اتهامات للقضاء السعودي بافتقاد العدالة

في انتقاد جديد لسجل السعودية الحقوقي، وجهت منظمة العفو الدولية اتهامات لها بتوظيف القضاء توظيفا سياسيًا واستخدامه كأداة لإسكات المنتقدين والمدافعين عن حقوق الإنسان، معتبرة أن معظم الأحكام الصادرة بحق معارضين خلال السنوات الأخيرة جاءت في هذا الإطار، مفتقدة لأبجديات العدالة.

التقرير وثق ما سماه الأثر المفزع للمحاكمات أمام المحكمة الجزائية المتخصصة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والكتّاب والخبراء الاقتصاديين والصحفيين ورجال الدين ودعاة الإصلاح والنشطاء السياسيين، وبعض هؤلاء من الأقلية الشيعية في المملكة العربية السعودية التي عانى أبناؤها -وفق التقرير- محاكمات "بالغة الجور".

المديرة الإقليمية للمكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، هبة مرايف، ترى أن الحكومة السعودية تستغل المحكمة الجزائية "لإضفاء هالة خاطئة من المشروعية على إساءة استخدامها نظام جرائم الإرهاب لإسكات صوت معارضيها"، لافتة إلى أن كل مرحلة من مراحل العملية القضائية في هذه المحكمة مشوبة بانتهاكات حقوق الإنسان بدءًا بالحرمان من حق الاستعانة بمحام، مرورًا بالاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي، وانتهاء بالإدانات المبنية حصرًا على ما تسمى "اعترافات" تنتزع تحت وطأة التعذيب.

تتفق المنظمة الأممية مع العديد من التقارير الحقوقية الصادرة عن كيانات إقليمية ودولية في أن المحاكمات الأخيرة بشأن رجال دين وإصلاحيين وحقوقيين، كانت جائرة للغاية، وفي كثير من الحالات حكم على أشخاص بالإعدام بتهم غامضة تجرم المعارضة السلمية، وتضع العدالة محل اتهام وتشكيك.

اعترافات ملوثة بالتعذيب

من خلال توثيق قرابة 95 حالة، معظمها لرجال حكم عليهم أو ظلوا قيد المحاكمة بين عامي 2011 و2019، ويقضي 52 منهم أحكامًا بالسجن لفترات تتراوح بين خمسة أعوام وثلاثين عامًا، وتستمر محاكمة ما لا يقل عن 11 شخصًا، كشفت التقرير الأخير عن حالة استعداء واضح للعدالة في المملكة.

في 12 ديسمبر الماضي أشارت العفو الدولية أنها تلقت ردًا واحدًا من لجنة حقوق الإنسان السعودية الرسمية لم يعالج القضايا المثارة في التقرير مباشرة، لافتة إلى ما سمته "الحملة السعودية الصارمة" ضد بعض أبرز المدافعات عن حقوق الإنسان في وقت تحدثت فيه عن إصلاحات تتعلق بحقوق المرأة.

وتتصدر تهم "عصيان الحاكم" و"التشكيك في نزاهة النظام القضائي" و"التحريض على الاضطرابات" و"تشكيل منظمة غير مرخصة" قائمة التهم الموجهة للموقوفين، فيما جاءت معظم الاعترافات "ملوثة بالتعذيب" على حد تعبير المنظمة، تعليقا منها على إعدام 37 رجلًا في إبريل العام الماضي.

واختتمت المنظمة تقريرها بالإشارة إلى أنه "إذا أراد الملك (سلمان بن عبد العزيز) وولي العهد (محمد بن سلمان) السعوديان إثبات جديتهما في الإصلاحات فإن عليهما دون قيد أو شرط إطلاق سراح جميع سجناء الرأي وضمان إلغاء أحكامهم، وإعلان وقف رسمي لجميع عمليات الإعدام"، معلنة عن حملة تدعو للإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين بسبب تعبيرهم السلمي.

المحكمة الجزائية

وتعد المحكمة الجزائية الأداة الرئيسية لتحقيق "العدالة التعسفية" التي تخدم هوى السلطات الحاكمة، إذ شُكلت هذه المحكمة وهي هيئة قضائية شرعية تتولى النظر في محاكمة الموقوفين والمتهمين في قضايا الإرهاب وقضايا الأمن الوطني والجرائم المرتبطة به، بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني 2008، وتتوزع فروعها على جميع محافظات ومناطق المملكة.

ووفق النظام العام القضائي في السعودية تتبع تلك المحكمة المجلس الأعلى للقضاء الذي يعينه الملك أو ولي عهده، ويحق لهم تغيير قضاة تلك المحكمة، ووضع التهم وإدانة المتهمين والحكم عليهم بالإعدام، طبقا لتفسيرهم الخاص للشريعة، وبناء على تهم خيانة الأمانة تجاه الحكام أو التورط في خلايا إرهابية، وهي الاتهامات التي لا يوجد لها تفسير محدد. وقد بدأت تلك المحكمة أولى المرافعات في 26 يونيو/حزيران 2011 لمحاكمة 85 شخصا يشتبه في تورطهم في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتفجيرات مجمع الرياض 2003.

ولهذا الكيان القضائي سجل حافل في تقديم المئات للمحاكمات بسبب أرائهم أو مواقفهم السياسية والفكرية، ففي سبتمبر/أيلول 2011 ظهر 41 من المشتبه بهم بالانضمام لتنظيم القاعدة في المحكمة، وفي العام نفسه، عقدت المحكمة جلسات محاكمة الناشطين في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك محمد صالح البجادي، الشريك المؤسس لجمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية، ومبارك بن زعير، وهو محامٍ للسجناء، بالإضافة إلى خالد الجهني، الذي تحدث إلى تلفزيون "بي بي سي" العربية خلال احتجاج في الرياض.

وفي 22 نوفمبر 2011 أدانت 16 من نشطاء حقوق الإنسان بالسجن لمدد تراوح ما بين 5-30 سنة، وهي المحكمة ذاتها التي أصدرت 37 تهمة على عدد من الشيوخ والدعاة بالمملكة بعد حملة الاعتقالات التي طالت عددا كبيرا من الدعاة أبرزهم سلمان العودة وعلي العمري وعوض القرني.

  تسييس وتبعية

الشواهد القضائية التي مُررت محليًا في المملكة في الأونة الأخيرة فقط أثارت الجدل حول نزاهة النظام القضائي السعودي واستقلاليته وأداءه بعيدًا عن الرضوخ للسلطة، فالأحكام الصادرة بحق قتلة الصحفي المعارض “جمال خاشقجي”، ومن قبلها الاتهامات بتسييس الأحكام القضائية لا سيما في قضايا تتعلق بالأمن القومي السعودي أو الجماعات المعارضة، بالإضافة إلى إقالة عدة مجموعات من القضاة من مناصبهم بسبب مخالفة أحكام أصدروها لهوى السلطة في قضايا متعددة؛ كل هذا يصب في ذات الإطار.

العديد من الكيانات الحقوقية السعودية ترى أن أداء النظام القضائي السعودي كان مثار اتهامات كثيرة من قبل،لافتة إلى أن معظم التوصيات الحقوقية المقدمة في المحافل الدولية ضد المملكة، تأتي نتيجة لخطوات اتخذها النظام القضائي في قضايا معينة، أوإهماله القيام بواجباته التي من المفترض أن يقوم بها.

تلك التوصيات الحقوقية الأممية دعت أكثر من مرة لإصلاح النظام القضائي السعودي والمطالبة باستقلاله، هذا بجانب ما تراه العديد من المؤسسات الأهلية المهتمة بالشأن السعودي خارجيًا، أو حتى داخليًا في النظام القضائي بالمملكة كنقطة ضعف، يمكن من خلالها انتهاك الكثير من الحقوق الأساسية للمواطنين، لذلك طالبوا هم أيضًا بضرورة إصلاح القضاء بالسعودية، وإعطائه استقلاليته المفروضة.

ومما يعزز تلك الشواهد تصدر السعودية قائمة الدول الأعلى في معدلات الانتحار في العالم، وذلك وفق ما صرحت مؤسسة هيومن رايتس ووتش، بعد أن قامت السلطات السعودية في 23 أبريل/نيسان 2019 بإعدام 37 رجلًا إعدامًا جماعيًا، وتقول المؤسسة إن 33 على الأقل من أصل الـ 37 المتهمين بالقضية أُدينوا في أعقاب محاكمات جائرة لمختلف الجرائم المزعومة، منها المرتبطة بالاحتجاج، والتجسس، والإرهاب.

بن سلمان وأحكام الإعدام

يعتبر البعض أن سياسات ولي العهد، محمد بن سلمان، قد عبّدت الطريق أمام تسريع الإعدامات في بلاده، وأعطت الضوء الأخضر لتنفيذ المزيد منها؛ تحت غطاء محاربة الإرهاب، كما طالت رؤوس العديد من المعارضين المحتجزين سابقاً، وهو ما وثقته العديد من المنظمات الحقوقية في الداخل والخارج.

في تحقيق لمنظمة "ريبريف" البريطانية، وهي مؤسّسة حقوقية تتخذ من لندن مقراً لها، نشرته في مارس 2018، كشفت تسجيل أعلى عدد من الإعدامات بالسعودية في عام واحد، خلال ولاية بن سلمان التي بدأت منذ تعيينه وزيراً للدفاع في عام 2015، حيث تضاعفت الإعدامات مؤخراً بصورة لم تشهدها المملكة.

التحقيق المستند إ‘لى تحليلات وإحصائيات رسمية أظهر أنه في الأشهر الثمانية بعد تعيين بن سلمان، وفي الفترة ما بين يوليو 2017 وفبراير 2018، نُفّذت 133 عملية إعدام في المملكة، مقارنة بـ67 إعداماً في الأشهر الثمانية السابقة؛ من أكتوبر 2016 وحتى مايو 2017.

وقد صرّحت مديرة "ريبريف" مايا فوا: "إن مضاعفة عمليات الإعدام تكشف أن ابن سلمان يُخفي تحت صورته العامة اللامعة أشد الصور وحشيّة في تاريخ المملكة الحديث"، وهي الأرقام ذاتها التي تُقارب ما عرضته منظمة العفو الدولية، لتحتل الرياض المرتبة الثالثة عالميًا من حيث الإعدامات؛ بعد الصين وإيران.

وفي محاولة لقراءة ما بين السطور بشأن تزايد حالات الإعدامات وفق محاكمات تفتقد لأبجديات العدالة، تأتي المرتكزات التي تقوم عليها المؤسسة القضائية لتزيل النقاب قليلا عن هذه الإشكالية، فالمؤسسة ظاهريًا تقوم على قواعد الشريعة الإسلامية وفقا لتفسير المذهب الفقهي الحنبلي، وعليه يلتزم القضاة السعوديون بالأحكام الفقهية "الحنبلية"، لكنهم أيضا يتمتعون بسلطة تمنحهم حق تقدير القضية والاجتهاد في الحكم عليها وفقا لتفسير كل قاضٍ.

وعليه وفي ظل سيطرة ولي العهد ووالده على خارطة التعيينات في معظم الهيئات القضائية بالتوازي مع سياسة القمع المتبعة ضد كل من يفكر أن يغرد منفردًا خارج السرب المرسوم فإن الحديث عن عدالة ناجزة هو حديث مناف شكلًا وموضوعًا للواقع، الأمر ذاته عند الحديث عن استقلالية قضاء المملكة ونزاهة أحكامه.