لا شك أن للوجود الأمريكي مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية في العراق والشرق الأوسط، لكن هناك بعض الممارسات قد يفسرها البعض بأنها تنتهك السيادة العراقية، إلا أن المصلحة والفائدة العراقية الإستراتيجية تقتضي بقاء القوات الأمريكية والتغاضي المرحلي عن التجاوزات - إن اتفق الجميع على أنها تجاوزات - وذلك لأن التداعيات والانعكاسات والعقوبات الأمريكية المحتملة ستعصف بالدولة العراقية ككل أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا وحتى جيوسياسيًا.

أربيل أهم من بغداد

بعد خضوع نصف البرلمان العراقي وحكومة عبد المهدي لضغوط إيران والميليشيات والكتل السياسية القريبة والبعيدة عن طهران - قبل وبعد اغتيال سليماني - من أجل إخراج القوات الأمريكية بداعي حفظ السيادة، بدأت الولايات المتحدة تبتعد عن بغداد وتتجنب المرور بها في معظم زيارات مسؤوليها وترفع من أهمية أربيل سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وذلك لرغبة الكرد ببقاء القوات الأمريكية واستشعارهم بالأخطار الأمنية ولتجنب تداعيات الانسحاب التي ستؤثر قطعًا على الإقليم اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا.

إن التفاهمات الأمريكية الكردية هي الأوثق والأعمق في العراق وترى واشنطن أن الإقليم يوفر الحماية للبعثات الدبلوماسية والقوات الأمريكية أفضل من بغداد، خاصة بعد محاولات حرق السفارة الأمريكية من الميليشيات وتنفيذ هجمات متكررة على القواعد التي توجد فيها قوات أمريكية في كركوك والأنبار.

خيار واشنطن للبقاء

في المرحلة الحاليّة تدعم الولايات المتحدة العراق على وضعه الحاليّ دون إجراء تغييرات على مستوى السلطة وتوزيعها، وقد رفضت - أو لم تدعم - إنشاء الأقاليم في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى سابقًا، ولم تؤيد استفتاء إقليم كردستان على الانفصال في مرحلة ما بعد داعش، لكنها اليوم إن اضطرت على وقع الضغوط الحكومية العراقية واستجابة نفوذ إيران في العراق على إخراج قواتها، فستدعم الكونفدرالية الكردية في الشمال وإنشاء إقليم غرب العراق من أجل البقاء في قاعدة عين الأسد في الأنبار وحرير في أربيل.

وقد طرح السيناتور الأمريكي نارك روبر سؤالًا لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر بشأن الوجود الأمريكي والحليف الموثوق لواشنطن في العراق قائلًا: هل آن الأوان لمساندة استقلال كردستان؟ فأجابه بأن واشنطن تدعم عراقًا موحدًا في المرحلة الحاليّة، مما يعني أن هناك خيارات أمريكية تطبخ على نار هادئة وأن دعم الكونفدرالية الكردية أحد الخيارات التي يتم تدارسها في واشنطن.

ناهيك عن أن إحياء خيار الإقليم الغربي للعراق مطروح على الطاولة وقد أثير في الأسابيع الماضية كورقة ضغط على الحكومة لثنيها عن الخضوع لنفوذ إيران والمضي والاستمرار بالضغط لإخراج القوات الأمريكية.

تساؤلات سنية في مبررات البقاء

ليس هناك دولة ترضى أن تبقى القوات الأجنبية على أرضها، لكن وبحكم المساعدة الأمريكية التي طلبها العراق من الولايات المتحدة 2014 عندما كانت داعش تتقدم ووصلت إلى أبواب بغداد، أصبح الوجود الأمريكي شرعيًا وبقانون شرعه البرلمان ولا يُلغى إلا بقانون تقدمه السلطة التنفيذية للبرلمان ويكون بتصويت الثلثين وليس النصف + 1، وذلك غير ممكن في المرحلة الحاليّة لأن الحكومة مستقيلة وهي لتصريف الأعمال فقط والحكومة المكلفة بحاجة لعام لتتشكل وتمضي وستكون ضعيفة وستواجه الكثير من التحديات ومن غير المحتمل فتح هكذا ملف وهي في حالة ضعف إلا إذا قررت الانتحار سياسيًا. 

لا يزال الجناة يتمتعون بحصانة وبعضهم لا يزال يمارس العمل السياسي والأمني

لكن بما أن الوجود الأمريكي أساسًا كان لمحاربة تنظيم داعش بعيدًا عن الاعتبارات الأخرى، هناك عدد من التساؤلات عن إخراج القوات الأمريكية كون مدنهم الأكثر تضررًا في العراق على جميع المستويات الإنسانية والمادية والأمنية والاقتصادية والسياسية، فهل هناك ضمان من عدم عودة داعش إلى العراق؟ خاصة أن التقارير الغربية والعراقية تشير إلى أن تنظيم داعش أعاد ترتيب صفوفه ولا يزال يملك 300 مليون قادر على استخدامها في تمويل عملياته، ناهيك عن أن القوات الأمنية العراقية غير قادرة على صد أي هجمات أو اختراقات دون مساعدة الحلفاء، وهل حاكمت السلطات العراقية من سلم المدن لداعش من دون قتال لنضمن عدم تكرار المأساة؟ قطعا لا، ولا يزال الجناة يتمتعون بحصانة وبعضهم لا يزال يمارس العمل السياسي والأمني

وهل أطلقت الحكومة مشاريع الإعمار في المدن المدمرة؟ ما فعلته الحكومة هو إطلاق الوعود فقط، ولعدم وجود مساءلة ومحاسبة ومتابعة ستبقى تلك المشاريع حبرًا على ورق، إلا المشاريع الذاتية والمحلية التي ينجزها أبناء المحافظات المدمرة. وهل عاد النازحون والمهجرون إلى مدنهم المحررة؟ عاد معظم النازحين إلى مدنهم، ولكن لا يزال الكثيرون في الخيام وتمنع الميليشيات - في مناطق حزام بغداد وغيرها - عودتهم بعد سيطرتها على مدنهم.

وهل حُصر السلاح بيد الدولة وضبطت الميليشيات بعد الانتصارات على داعش؟ لا، ولا تزال الميليشيات مسيطرة على بعض المناطق التي دخلتها إلى اليوم، بل أصبحت أكثر قوةً وبدأت تهدد دول الجوار العراقي وليس العراق فحسب وسلطته وسيادته، خاصة مع وجود ميليشيات عقائدية أيديولوجية تدين بالولاء لإيران بشكل علني كحزب الله العراقي والنجباء وسرايا الخراساني وغيرهم، لذا ليس هناك مبرر لانسحاب القوات الأمريكية إلا بعد ضمان عدم عودة داعش ومعالجة تداعيات الحرب وأن يكون ذلك بإجماع عراقي.