يرتقب أن يحل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم بالجزائر في زيارة عمل تستمر يومين، لتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في شتى المجالات، خاصة الاقتصادية منها، إضافة إلى بحث القضايا ذات الاهتمام المشترك وعلى رأسها الأزمة الليبية التي تسعى الجزائر لاحتضان قمة للحوار بشأنها تجمع الفرقاء في جارتها الشرقية.

وشهدت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، خاصة في شقها الاقتصادي، رغم محاولة اللوبي الفرنسي عرقلتها، وكذا رغم اختلاف وجهات نظر البلدين بشأن بعض القضايا الدولية مثل سوريا، إلا أن الجزائر وأنقرة حرصتا على أن لا يفسد هذا الخلاف حوارهما وتعاونهما المتواصل.

للمرة الخامسة

ستكون زيارة أردوغان المنتظرة الخامسة من نوعها للجزائر، مرتان عندما كان رئيسًا للحكومة واثنتان بصفته رئيسًا للبلاد  في 2014 والأخيرة في فبراير/شباط  2018، وشهدت توقيع عدة اتفاقات، وكان من المفترض أن تتم هذه الزيارة في 26 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، غير أنها أُجلت لأنها تزامنت مع استلام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون السلطة.

وفي الـ7 من يناير/كانون الثاني الحاليّ، أفاد بيان للرئاسة الجزائرية عقب استقبال تبون لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن "الرئيس الجزائري وجه دعوة لنظيره التركي رجب طيب أردوغان، لزيارة الجزائر وقبلها الطرف التركي على أن يحدد موعدها في الأيام القادمة"، وهو الموعد الذي تحدد اليوم الأحد، وقبل هذه الزيارة، التقى تبون، أردوغان في ألمانيا على هامش مؤتمر برلين الخاص بالأزمة الليبية الذي عقد الأحد الماضي.

وأكدت الزيارة السفارة التركية في الجزائر، وأعلنت غلق القنصلية أبوابها يومي الخميس والأحد بسبب الاستعداد للزيارة المرتقبة، وحسب بيان صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فإن أردوغان سيبحث مع المسؤولين الجزائريين العلاقات الثنائية بكل جوانبها مع تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية.

يبدو أن العلاقة المتطورة بين الجزائر وتركيا أصبحت تغضب بعض الأطراف

ووصفت الرئاسة الجزائرية زيارة أردوغان بأنها "زيارة صداقة"، ولا تعطي الجزائر هذه الصفة لزيارة المسؤولين الأجانب إلا نادرًا لما تشهد العلاقات تطورًا ملحوظًا، مثل العلاقات مع تونس أو الصين، ما يعني أن مستوى التعاون بين البلدين تخطى العلاقات التقليدية ليصل إلى تعاون بيني حقيقي.

وتوحي الزيارات المتوالية لأردوغان للجزائر برغبته في تطوير العلاقات مع بلاده التي تريد أن يكون لها دور في إفريقيا لا يقتصر على قمة تركيا - إفريقيا فقط، إنما بتعزيز التعاون في جميع المجالات خاصة مع بلد تربطه بتركيا ماضٍ يرجع إلى أيام الدولة العثمانية.

ويبدو أن هذه العلاقة المتطورة بين الجزائر صارت تغضب بعض الأطراف، فالصحافة المغربية اهتمت بها بشكل لافت، لكنها لم تتحدث عن أهميتها إنما ركزت بغياب المغرب عن جولته الإفريقية، وجاءت المقالات تحت عناوين موحدة لمعظم وسائل الإعلام في الرباط وهي "أردوغان يستثني المغرب من زيارة إفريقية يبدأها من الجزائر".

أما صحيفة "عكاظ" السعودية، فلم تتردد في إظهار استهجان التقارب التركي الجزائري، بالنظر إلى رفض الجزائر لأي اصطفاف محوري، وكتبت متجنية "أردوغان يسعى لإغراق دول الجوار في الأزمة الليبية" خلال هذه الزيارة دون التحدث عن أهميتها الاقتصادية للبلدين وفي حل المشكلات التي تسبب فيها حلفاء الرياض (مصر والإمارات).

علاقات إستراتيجية

يرجح أن تشهد الزيارة التي يقوم بها أردوغان الأسبوع المقبل تنصيب المجلس الإستراتيجي الذي تحدث عنه جاويش أوغلو خلال زيارته الأخيرة للجزائر، الذي من شأنه أن يرفع مستوى التعاون الاقتصادي بين البلدين وفق مصالح مشتركة، ومن شأن هذا المجلس أن يحقق طموح أردوغان الذي أطلقه خلال 2014 المتمثل في رفع الاستثمارات التركية بالجزائر إلى 10 ملايين دولار، التي تبقى حتى اليوم بعيدة عن ذلك، حيث ما زالت عند 3.5 مليار دولار، لكن تبقى الجزائر تتصدر قائمة الدول الإفريقية من حيث حجم الاستثمارات التركية في الجزائر.

وكانت آخر زيارة للجزائر قد توجت بالتوقيع على 7 اتفاقات شراكة وتعاون ومذكرات تفاهم تتمثل في بروتوكول تعاون بين جامعة سطيف ومعهد "يونوس أيرمي" التركي لتطوير اللغة التركية بالجزائر التي أدرجت في السنوات الأخيرة ضمن المنهاج الجامعي الجزائري.

وقال السفير الجزائري  في تركيا مراد عجابي في مقابلة مع وكالة أنباء الأناضول إن زيارة أردوغان تحمل "أهمية تاريخية"، وتهدف إلى نقل العلاقات المثالية بين البلدين إلى مستوى إستراتيجي، حيث سيقدم البلدان على خطوات مهمة فيما يخص تطوير العلاقات الاقتصادية وتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة بين أنقرة والجزائر، خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية المختلطة المزمع عقده في الفترة المقبلة.

تظهر أهمية هذه الزيارة في جانبها الاقتصادي من خلال مرافقة نحو 150 رجل أعمال تركي أردوغان في هذه الجولة الجديدة إلى الجزائر

ووعد أردوغان  في زيارته الأخيرة عام 2018 أنه سيعمل على بذل كل الجهود لرفع مستوى التبادلات التجارية بين البلدين من 3.5 مليار دولار حاليًّا إلى 5 مليارات دولار في أقرب وقت ثم إلى 10 مليارات دولار في مرحلة لاحقة.

وحتى الآن تبقى أهم استثمارات الشركات التركية في الجزائر تتمثل في مصنع الحديد والصلب بوهران ومصنع النسيج بغليزان الذي سيصنع في غضون الأشهر القليلة القادمة ملابس الجينز بكمية تلبي طلبات السوق الجزائرية وتكفي حتى التوجه نحو التصدير، وهو ما يغني البلاد عن استيراد هذا اللباس من تركيا والصين وعدة دول أوروبية، ويظل قطاع البناء أيضًا ضمن المجالات التي تعرف حضورًا لافتًا للشركات التركية في الجزائر.

ووقع الجانبان أيضًا مذكرتي تفاهم بين مجمع سوناطراك الجزائري الطاقوي والشركات التركية بوتاس ورونيسونس وباييجان يتضمن بناء منشأة للبتروكيماويات في المنطقة الحرة بأضنة بتركيا تصل قيمته لمليار دولار لإنتاج 450 ألف طن من البروبلين سنويًا باستخدام مواد خام توردها الجزائر، مما سيخفض اعتماد أنقرة على البتروكيماويات المستوردة من الخارج بنسبة 25%.

وتمثلت الاتفاقات الأخرى في اتفاق تعاون بالسياحة وبروتوكول تعاون لتثمين التراث الثقافي المشترك بين الجزائر وتركيا، ومذكرة تفاهم وتعاون في مجال الفلاحة ومذكرة تفاهم وتعاون بين المعهد الدبلوماسي للعلاقات الدولية الجزائري والأكاديمية الدبلوماسية بوزارة الخارجية التركية.

ويرجح أن يعمل المجلس الإستراتيجي على عقد اجتماعات دورية لوفدي البلدين لمتابعة الشراكة الاقتصادية ميدانيًا وتثمينها وحل العراقيل التي قد تقف في طريق التعاون الجزائري التركي.

صورة

وتأمل الجزائر في أن تكون الشراكة مع تركيا خارجة عن المجالات المعتادة المتمثلة في الطاقة التي يرغب الغرب الاستثمار فيها بالجزائر، إذ ترغب في الاستفادة من تجربتها في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعد أساس البرنامج الاقتصادي للرئيس عبد المجيد تبون الذي يقول إنه سيعمل على بعث اقتصاد البلاد من جديد بالبحث عن شراكات حقيقية مع مختلف المتعاملين سواء كانوا محليين أم أجانب.

وبالنسبة لعبد النور تومي الخبير والباحث في مركز دراسات شمال إفريقيا "أورسام"، فإن العلاقات الجزائرية التركية تتجه نحو التخلص من الحواجز التي وضعها في طريقها اللوبي الفرنسي الذي سعى في السنوات الماضية لعرقلتها، من خلال رموزه وأبرزهم الوزير الأول السابق أحمد أويحيى الموجود في سجن الحراش بالجزائر العاصمة بعد إدانته في قضايا فساد.

بحث الملف الليبي

تأتي زيارة أردوغان في ظرف تطور التشاور بين الجزائر وتركيا بشأن الأزمة الليبية وتقليص الخلاف بينهما خاصة ما تعلق بشأن التدخل العسكري التركي في ليبيا تنفيذًا للاتفاق العسكري الموقع مع حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، بعد اقتصار هذا الدعم على التدريب والتكوين للقوات الليبية فقط.

وشارك الرئيسان الأحد الماضي في مؤتمر برلين الذي خصص للأزمة الليبية، وعقدا لقاءً ثنائيًا تناول نظرة كل طرف لحل هذه القضية، مع تأكيد ضرورة وقف إطلاق النار.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم في ندوة صحفية مع نظيره جاويش أوغلو إن تركيا تدعم موقف بلاده الداعي إلى حل سياسي في ليبيا وإبعاد المنطقة عن الأجندات الأجنبية التي لا تخدم مصالح شعوبها.

وأضاف بوقادوم "لمست دعمًا وتأييدًا من الطرف التركي لمواقف الجزائر في جوارها الإقليمي، وبالأخص الحل السياسي وليس العسكري للأزمة في ليبيا"، وعقب تلك الزيارة، توالى التنسيق بين البلدين لحل الأزمة في ليبيا، وهو ما ظهر مع تزامن الزيارة الثانية لوزير الخارجية التركي مع زيارة وفد ليبي إلى الجزائر في 7 من يناير/كانون الثاني الحاليّ قاده رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج.

وتأتي زيارة أردوغان أيضًا عقب احتضان الجزائر الخميس اجتماعًا لدول الجوار الليبي في محاولة منها لإبعاد التدخلات الأجنبية في المنطقة، وهي خطوة لا تعارضها تركيا التي استهجنت في كل مرة التدخل الإماراتي والمصري في ليبيا، ما يعني أن أي قرار يخرج من قمة الجزائر يدعم الحل السياسي ويصب في خانة وقف إطلاق النار ووضع حد للتدخلات الأجنبية. 

البلدان بحاجة لتنسيق جهودهما لكي لا يكونا خارج سوق الغاز التي تطبخ أطرافها في البحر الأبيض المتوسط وبسببها تعقدت الأزمة الليبية

وتسعى الجزائر إلى حشد الدعم الدولي لعقد مؤتمر للحوار بين الأطراف الليبية، ولعل تركيا من بين أهم الدول التي تأمل الجزائر في وقوفها إلى جانبها في هذا المسعى، خاصة أن الموقف من حفتر واحد، رغم إيمان الجزائر أنه في المفاوضات يجوز الجلوس إلى طاولة واحدة حتى لو كانت مع أمير حرب إن كانت خاتمة هذا الجلوس الحل في الجارة الشرقية.

والأكيد أن زيارة أردوغان المرتقبة إلى الجزائر لن تكون كباقي الزيارات السابقة، بالنظر إلى الوضع الذي تعيشه الجزائر منذ حراك 22 من فبراير/شباط الماضي الذي غير كل شيء في البلاد حتى الذهنيات، وكذا بالنظر لحاجة البلدين لتعزيز شراكتهما وحاجتهما الملحة لبعض، فأنقرة بحاجة إلى وزن الجزائر لدخول السوق الإفريقية بقوة خاصة مع دخول اتفاق منطقة التبادل الحر الإفريقية حيز الخدمة، فيما الجزائر بحاجة إلى شريك اقتصادي ينقل لها الخبرة التي أثبتها في عدة ميادين، وقبل كل هذا، فإن البلدين يحتاجان لتنسيق جهودهما لكي لا يكونا خارج سوق الغاز التي تطبخ أطرافها في البحر الأبيض المتوسط وبسببها تعقدت الأزمة الليبية وتأجل إيجاد مفتاح حلها.