شهد الوضع العراقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي انقلابًا تامًا بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، فبعد أن كان حزب البعث المتمثل بعائلة صدام حسين، يدير العراق على مدى 36 عامًا، جاء الغزو الأمريكي ليزيح نظام الحكم في البلاد، ويشهد العراق ولادة تيارات سياسية جديدة تتحكم بمجملها عدة عائلات حاكمة. 

"نون بوست" يفتح ملف العوائل الحاكمة في العراق التي تشمل عوائل الصدر والحكيم والبارزاني والطالباني والكرابة والنجيفية.

ما هي العوائل الحاكمة؟

يشهد العراق منذ عام 2003 نوعًا من الانفتاح السياسي الذي شمل تعددية الأحزاب والحكومات وما تبع ذلك من مشاكل وصراعات سياسية واقتصادية وأمنية.

وتبرز في الساحة العراقية عوائل عدة لا تزال تتصدر المشهد السياسي في البلاد بنسبة لا تقل عن 70% بالمجمل، إذ إن لكل عائلة مصالح اقتصادية ونفوذ سياسي وأمني وحزبي وتشارك في البرلمان والحكومة ولا تزال منذ 17 عامًا. ولعل أبرز هذه العوائل عائلة (آل الصدر) التي يصدح اسمها في العراق منذ بدء التظاهرات الشعبية الواسعة التي انطلقت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي ولا تزال مستمرة. 

عائلة الصدر

تنحدر عائلة الصدر من العراق، إلا أن لهذه العائلة تسميات عديدة سبقت التسمية الأخيرة، إذ اتخذت ألقابًا مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين، فكانت هذه العائلة تلقب تارة بآل أبي سبحة، ثم بآل حسين القطعي ثم بآل عبد الله ومن بعدها بآل أبي الحسن، ثم آل شرف الدين وأخيرًا بآل الصدر.

تشير المراجع التاريخية إلى أن الثلث الأول من القرن العشرين شهد تحوّرًا من آل صدر الدين إلى آل الصدر المعروف حاليًّا، فتؤكد المراجع التاريخية الشيعية أن نسب هذه العائلة المعروفة في العراق يرجع إلى رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. 

عرفت العائلة في العصر الحديث من خلال محمد صادق الصدر الذي قتل عام 1999 بحادث سيارة، وتشير بعض الترجيحات باغتياله بحادث مدبر من السلطات العراقية، عرف محمد صادق الصدر بعلمه واجتهاده في المذهب الشيعي وهو والد رجل الدين المعروف حاليًّا في الأوساط العراقية مقتدى الصدر.

برز دور مقتدى الصدر بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مستعينًا بتاريخ أسرته العريق في خط المرجعيات الشيعية

أما محمد جعفر الصدر فهو ابن عم محمد صادق الصدر - والد مقتدى الصدر - وأعدمه نظام صدام حسين عام 1980.

لعائلة الصدر تاريخ طويل في العمل السياسي، فكان تأسيس حزب الدعوة على يد محمد جعفر الصدر وكانت له مواقف معادية للنظام السابق إضافة إلى مواقف شبيهة من محمد صادق الصدر.

لم ينقطع العمل السياسي لهذه العائلة باغتيال اثنين من أبرز قادتها في القرن الماضي، فقد برز دور مقتدى الصدر بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مستعينًا بتاريخ أسرته العريق في خط المرجعيات الشيعية، وأضحى الصدر الابن زعيمًا جماهيريًا يحظى بتأييد أعداد كبيرة من شيعة العراق.

تكمن قوة الصدر الجماهيرية في اتباع أنصاره لجميع تعليماته وإرشاداته وهو ما جعله قادرًا على تحريك الشارع في المحافظات الوسطى والجنوبية، وباتت عائلة الصدر منذ عام 2003 من العوائل الحاكمة في العراق.

منذ عام 2004، بات مقتدى الصدر يقود مجموعة مسلحة تحت مسمى "جيش المهدي" الذي خاض معارك عدة في مناطق جنوب العراق وأشرسها عام 2004 في مدينة النجف ضد القوات الأمريكية ثم الحرب الطائفية ضد السنة، ثم ومع الخلاف الذي نشب بينه وبين رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي واندلاع صراع مسلح بينهما في جنوب العراق، حلّ الصدر هذا الجيش وأنهى تسميته واعتزل العمل السياسي حتى اندلعت التظاهرات الشعبية عام 2013 في مناطق شمال وغرب العراق ليستأنف الصدر نشاطه السياسي والعسكري من خلال تشكيل فصيل مسلح جديد حل محل جيش المهدي سمي "سرايا السلام" المنضوية تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي في العراق. 

لم يغب التيار الصدري عن أي مشاركة سياسية منذ الغزو الأمريكي، إذ شارك في جميع الدورات البرلمانية على مدى الـ17 عامًا الماضية، وعرف تياره بتقلبه الشديد سياسيًا ما بين التحالف مع المالكي ثم الخصومة معه، ومن انتقاد إيران وشجب تدخلها في العراق إلى أن بات مقتدى الصدر خلال السنوات الماضية طالبًا في حوزة قم الدينية.

أصبح الصدر منذ عام 2018 أحد الشركاء الرئيسيين في حكومة عادل عبد المهدي بـ5 حقائب وزارية و56 نائبًا في البرلمان الذي يتكون من 329 مقعدًا. 

كان الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 فارقًا في مسيرة التيار الصدري، فمع اندلاع التظاهرات الشعبية في وسط وجنوب العراق المنددة بالفساد والأحزاب الحاكمة في البلاد، دعم الصدر التظاهرات الشعبية من خلال زجه بالآلاف من مناصريه في ساحات التظاهر والاعتصام مع الإبقاء على وزرائه ونوابه في مواقعهم السياسية، ما اضطر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي للاستقالة في الأيام الأخيرة من عام 2019. 

ومع استمرار التظاهرات الشعبية بعيد استقالة عبد المهدي، استمر دعم الصدر للتظاهرات، حتى الأول من فبراير/شباط الماضي حين انقلب الصدر على المتظاهرين عقب تكليف محمد توفيق علاوي برئاسة مجلس الوزراء، ليأمر الصدر أتباعه بالانسحاب من ساحات الاعتصام في بغداد والنجف وكربلاء والناصرية والبصرة، ليكون هذا المشهد آخر تقلبات التيار الصدري الذي يتزعمه سليل عائلة آل الصدر في العراق مقتدى الصدر. 

عائلة الحكيم

عائلة أخرى تعد من العائلات الحاكمة في العراق وهي عائلة الحكيم التي يتزعمها الآن رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم.

تنحدر عائلة الحكيم من مدينة النجف جنوب العراق، وللعائلة عشرات العلماء في المذهب الشيعي الذين كانوا يعدون من الحجج الدينية، لكن أبرز من ظهر على الساحة العراقية من عائلة الحكيم عقب الغزو الأمريكي محمد باقر الحكيم الذي كان مرجعًا دينيًا وسياسيًا، وترأس حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق منذ عام 1986 الذي كان مقره إيران.

عاد محمد باقر الحكيم إلى العراق عقب الغزو، لكن مسيرته انتهت باغتياله في أغسطس/آب 2003 بسيارة مفخخة في النجف أودت بحياته رفقة 80 شخصًا كانوا يصلون في مرقد الإمام علي.

يمتلك عمار الحكيم فصيلًا مسلحًا منضويًا ضمن الحشد الشعبي ويعرف بـ"سرايا الجهاد والبناء"، إضافة إلى تمثيل نيابي في البرلمان

بعد مقتله، تولى عبد العزيز الحكيم قيادة المجلس الأعلى عام 2003، ثم شغل مقعدًا في مجلس النواب العراقي حتى وفاته عام 2009 بمرض عضال، ليخلفه ابنه عمار الحكيم.

تعد عائلة الحكيم من العائلات الحاكمة في العراق نظرًا لنفوذها الكبير في مختلف الملفات السياسة والاقتصادية، فبحسب العديد من المصادر فإن تيار عمار الحكيم يسيطر على عشرات العقارات السكنية والتجارية في منطقتي الجادرية والكرادة الراقيتين وسط بغداد، فضلًا عن عقارات مثلها في النجف تعود ملكياتها لوزارة المالية أو مسجلة بأسماء مسؤولين في النظام السابق.

يمتلك عمار الحكيم كذلك فصيلًا مسلحًا منضويًا ضمن الحشد الشعبي يعرف بـ"سرايا الجهاد والبناء"، إضافة إلى تمثيل نيابي في البرلمان بـ19 مقعدًا، ما أهله - بزعامته لعائلة الحكيم - ليكون أحد أكبر أباطرة المال والاقتصاد والسياسة في العراق. 

عائلة النجيفية.. دخول في المعترك السياسي بعيد الغزو

على خلاف بقية الأسر الحاكمة في العراق، لم يكن لعائلة النجيفي في العراق حضور سياسي بارز قبل الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، إذ برزت هذه العائلة إلى واجهة الأحداث في العراق بعد الغزو.

يتمثل الظهور السياسي لعائلة النجيفي المنحدرة من مدينة الموصل في العراق من خلال الأخوين أسامة وأثيل النجيفي، إذ تبوأ أسامة أول منصب سياسي له كوزير للصناعة والمعادن عام 2005 ثم نائبًا في البرلمان ثم رئيسًا لمجلس النواب وبعدها نائبًا لرئيس الجمهورية، وفي الانتخابات الأخيرة حصل أسامة النجيفي على مقعد في البرلمان العراقي منذ عام 2018.

بينما اقتصر ظهور أخيه أثيل النجيفي في شغله منصب محافظ نينوى منذ عام 2008 وحتى 2015 بعد أن أُقيل من منصبه على خلفية اكتساح تنظيم الدولة (داعش) لمحافظة نينوى ولمساحات واسعة من العراق في يونيو/حزيران 2014.

للعائلة تاريخ سياسي محدود، إذ كان جد النجيفي "محمد النجيفي" نائبًا في البرلمان بالعهد الملكي، وكان والده أيضًا عضو برلمان في دورات متعاقبة في الفترة الممتدة السابقة للغزو الأمريكي للبلاد. 

عائلة الكرابلة

كحال عائلة النجيفي، لا تملك عائلة الكرابلة المنحدرة من محافظة الأنبار غرب العراق تاريخًا سياسيًا قبل عام 2003، إلا أن هذه العائلة أو العشيرة استطاعت ومن خلال السياسة والمفاوضات الحصول على كثير من المناصب والنفوذ في غضون سنوات قليلة. 

في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في مايو/أيار 2018، حصلت عائلة الكرابلة على 5 مقاعد برلمانية فقط، إلا أن الكثير من السياسيين يؤكدون أن العائلة استطاعت تحويل هذه المقاعد الخمس إلى ما يقرب من 50 مقعدًا في حجم نفوذها وسيطرتها وتوسعها السياسي داخل الحكومة وفي مختلف المناصب الإدارية الحساسة. 

احتلت عائلة الكرابلة عددًا من المناصب الرفيعة في الحكومات المتعاقبة ومن بينها عدة وزراء

فوفقًا لنظام النقاط في توزيع المناصب بين الكتل السياسية، استطاعت عائلة الكرابلة حتى الآن الحصول على مناصب تنفيذية تعادل أكثر من 50 مقعدًا برلمانيًا، ما يعني أنهم تمكنوا عبر طرق عديدة من مضاعفة تأثير المقاعد الخمس، نحو 10 مرات.

ووفقًا للمشهد السياسي، احتلت عائلة الكرابلة عددًا من المناصب الرفيعة في الحكومات المتعاقبة ومن بينها عدة وزراء، ويعد النائب في البرلمان جمال الكربولي أحد أبرز السياسيين الكرابلة ويمتلك قناة فضائية مؤثرة (دجلة) تسببت في كثير من الحرج لحكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، ونتيجة لذلك فرضت السلطات (هيئة الإعلام والاتصالات) قبل أسابيع عقوبات على القناة لنقلها التظاهرات العراقية التي بدأت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي ولا تزال مستمرة حتى الآن. 

عائلة البرزانيين

لعائلة البرزانيين في العراق تاريخ طويل يمتد إلى عقود خلت، فقد برزت العائلة في الأب المؤسس لتاريخ العائلة السياسي مصطفى البرزاني.

تنتمي عائلة البارزاني الكردية إلى مؤسسها الشيخ محمد أحد شيوخ الطريقة النقشبندية، أما اسم البارزاني فهو نسبة إلى قرية بارزان التي ولد وعاش فيها الشيخ محمد.

من الأسماء المشهورة في هذه العائلة الشيخ عبد السلام البارزاني الذي - وفقًا للوثائق التاريخية -، رفض إرسال أنصاره إلى الجيش العثماني ليقاتلوا إلى جواره في الحرب العالمية الأولى، كما امتنع أيضًا عن دفع الضرائب للدولة العثمانية وتمرد عليها في مدينة عقرة شمالي الموصل، فوجهت إليه الدولة العثمانية حينها قوة عسكرية كبيرة أُسر على إثرها ومن ثم أُعدم في الموصل عام 1916.

تولى قيادة الحركة الكردية في منطقة بارزان من بعده أخوه الشيخ أحمد الذي تعاون مع القوات البريطانية التي غزت العراق بعد انهيار الدولة العثمانية.

عائلة البازراني من أقوى العائلات الكردية التي تسيطر فعليًا على إقليم كردستان وتتمتع بحكومة وجيش (البيشمركة)

كان أول صدام مسلح بين عائلة البرزانيين والحكومة العراقية في العهد الملكي عام 1932 عندما رفضت العائلة نشر نقاط خفر شرطية في المنطقة، وبعد سلسلة من الهدن ونقضها تولى مصطفى البارزاني شقيق الشيخ أحمد مسؤولية الحركة الكردية وهو الذي قاد الحركة المسلحة وهو في ذات الوقت والد مسعود البارزاني مسؤول الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على محافظتي أربيل ودهوك ضمن إقليم كردستان شمالي العراق. 

منذ عام 1991 استطاع الأكراد الحصول على حكم شبه ذاتي في مناطق وجودهم وذلك إثر الحصار الذي فرض على العراق والحظر الجوي الأممي في مناطق سيطرتهم، واستمر الحال حتى عام 2003 عندما غزت الولايات المتحدة العراق ليدخل الأكراد بعدها العمل السياسي ويشاركون في جميع الحكومات العراقية التي أعقبت الغزو.

تعد عائلة البازراني من أقوى العائلات الكردية التي تسيطر فعليًا على إقليم كردستان وتتمتع بحكومة وجيش (البيشمركة)، وللعائلة أو الحزب نفوذ سياسي كبير ومقاعد كثيرة في البرلمان العراقي ببغداد، يشاطرها في ذلك حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تزعمه الراحل جلال الطالباني الذي تعد عائلته أيضًا من العوائل الحاكمة في البلاد. 

عائلة الطالبانيين

لم يكن لعائلة الطالباني أي حضور سياسي، وكان أول حضور للعائلة من خلال جلال الطالباني أو مام جلال أي العم جلال، وهو ابن الشيخ حسام الدين الشيخ نوري، ابن الشيخ غفور طالباني، وُلِدَ عام 1933 في بلدة كلكان قرب سد دوكان، وانتقل إلى مدينة كويسنجق في محافظة السليمانية شمال شرق العراق.

كان جلال الطالباني عضوًا في حزب مصطفى البارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، إلا أنه انشق عن الحزب عام 1974 احتجاجًا على دعوة مصطفى البارزاني جميع المقاتلين الأكراد إلى إلقاء السلاح بعد تخلي الشاه الإيراني عن دعم البارزاني بالمال والسلاح عام 1974.

حينها استطاع الطالباني تجاوز الحدود العراقية الإيرانية مع 700 من مرافقيه إلى إيران، وبعدما سافر واستقر في سوريا، شكّل الطالباني حزبًا جديدًا هو "الاتحاد الوطني الكردستاني" عام 1975.

ونتجية للخلاف بين الاثنين تفرقت المناطق الكردية بين نفوذ العائلتين ووصلت العلاقة بينهما إلى مرحلة القتال المسلح العنيف عام 1996 عندما استطاع الطالباني الوصول بقواته إلى مشارف مدينة دهوك، إلا أن تدخل الجيش العراقي في تلك الفترة حال دون سيطرة الطالباني على كامل مساحة إقليم كردستان. 

تعد عائلة الطالباني العائلة الحاكمة الثانية في إقليم كردستان بعد عائلة البارزاني، إلا أن جلال الطالباني حظي بما لم يحظ به غريمه مسعود البارزاني، إذ تبوأ منصب رئاسة جمهورية العراق كأول رئيس للجمهورية غير عربي للفترة بين عامي 2005 و2014.

توفي جلال الطالباني في أكتوبر/تشرين الأول 2017 نتيجة وعكة صحية بعد أن قضى 7 عقود من حياته في العمل السياسي، إلا أن إرثه السياسي استمر في حزبه ومن خلال نجليه بافال وقوباط اللذين يسيطران فعليًا على مدينة السليمانية من خلال حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ولديهما نفوذ اقتصادي وسياسي كبير في الإقليم وخارجه.