تُعرف بـ إدلب الخضراء لكثرة أشجار الزيتون فيها، هي أرض مملكة إيبلا العريقة التي يعود تاريخها إلى الألف الرابع قبل الميلاد، المدينة المشهودة بجغرافيتها المميزة وتاريخها الحافل منذ آلاف السنين، فقد سبق وأن شكلت إيبلا حاضرة تاريخية وسياسية واقتصادية منذ أيام الفراعنة القدماء، ولكن المدينة في عهد نظام الأسد لاقت ظلمًا وإهمالًا كثيرًا في شتى نواحي الحياة لا يتلاقى مع تاريخها أبدًا.

إدلب اليوم، ترقبها ملايين العيون بعد أن أصبحت محور صراعٍ سياسي وإقليمي، وباتت حديث العالم في جميع المحافل، فماذا تعرف عن هذه المدينة المنسية؟

محافظة إدلب

تقع على البوابة الشمالية لسوريا التي تطل منها على تركيا وأوروبا، وهي صلة الوصل بين المنطقتين الساحلية والوسطى والمنطقتين الشمالية والشرقية في سوريا، كانت قديمًا تتبع إداريًّا لمدينة حلب، وتحولت مدينة إدلب إلى مركز محافظة عام 1958 بعد زيارة رئيس الجمهورية العربية المتحدة آنذاك جمال عبد الناصر، وبناءً على طلب أهلها منه ألغيت تبعيتها لحلب المدنية، وأعلنت مركز محافظة.

تضم المحافظة أكثر من 400 موقع أثري منهم 200 تل أثري يحيط بها فقط، وتشتهر تاريخيًا كونها البقعة الجغرافية التي قامت عليها مملكة إيبلا التي لا تزال بقايا آثارها موجودة حتى اليوم في منطقة "تل مرديخ" بالقرب من إدلب المدينة.

على مقربة من مركز المحافظة يوجد خان عثماني بديع يعدّ واحدًا من أهم وأكبر متاحف الفسيفساء في الشرق الأوسط تحتويه مدينة معرة النعمان التي تحتضن قبر أبي العلاء المعري أيضًا، ونحو الشرق على بعد بضعة كيلومترات تخشع الروح في الدير الشرقي لضريح الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز.

حيثما ولّيت وجهك قبل التاريخ ترى مدن إدلب المنسية حاضرةً بكل وضوح وشموخ، تروي عليك من أحسن القصص، من معركة حارم وثورة الجبل إلى عصيان الأسد وثورة الكرامة، تراودك عن نفسك لتغرق في تاريخها الكبير، وتتوق لتكتب ثوراتها ومدنها حبرًا بعيدًا عن الخذلان والنسيان.

معركة تل حارم

معارك عظيمة وفتوحات كثيرة خاضها المسلمون عبر التاريخ، وكانت فترة حكم الدولة العباسية من أغناها وأوسعها، ولا يغيب عن الذكر في سياق الدولة العباسية الحديث عن فتوحات صلاح الدين الأيوبي وعماد الدين الزنكي ونور الدين الزنكي المعروف بنور الدين الشهيد، وتعتبر معركة "تل حارم" واحدة من أعظم المعارك التي خاضها الزنكي ضد الفرنجة وكسر بها الصليبيين لفترة طويلة بعدها.

يذكر التاريخ، بعد هزيمة نور الدين الشهيد من الصليبيين في يوم البقيعة من سنة 558هـ أنه أقسم ألا يستظل بسقف حتى يأخذ ثأر الإسلام من الصليبيين، وبدأ بالاستعداد والتجهيز لفتح "تل حارم" وقلعتها الحصينة التي تتحكم في الطريق بين أنطاكية وحلب وحمص، واليوم الواقع في 11 من أغسطس 1164م حقق المسلمون بقيادة نور الدين الزنكي نصرًا كبيرًا على الفرنجة في موقعة تل حارم، ووفق ما ذكر فقد كان النصر إثر استعداد وتجهيز يشهد له وخطّة محكمة بديعة أثخنت بالصليبيين وألحقت بهم شر هزيمة وكسر بعدها الصليبيين لعقود من الزمن.

لم تشتهر هذه المعركة العظيمة رغم أهميتها بسبب موقع المعركة وهو "تل حارم"، وهي المنطقة المعروفة في إدلب بـ"حارم"، وتقع شمال غرب محافظة إدلب وتبعد عن الحدود التركية كيلومترين فقط، وذكروا موقعًا قديمًا بالواقعة جنوب غرب أنطاكية في أقصى شمال الشام.

صورة

صورة من الأقمار الصناعية تظهر موقع مدينة حارم ومكان القلعة

ثورة الشمال "إبراهيم هنانو"

تعرف أيضًا بالثورة الوطنية لأهل القرى، تكاد لم تخلُ حقبة من الزمن في التاريخ السوري إلا ووسمت حركات التحرر والثورات كفاح المدن السورية ونضالها ضد الظلم وخاطت جراح الشعوب بالكرامة، ومن تلك الحقب زمن الاحتلال الفرنسي لسوريا، وربما حينما نذكر فترة الاحتلال الفرنسي يتبادر إلى الأذهان يوسف العظمة بميسلون وإبراهيم هنانو بجبل الزاوية.

قبل اندلاع الثورة السورية الكبرى ظهرت العديد من حركات المقاومة والثورات في مختلف المدن السورية، وكان أبرز تلك المواقع والثورات ثورة "إبراهيم هنانو" التي اندلعت بقيادته ضد المستعمر الفرنسي بنهاية عام 1919م، شملت الثورة مناطق عديدة من إدلب وحلب وحماة إلا أن المعقل الرئيس لإبراهيم هنانو ومن معه كان جبل الزاوية - حارم - جسر الشغور، وهو ابن مدينة كفر تخاريم القريبة من تل حارم، استعصت تلك المناطق لسنتين على الفرنسيين، كيف لا وهنانو ومن معه أدرى بشعابها وقد أذاقوا الفرنسيين فيها الويلات.

خاض إبراهيم هنانو ضد الفرنسيين 27 معركة انتصر في جلها، وأسر خلالها الكثير من الجنود الفرنسيين، وعمل على توسيع مناطق نفوذه حتى أعلن دولة حلب آنذاك وأعلن كذلك إقامة حكومة مستقلة بإدارته، مما أرغم الفرنسيين على التفاوض معه والبدء بتقديم التنازلات.

أهالي جبل الزاوية والقرى في المنطقة يذكرون بطولات الثورة إلى اليوم، ويعتبرون ثورة الكرامة السورية امتدادًا لثورة الجبل.

رفض الأسد

في الوقت الذي كان فيه حافظ الأسد يحاول استمالة جميع المدن والمحافظات السورية إلى صفه، من خلال زياراته الشخصية، كانت المحافظات والمدن تستقبله بالورد والرياحين رغبة أو رهبة، فيما عدا إدلب التي دخلها عام 1970 عند وصوله للسلطة، وقد استقبله أهلها عند الأطراف الشمالية للمدينة برشقه بالبندورة (الطماطم)، ليصادف أيضًا في إحدى ساحات إدلب الأخرى حذاءً موجهًا نحوه كاد أن يصيب رأسه لولا أن حارس مرماه وقتها عبد الله الأحمر الأمين القطري المساعد لحزب البعث أناح برأسه.

إدلب التي كانت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي معقل الناصرية المنافس الرئيس للبعثيين، لتصبح في الثمانينيات معقلًا للإخوان المسلمين، وتقود مظاهرات ضخمة وانتفاضة شعبية ضد الأسد وحكمه وقتها إلى جانب جاراتها حماة وحلب.

ومما يذكر في السياق الزمني، قيام أبو عادل من كفرنبل الذي كان عاملًا في الحرس الجمهوري لحافظ الأسد، مع بعض إخوانه بمحاولة اغتيال تستهدف حياة الأسد في أثناء استقباله رئيسًا إفريقيًا عام 1980، وتمكن من الفرار بعد أن ظن أنه قتل حافظ الأسد، ويروى أن عملية الاستهداف كانت بقنبلة هجومية.

"ثورة السنافر!"

كأي مجتمع ريفيّ بسيط، قاومت إدلب محاولات التهميش السياسية والاقتصادية التي تتعرض لها على مدار سنوات خلال حكم الأسد، ورغم كل ما يعانيه شعبها من إقصاء وتهميش وأوضاع معيشية صعبة، فإنهم كانوا أسيادًا في ابتكار الحلول الكفيلة بتحسين أداء مجتمعهم وإعانتهم على الحياة فيه وكسب رزقهم، وبحكم المساحة الشاسعة الصالحة للزراعة في إدلب التي تتجاوز 350 ألف هكتار، ولأن وسائل النقل والسيارات الحديثة كانت باهظة الثمن ومكلفة بالنسبة لأهل إدلب، كان "السنفور" وسيلة النقل التي استعانوا بها لقضاء حوائجهم، وسرعان ما اشتهرت وسيلة النقل هذه وتجاوزت مهمتها لتغدو مكونًا أساسيًا في الزراعة والتنقل والتجارة والمهن.

غزا "السنفور" المحافظة التي يزيد عدد سكانها على المليون ونصف نسمة منذ بداية الـ2000، وأصبح علامة فارقة لها، يتزين به الشباب المراهقون ويتفاخرون بأنواعه، ويعتبره المزارعون وسيلتهم الأرخص والأكفأ لنقلهم بخفة عبر الطرق الزراعية إلى أراضيهم ومزارعهم، ولا يخجل المعلمون والموظفون من اقتنائه وركوبه وإن كان يساويهم بالطلاب والفلاحين.

صورة

صورة للدراجة النارية الاقتصادية المعروفة في إدلب باسم "السنفور"

ظهرت عشرات الأسواق في إدلب التي استقطبت سكان أرياف حلب وحماة المجاورتين لها، وامتهن مئات الشباب مهنة إصلاح تلك الدراجات النارية، وكعادة حكومة الأسد حاولت تسجيل هذه الدراجات محليًا لكسب مبالغ إضافية للخزينة دون أن يحمي هذا الإجراء صاحبه من حملات الحجز العشوائية التي بدأت بها الحكومة فعلًا في ذاك الوقت بعد انتشار "السنفور" بكثرة.

اعتقلت الأجهزة الأمنية للدولة لاحقًا عشرات الآلاف من الدراجات وأصحابها، وقتلت الكثير من أحلامهم، مما أفضى إلى مناوشات بين الأهالي وعناصر الأمن، كما أسفرت حملات النظام إلى مزيد من التهجير إلى أسواق العمل البائسة في لبنان.

وفي سياق الحديث عن الأجهزة الأمنية فإن طيلة فترة حكم الأسد الأب والابن تعمدت الحكومة إرسال أسوأ رجال المخابرات صيتًا وأكثرهم قمعًا ووحشيةً إلى المحافظة، وأهل إدلب يعون ذلك تمامًا من وقتها ويذكرونه حتى اليوم.

إدلب وثورة الكرامة

لم تتوان إدلب عن الالتحاق بركب الثورة السورية منذ اندلاعها، بل وكانت من أوائل المدن التي انتفضت - كسابق عهدها - ضد حكم الأسد وأشعلت فتيل الثورة في الشمال السوري، وأعلنت الفصائل التابعة للمعارضة السورية تحرير محافظة إدلب بالكامل في الـ9 من سبتمبر/أيلول 2015.

أبرز المحطات في إدلب منذ اندلاع الثورة السورية

تشهد إدلب اليوم أعنف حملة عسكرية خلال 9 سنوات من عمر الحرب في سوريا، بمشاركة روسيا وإيران مع نظام الأسد، وتتعرض لحملات ممنهجة من التهجير لم تعرف مثيلها الثورة من قبل.

أم المدن المنسية لم تعد عنوان خبر فحسب، بل هي اليوم حديث العالم وحبر التاريخ، وقد خرجت بنضالها عن المألوف نحو اتساع وطن كبير وكسر المألوف في أعراف الطغاة واستثناءات المستبدّين معًا.

هي في خريطة الثورة السورية وخرائط العالم الحديث، كتاريخها البديع، تلبس الحلة الخضراء دائمًا وأبدًا.