عشية دخولها إلى منطقة التبادل الحر مع أوروبا، أطلق بعض خبراء الاقتصاد الجزائريين تحذيرات من تداعيات هذا القرار وسلبياته على الاقتصاد الجزائري، واقترحوا تأجيل دخول البلاد إلى هذه المنطقة وإعادة النظر في هذا الاتفاق الذي سيدخل حيز التنفيذ السنة الحاليّة بعد أن شهد تأجيلات متكررة بمبرر الإضرار بمصلحة البلاد.

انزعاج أوروبي

لم تكن العلاقة بين الجزائر وأوروبا في السنوات الأخيرة على ما يرام، حيث شهدت العلاقات بينهما مرحلة غير مسبوقة من التوتر والاحتقان المعلن، خاصة سنتي 2017 و2018 على التوالي، بعد أن أظهر الاتحاد الأوروبي انزعاجه من "رخص الاستيراد" التي أقرها القاضي الأول للبلاد عبد المجيد تبون عندما كان وزيرًا للتجارة بالنيابة، واتهم السلطة حينها بمنح امتيازات غير مبررة للصين.

وفي أبريل/نيسان 2018، وخلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية والاقتصادية بالجمعية الفرنسية، اتهمت مفوضة التجارة الأوروبية، سيسيليا مالمستروم، السلطات الجزائرية بعدم احترام بنود اتفاقية التبادل الحر مع أوروبا، وهو ما ساهم حسبما قالته في تفضيل المنتجات الصينية.

مجموع الصادرات الجزائرية خارج المحروقات نحو الاتحاد الأوروبي لم يصل إلى 14 ملايين دولار خلال العشر سنوات، بينما بلغت الواردات الجزائرية من الاتحاد الأوروبي 220 مليار دولار

وحافظت الصين في السنوات الأخيرة، على المرتبة الأولى من بين الدول المصدرة للجزائر، ووفقًا لأرقام نشرها الديوان الوطني للإحصاء (حكومي)، في ديسمبر/كانون الأول 2018، فإن الصين احتلت المرتبة الأولى بمجموع 7.04 مليار دولار أي ما يعادل 17.2% من إجمالي الواردات الجزائرية متبوعة بفرنسا بـ4.24 مليار دولار تليها إيطاليا بـ3.31 مليار دولار، فإسبانيا بـ3.17 مليار دولار وألمانيا بـ2.76 مليار دولار.

وتظهر هذه الأرقام مدى تأثر دول أوروبية بقرار وزارة التجارة الجزائرية، بمنع استيراد 900 منتج بداية من العام الماضي بغية تقليص فاتورة الواردات والتحكم في عجز الميزان التجاري، وجاء هذا القرار بعد تسجيل تراجع كبير في مداخليها بسبب تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية.

ووقعت الجزائر اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 2002، ودخل حيز التطبيق عام 2005، وينص الاتفاق على إنشاء منطقة تبادل حرة بين الطرفين يتم فيها إزالة الحواجز الجمركية من خلال إعفاءات لعدد كبير من السلع.

وفي عام 2015، تقدمت الجزائر بطلب رسمي لمراجعة بنود الاتفاق، بعد كشف اختلال كفتي الميزان، وخسرت الجزائر منذ دخول اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2005 وإلى نهاية 2015 قرابة 7 مليارات يورو من المداخيل الجمركية، في حين لم يتم تعويض ذلك بتصدير منتجات جزائرية إلى أوروبا.

وأظهرت نتائج التقييم أن مجموع الصادرات الجزائرية خارج المحروقات نحو الاتحاد الأوروبي لم يصل إلى 14 ملايين دولار خلال العشر سنوات، بينما بلغت الواردات الجزائرية من الاتحاد الأوروبي 220 مليار دولار في نفس الفترة أي 22 مليار دولار سنويًا.

شراكة غير متوازنة

وبالنظر إلى هذه التطورات، اقترح خبراء اقتصاديون إعادة النظر في اتفاق منطقة التبادل الحر بين الجزائر والاتحاد الأوروبي لتداعياته على الاقتصاد الوطني، ويقول البرلماني السابق محمد حديبي لـ"نون بوست" إن انضمام الجزائر لمنطقة التبادل الحر تتطلب حزمة من الإجراءات الميدانية والتنظيمية والقانونية، وأهمها القدرة التنافسية للمنتج الجزائري كمًا ونوعًا.

ويرى المتحدث أن "الاتحاد الأوروبي خاضع لتوازنات بينية لأعضائه خصوصًا ما تعلق بنفوذ الدولة المستعمرة، وهو ما جعل هذه الاتفاقية لا تراعي المصالح التجارية والمالية الجزائرية وما سينجر عنه عند التفكيك الجمركي، وهو يمثل موردًا رئيسيًا للخزينة العمومية مما سيسجل عجزًا كبيرًا في تسيير المرفق العمومي للدولة"، ويخبرنا حديبي أن "الجهات التي وقعت على الاتفاق لم تراع تداعياته المستقبلية نتيجة تداخل مصالح الأفراد واللوبيات مع قرارات الدولة مما جعل موقع الطرف الجزائري التفاوضي ضعيفًا".

ومن بين ما تقرر في هذا الاتفاق، يشير حديبي إلى أن الاتحاد الأوروبي يؤهل أكثر من 400 ألف مؤسسة عمومية وخاصة وفق المعايير الدولية ومرافقتها حتى تصل للقدرة التنافسية، لكن للأسف فشلت العملية وما قام به الاتحاد الأوربي هو رسكلة نحو 400 مؤسسة فقط وهو ما يوحي بعدم وجود نية خالصة للشراكة وجعل الجزائر بلد مستهلك يمتص منه العملة الصعبة الناتجة عن البترول فقط.

يصف البرلماني السابق شراكة الجزائر مع الاتحاد الأوروبي بـ"غير المتوازنة التي تسير في اتجاه واحد وهو ما يضر بالمصالح العليا للدولة الجزائرية واقتصادها، وبموجبه سيصيب الكساد المنتج الوطني وتغلق المؤسسات الاقتصادية الجزائرية"، ويرجع حديبي ذلك إلى عدم دراسة المعطيات الاقتصادية الدولية وأوليات الملفات المطروحة اقتصاديًا، وغياب منظومة التدرج والمرافقة، وعدم فتح فضاءات متكافئة، ولذلك يقول: "لا بد أن تلعب الجزائر دورًا رياديًا اقتصاديًا، بهدف تقوية البنية الداخلية الاقتصادية للمنتج الجزائري ليكون موقعها التفاوضي قويًا".

مقترح تأجيل

من جهته أطلق رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين علي باي نصري، تحذيرات من خطورة اتفاقية التبادل التجاري الحر مع الاتحاد الأوروبي التي تدخل حيز التنفيذ في 2020، وقال لدى حلوله ضيفًا على القناة الإذاعية الثالثة الحكومية إنها تعتبر كارثة على الاقتصاد الجزائري، وأكد أن هذه الاتفاقيات الدولية لا تصب في مصلحة اقتصاد البلاد لأن اقتصادها لم يخرج بعد عن دائرة تصدير المحروقات، ولم ينجح لحد الآن في الخروج من هذه التبعية.

الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي تضم 110 بنود لم يحترم الجانب الأوروبي ولم يفعل فيها إلا الشق التجاري

وفي سياق حديثه عن الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي بشأن منطقة التجارة الحرة، أوضح ناصر باي أن حجم المبادلات بين الجزائر والفضاء الأوروبي الذي أصبح يضم 28 دولة بلغ 295 مليار دولار ليس للجزائر منها إلا 12 مليار دولار تضم صادرات مشتقات المحروقات، وهي الأرقام التي وصفها بالكارثية والخطرة.

لذلك حذر من مغبة دخول منطقة التبادل الحر حيز التنفيذ، وأضاف أن الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي تضم 110 بنود لم يحترم الجانب الأوروبي ولم يفعل فيها إلا الشق التجاري، فيما تم التغاضى عن الشق المتعلق بالتعاون وتوطين التكنولوجيا وتنقل الأفراد.

وأكد رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين أن الاتفاقيات التي وقعتها الجزائر لم تخضع لدراسات معمقة مما جعلها تصب في غير صالح الجزائر مقدمًا أمثلة أخرى على غرار الاتفاقية مع الدول العربية ومع الدول المغاربية، وأكد عدم جاهزية الجزائر لحد الآن لدخول مثل هذه الاتفاقيات بما فيها منطقة التبادل الحر ضمن الفضاء الإفريقي.