اختلفتا فاتفقتا فكانت عطالة حكومة تونس وأزمة الحكم فيه، لم تصدرا عن فكرة واحدة في الظاهر ولكن باطن الفعل واحد والنتيجة واحدة، لذلك فالاختلاف المزعوم بينهما لا وجود له، أعني النائبتين عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحر ومؤسسته وصوته البرلماني الوحيد والنائبة سامية عبو الشخصية الأكثر تأثيرًا في حزب التيار الديمقراطي.

يقود المرأتين ويوجه فعلهما السياسي عداء مستحكم لحزب النهضة الإسلامي، وليس لأي منهما أجندة أخرى وإن زعمتا لأن المتابع يقرأ النتائج ولا يكتفي بالخطاب، ففي الخطاب تقف المرأتان على طرفي نقيض، واحدة فاشية صريحة تستعيد استئصالية بن علي والأخرى ديمقراطية ومن حزب يزعم أنه ديمقراطي اجتماعي، وهما مختصمتان في كل شيء وفي كل رأي ولكن عندما يتعلق الأمر بالحرب على التيار الديني وحزب النهضة خاصة نجدهما في موقف واحد، بما يطرح سؤالًا عن حقيقة اختلافهما فيما تزعمان الاختلاف فيه.

سامية أسقطت حكومة الجملي وحدها

السيدة عبو حكمت موقف حزب التيار ووجهته في شهري التفاوض على حكومة الحبيب الجملي، فكان مفاوضو الحزب يقتربون من التوافق على الحكومة فإذا خلوا إلى حزبهم انقلب الموقف إلى النقيض وكان ذلك في جولات متتابعة، وتحدث المتابعون عن اختلاف في الموقف داخل الحزب وظن كثيرون أن هناك موقفًا أغلبيًا معتدلًا في موقفه من العمل مع حزب النهضة يقوده السيد غازي الشواشي ومعه أنصار، لكن هذا الموقف الأغلبي في الظاهر أو في التسريبات لم يفلح في تجسير الهوة السياسية لجهة تشكيل الحكومة مع النهضة، لذلك سقط الاحتمال ولم نر الحكومة.

سر قوة السيدة عبو في حزبها هو استنادها إلى مجموعات من الشباب اليساري الذي أفلحت في ضمه للحزب قبل الانتخابات

السيدة عبو حرصت أيضًا على تمتين العلاقة مع حركة الشعب وفرضت داخل الحزب تحالفًا شبه دائم رغم الخلاف العميق بين الحزبين في مسألة الديمقراطية وخاصة في الموقف من النظامين السوري والمصري ومن حفتر الليبي ومن الفكر القومي عامة، والجميع يتذكر موقف السيد محمد عبو من الناصرية إبان مؤتمر حزب التيار وهو الموقف الذي فجر احتمالات التلاقي قبل البرلمان ولكن بقدرة قادر صار الحزبان على موقف واحد في مسألة العلاقة مع النهضة داخل الحكومة، ومهندسة هذا التحالف هي السيدة عبو التي تصدر عن خلفية يسارية غير معادية للقوميين وإن لم يظهر في خطابها نظرية المؤامرة والربيع العبري، إلخ.

سر قوة السيدة عبو في حزبها هو استنادها إلى مجموعات من الشباب اليساري الذين أفلحت في ضمهم للحزب قبل الانتخابات، وجاءت هذه المجموعات الشبابية بموقفها الجاهز من أحزاب الإسلام السياسي وهو نفس موقف حركة الشعب المتحالفة، ففرضته على حزب التيار بواسطة النائبة فلم يفلح معتدلو الحزب في تجسيد موقف تشاركي حتى سقط الحبيب الجملي وحكومته.

لذلك نعتقد أن خلاصة موقف التيار هو موقف السيدة عبو بأنصارها وقد انتشر خبر احتمال انكسار الحزب بينها وبين الأصوات المعتدلة، فتم الحفاظ على سلامة الحزب وموقف النائبة من الحكومة ومن حزب النهضة.

الفاشية تعلن حربها على الغنوشي وحزبه

منذ دخولها للبرلمان لم نسمع لها صوتًا غير معارضة الغنوشي وترذيل شخصه وامتهان جماعته السياسية التي لم تنادها أبدًا باسمها القانوني وإنما تكتفي فقط بالوصف الذي كرسه بن علي (الخوانجية) وقد مرت إلى العمل على إسقاطه من رئاسة البرلمان بجمع توقيعات على عريضة تطوف بها بين الكتل لتجميع رصيد الثلثين الضروريين للعزل وهي ماضية في طريقها وتجد حلفاءً يمضون سرًا إذ يتفقون معها ولكنهم يخفون عار التنسيق لما فيه من ثمن سياسي في هذا الظرف ونميل إلى الاعتقاد أنهم سيعلنون ذلك بعد تشكيل الحكومة.

تصدر النائبة الفاشية عن موقف ثابت أن الثورة جريمة صنعتها دوائر استعمارية لتمكين الإخوان المسلمين من الحكم لتدمير سيادة أوطانهم، وهو نفس خطاب كل القوى التي عادت وتعادي الربيع العربي وتقاومه في كل مكان، لذلك رفضت اعتبار شهداء الثورة شهداء يستحقون قراءة الفاتحة على أرواحهم في ذكرى الثورة، بل مجرمون قاموا ضد الدولة التي كان لها حق القتل.

ترفع النائبة صورة بورقيبة في المجلس ولكنها تروج لموقف بن علي وسياساته ولا تجيب عن السؤال الذي يطرحه عليها التونسيون عن صمتها وصمت التجمعيين عن النهاية المأساوية لبورقيبة حين سجنه بن علي وأهان شيخوخته، لذلك فرضت بقوة صوتها لا بقوة كتلتها نوعًا من التحالف من أجل إملاء موقف دبلوماسي محايد من الصراع في ليبيا باسم دبلوماسية بورقيبة الثابتة، مما فوت على تونس المشاركة من موقع متقدم في مؤتمر برلين عن ليبيا.

نموذجان للفراغ السياسي التونسي

هما الصوتان الأعلى الآن في البرلمان التونسي وصوتهما يعلو أكثر في موضوع الحرب على النهضة، ولكن لا نقرأ لأي منهما ولا نتابع أي طرح فكري أو فلسفي في مجال السياسة والاجتماع، كما أنهما لا تتحدثان في الاقتصاد ولا تقدمان حلولًا لأزمة يعيشها الجميع، وإذا كان تونسيون كثر لا ينتظرون ذلك من الفاشية، فإنهم انتظروه من السيدة عبو باعتبار طبيعة حزبها غير الفاشي ولكن ليس للسيدة أي إضافة رغم أنها من المؤسسين ومحسوبة على مفكري الحزب.

ما سر هذا اللقاء بين توجهين مختلفين في الظاهر؟ إنه الفراغ السياسي والفكري الذي يستعاض عنه بروح فاشية وإن تزينت بالديمقراطية، فالصوتان يعيشان بعد في حقبة بن علي الاستئصالية ولم تصل الثورة إلى عقلهما الباطن، وهذا حكم على النتائج لا على النوايا المعلنة، فالصوت العالي ليس وسيلة إقناع حقيقية، إنهما على اختلافهما استمرار لمعركة قديمة من ميراث ما قبل الثورة. معركة من أجل تونس بلا إسلاميين، وغير مهم هنا ما يقدمه الإسلاميون من تنازلات سياسية وما يظهرون من قدرة تفاوضية على حساب حجمهم الحقيقي في الشارع والبرلمان، فهم مرفوضون بالجملة والتفصيل، وهذا هو موقف يسار التجمع والتجمع بشقه الفاشي.

ولكن لذلك التعنت ثمن يظهر الآن للناس، فإسقاط حكومة النهضة أفقد البرلمان سلطته أمام الرئيس وأحال له سلطة القرار في تعيين رئيس الحكومة وتشكيلها (وضع مشابه للنظام الرئاسي مخالف في عمقه للدستور).

لم تخسر النهضة وحدها هنا (بل لعلها تخلصت من عبء الحكم) بل خسر النظام البرلماني وخسر النواب وهم الآن في موقف ضعف وخوف على مواقعهم ومكاسبهم الشخصية وهو ما يوسع هامش الرئيس والمكلف الجديد (المجهول بعد) ليفرض من يشاء في الحكومة ونميل إلى الاعتقاد أنه سيكون من قلب النظام القديم وسيكون رئيس حكومة الشركات المناولة، ويضع حزب الديمقراطية الاجتماعية في مأزق عويص، فمقابل طرد (الخوانجية من الحكم) سيجد نفسه يصادق على حكومة مناولة يشكلها طاقم فاسد، وحتى إن فضل ربوة المعارضة فسيشاهد من هناك الإجهاز على التجربة الديمقراطية لأن الإجهاز عليها هو الحل الوحيد لكي نشاهد تونس بلا خوانجية كما تشتهي عبير وكما ترغب سامية.