لحظة إزالة العلم البريطاني من مقر الاتحاد الأوروبي

خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبدأت فورًا في صنع تصوراتها الخاصة عن التجارة والأمن والهجرة، وفي الوقت نفسه أصبح الطريق ممهدًا أمامها للبحث عن أمجاد بريطانيا العظمى، المملكة التي لم تكن تغيب عنها الشمس، وخاضت رحلة مثيرة من الفوضى بين جنبات الاتحاد الأوروبي منذ الانضمام له، مما أدى إلى شل السياسة الإنجليزية، بحسب الساسة الجدد الذين يحاولون استرجاع مجد بلادهم القديم، ولكن السؤال: بأي طريقة يمكن أن يحدث ذلك؟ 

استعادة الدور العالمي

يوم الجمعة الماضي، كان اليوم الأول لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، ورغم الانقسام المجتمعي الحاد بشأن عملية الخروج، حيث أيد الانفصال 52% فقط من الناخبين البريطانيين، بينما كان يفضل النسبة الباقية من الإنجليز الحفاظ على 47 عامًا من العمل الأوروبي، فإن روح بريطانيا العظمى والمشاعر القومية والإحساس بالسمو الوطني كان مسيطرًا بشدة على مؤيدي رئيس الوزراء بوريس جونسون الذين تجمعوا أمام البرلمان في لندن وتبادلوا الأحضان والقبل، احتفالًا باستعادة استقلالهم مرة أخرى.

التدقيق في عيون المحفلين ومتابعة سجالاتهم على مواقع التواصل، يترك انطباعًا للمتلقي عن عملية الاستقلال عن الاتحاد الأوروبي، وكأن الإنجليز كانوا في أغلال احتلال استعماري وعادت إليهم بلدهم من جديد وأصبح بإمكانهم سماع صوتهم مرة أخرى بعد أن سلبهم البريكست أرواحهم وهويتهم الوطنية وكان يملي عليهم قراراتهم وتصوراتهم في كل شيء، وهي نظرة ربما تعكس قراءة المواطنين البريطانيين الجيدة للتاريخ، لا سيما أن لندن كانت دائمًا مصدر إزعاج لأي تكتلات أوروبية، منذ خمسينيات القرن الماضي. 

أي رصد للتاريخ الأوروبي، يستطيع استكشاف الحساسيات المتبادلة بين أوروبا وبريطانيا، حيث رفضت الأخيرة الانضمام إلى المجموعة الأوروبية للفحم والصلب التي سبقت إنشاء الاتحاد الأوروبي، عند تأسيسها عام 1952، وكان كليمنت أتلى رئيس الوزراء عن حزب العمال آنذاك، يقود الرأي الذي ينادي بالرفض المطلق لجميع أشكال التعاون مع الأوروبيين في مثل هذا التحالف، وبرر ذلك برفضه تسليم اقتصاد بلاده إلى سلطة غير ديمقراطية، على حد تعبيره، وترتب على ذلك عدم انضمام لندن أيضًا، للمجموعة الاقتصادية الأوروبية التي تشكلت من رحم المجموعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1957.

عام 1961 ومع انقسام أوروبا في الحرب الباردة، حاول هارولد ماكميلان رئيس الوزراء القادم من حواضن حزب المحافظين، تقديم أجندة مختلفة تمامًا لبلاده لعلاقاتها الأوروبية، من أجل الانضمام للمجموعة الاقتصادية، وحتى يحدث ذلك تبنى مجموعة مبادئ تدعو للوحدة والاستقرار في أوروبا، تكون بوابة النضال من أجل الحرية والتقدم في العالم بأسره.

صورة

أجندة ماكميلان ومبادئه لم تلق قبول باقي الأخوة الأعداء في أوروبا، وقادت فرنسا حملة شرسة لرفض انضمام بريطانيا، وبالفعل استطاع شارل ديغول تعطيل انضمام إنجلترا خلال حقبة الستينيات بدعوى عدائها للمشروع الأوروبي الموحد، وأقنع الداهية الفرنسي الأوربيين بالعداء المتجذر في الشخصية الإنجليزية للمشروع الأوروبي الموحد، ولكن بعد عناء طويل انضمت بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1973 بعد أن سحبت فرنسا اعتراضها إثر استقالة ديغول عام 1969. 

ظلت بريطانيا على عهدها في إثارة الأزمات سواء قبل الانضمام للموازنة الأوروبية عام 1984 أم بناء التوجه الفيدرالي لأوروبا عام 1988، مرورًا بالمرحلة التأسيسية الثانية في البناء الأوروبي، التي عرقلت الاجتماع الأوروبي على رأي واحد، وطلبت استثناءً يتيح لها عدم الانضمام للعملة الموحدة "اليورو"، نهاية بوصول ديفيد كاميرون إلى الحكم في يناير 2013، وتعهده بإجراء استفتاء بشأن بقاء عضوية بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، لتبدأ نوازع الانفصال في الاشتعال من جديد، ونجحت مع بوريس جونسون بداية هذا الشهر. 

لم تنتظر بريطانيا كثيرًا، للبحث عن أحلامها التوسعية بمعايير العصر، وكانت الإجابة الأولى في إفريقيا التي زارتها رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي خلال عام 2018، وهي الزيارة الأولى من نوعها لزعيم بريطاني منذ خمس سنوات، وجاء جونسون ليكمل المسيرة وينظم واحدة من أضخم الفعاليات الاستثمارية في العالم، مع القادة الأفارقة والمسؤولين التنفيذيين خلال قمة الاستثمار بلندن خلال الشهر الحاليّ، ووعدهم خلال اللقاء بأن يجعل بريطانيا - وليس الاتحاد الأوروبي ـ الشريك الاستثماري المفضل لهم. 

صورة

كان لافتًا حديث جونسون الناعم مع كوادر الشركات الكبرى في إفريقيا خلال القمة، وربط مصالحهم بمصلحة سياسة بلاده الجديدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، حيث كشف لهم رغبتها في استقطاب أقوى الكفاءات من أي دولة بغض النظر عن جنسياتهم، وكانت الرسالة واضحة للأفارقة الذين لمعت أعينهم أمام عروض جونسون، في ظل تضييقات ترامب عليهم وموجات العنصرية في الغرب الرافضة للهجرة إلى أوروبا، ما يعيد لبريطانيا دورها التاريخي في العالم كواحدة من أبرز البلدان التي يشد إليها الرحال.

طوال 47 عامًا، انغلقت بريطانيا على نفسها، وكانت معظم شراكتها الاقتصادية والسياسية ترتكز على الحياة المشتركة والتبادلات مع الاتحاد الأوروبي وحده دون غيره، خاصة أنها لم تستطع مضاهاة الدور الفرنسي الذي لم يخرج من إفريقيا رغم نفوذه القوي أوروبيًا، ووضح لقادة الرأي أن إنجلترا لا تستطيع العمل إلا وحدها، ولهذا فبداية استعادة بريطانيا العظمى، بالانفصال أولًا عن الاتحاد الذي كبل قراراها السياسي والاقتصادي والتحرر منه كاملًا. 

التودد لإفريقيا كشفت مغزاه الصحف الإنجليزية التي قدمت شرحًا تفصيليًا لما يدار في الغرف المغلقة، وأكدت أن غزوات جونسون الإفريقية محاولة مبطنة لاستعادة نفوذ لندن القديم في إفريقيا، حيث كانت المملكة المتحدة من قبل القوة الاستعمارية الرئيسية فيها، ولم يكن من المعقول تركها لفرنسا والصين وأمريكا، والآن أصبحت الساحة ممهدة للعودة بعد التخلص من قيود التجارة الخاصة بالاتحاد الأوروبي. 

لا يعترف جونسون ـ ترامبي النزعة ـ بمنطق المساعدات التي تتبعها فرنسا أحيانًا لشراء رضاء الأفارقة، ويلعب في المقابل على التجارة والاستثمار خاصة أن اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية التى تم توقيعها عام 2018 من 44 عضوًا في الاتحاد الإفريقي، تجعل إفريقيا كتلةً تجاريةً جبارةً ومكسبًا لأي دولة كبيرة، ولهذا أسست تريزا ماي، خلال رحلتها لإفريقيا علاقة ثنائية يمكن البناء عليها لجعل بريطانيا أكبر مستثمر في إفريقيا بحلول عام 2022.

عقبات

تستجيب العديد من الدول الكبرى حاليًّا لنداءات التاريخ، حيث أصبح الشعار الحاكم، من أجل أمريكا عظمى، أو الصين أو حتى تركيا، ولهذا تلعب إنجلترا في نفس المساحة، ويرفع جونسون شعار من أجل إعادة إطلاق بريطانيا العالمية مرة أخرى، وخاصة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، ورغم ذلك لا يقدم الكثير من الباحثين أي تفاؤل بقدرة المملكة المتحدة على استعادة دورها القديم.  

يقدم باتريك كوكبيرن، أحد أكبر المراسلين العسكريين في العالم رؤيته لهذه القضية، ويزعم أن انفصال إنجلترا عن الاتحاد سيؤدى لتقليص النفوذ البريطاني في العالم بشكل فوري، ويزايد في طرحه ويعتبر أنه فعل أحمق من بريطانيا التي ترغب في تدمير نفسها بنفسها، حيث كانت تقدم نحو 45% من صادراتها إلى دول الاتحاد الأوروبي، مقارنة بـ18% فقط للولايات المتحدة، كما أنها ستصبح فجأة دون حلفاء حقيقيين لأول مرة منذ أكثر من 200 عام.

يبني كوكبيرن رؤيته على إغفال أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، ضعف توازن القوى بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حال انفصالها عنه، لا سيما أنه أصبح خصمًا لها بعدما فشل المفاوضون البريطانيون في الحصول على الشروط التى يريدونها وتمكنهم من الحصول على نفس المكاسب القديمة، وهي الورقة التي رفض الاتحاد الأوروبي إعطاءها لإنجلترا خوفًا من تفشي نزعة الانفصال في دول الاتحاد. 

لا يتشاءم كوكبيرن وحده من عودة المارد الإنجليزي الذي انفصل عن هويته الأوروبية، بل يشاركه العديد من الكتاب الأفارقة والعرب، على رأسهم الكاتب السوري المقيم بباريس صبحي حديدي الذي أطلق تحذيرات متعددة لجونسون بعد أن حزم آخر حقائب خروج بلاده من بروكسيل، وطلب منه النظر إلى واشنطن التي تحاصر الصين حتى لا تقترب منها، ولن تسمح في المقابل لأوروبا الغربية أن تزدهر أكثر من الولايات المتحدة نفسها بافتراض أن جونسون استطاع تفنيذ أجندة غير مسبوقة، يعيد بها مجد بلاده في تحمل عبء الرجل الأبيض من جديد!