرقًا بين عسكري وأمني وسياسي ومالي، في الوقت الذي يعاني فيه العمانيون من إشكالية الجهل بمعرفة نظام الحكم لديهم أو قراءة ما يمكن أن يكون عليه الوضع مستقبلًا، ولعل هذا كان هاجسًا كبيرًا حال رحيل قابوس المفاجئ، فأسرار الدولة بالكامل كانت بحوزة الرجل دون غيره.

هناك فريق ذهب إلى تبرير سياسات قابوس في إدارته للحكم، بزعم أنه كان السلطان المؤسس وعنده كل الصلاحيات المطلقة، وكانت البلاد حديثة عهد بالسياسة والإدارة، ومن ثم ما كان أمامه إلا أن يسيطر على مفاصل الدولة كافة، لكنها سيطرة دامت أربعة عقود كاملة.

لا يتوقع أي خروج عن المسار الذي تسير عليه السلطنة الذي وضع السلطان الراحل ركائزه منذ 40 عامًا تقريبًا.

إلا أن ذات الفريق يستبعد أن يسير ابن طارق على نهج السلطان الراحل، فالخريطة السياسية للسلطنة والمنطقة بأسرها تعرضت لتغييرات جذرية تفرض عليه إعادة النظر في نظام الحكم، وهو ما دفع مدير تحرير صحيفة عمان السابق إلى توقع أن يكون السلطان الجديد أكثر مرونةً وأقل مركزيةً في فترة حكمه.

كما أنه لا يستبعد إجراء بعض التغييرات في الهكيل الإداري للدولة، منها تصعيد وزير الدولة للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، مستشارًا له للشؤون الخارجية، كذلك تصعيد بدر بن حمد أمين عام وزارة الخارجية، وزيرًا للخارجية، هذا بجانب احتمالية تعيينه رئيسًا للوزراء.

شغل السلطان الجديد (66 عامًا) من مواليد 1954، العديد من المناصب على رأسها منصب وزير التراث والثقافة منذ عام 2002، كذلك منصب رئيس اتحاد الكرة العماني في الفترة بين عامي 1983 و1986، بجانب ترؤسه اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الشاطئية الثانية التي أقيمت في مسقط 2010، وهو الرئيس الفخري لجمعية رعاية الأطفال المعوقين ونادي "السيب" الرياضي، وله من الأبناء 4، ولدين وابنتين، بجانب 6 أخوة وأختين.

في المجمل فإنه من السابق لأوانه تحديد ملامح السلطنة خلال المرحلة المقبلة في ظل التحديات التي تواجهها لكن من خلال قراءة المشهد وكواليس تنصيب السلطان الجديد لا يتوقع أي خروج عن المسار الذي تسير عليه السلطنة الذي وضع السلطان الراحل ركائزه منذ 40 عامًا تقريبًا.