مفاوضات سد النهضة إلى طريق مسدود

المشهد الأول:

وزير الخارجية الإثيوبي جودو أندار جايتشو يقول: "الأرض أرضنا والمياه مياهنا والمال الذي يبنى به سد النهضة مالنا ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه (..) سوف نبدأ في التعبئة الأولية لخزان سد النهضة بعد أربعة شهور من الآن".

المشهد الثاني:

وزير الخزانة الأمريكي ستيفن مِنوتشين يقول إن واشنطن أصيبت بخيبة أمل شديدة لغياب إثيوبيا عن اجتماع بشأن سد النهضة في العاصمة واشنطن، مشيرًا إلى أن السد يمكن أن يكون مصدرًا للطاقة، وكذلك مصدر قلق كبير بشأن السلامة وتوفير المياه، مشددًا في الوقت ذاته: "نتفق مع مصر والسودان بأنه يجب على إثيوبيا عدم تعبئة سد النهضة حتى يكون هناك اتفاق".

المشهد الثالث:

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يجتمع بقادة الجيش ويؤكد ضرورة الاستمرار في التحلي بقمة درجات الحيطة والحذر والاستعداد القتالي، وصولًا إلى أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ أي مهام توكل إليهم لحماية أمن مصر القومي.

ثلاثة تطورات مختلفة شهدها مسار عملية مفاوضات سد النهضة في يوم واحد فقط، وذلك بعد إعلان أديس أبابا عزمها البدء في ملء خزان السد تزامنًا مع عملية البناء، دون التوصل إلى اتفاق نهائي مع بقية الأطراف، وهو الإعلان الذي قوبل برفض مصري وتحفظ أمريكي، الأمر الذي سرع وتيرة الأحداث لتصل إلى هذا التطور اللافت منذ بدء عملية المفاوضات.

8 سنوات كاملة، قطعتها أطراف الأزمة الثلاث (مصر - إثيوبيا - السودان)، لم تفض إلى شيء، فالطرق المؤدية إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف باتت غاية في الصعوبة، وأضحت القاهرة على وجه الخصوص تبحث عن حلول أخرى لتفادي أضرار الملء، لتُطرح السيناريوهات كافة على طاولة النقاش.

ثم جاء الوسيط الأمريكي والبنك الدولي على أمل بث روح الأمل والحياة مرة أخرى في عملية التفاوض التي دخلت غرف الإنعاش أكثر من مرة ووصلت بحسب وصف الجانب المصري إلى "طريق مسدود" غير أن الأمور وإن سارت في البداية بشكل يبعث على التفاؤل غير أن سرعان ما انقلبت الأوضاع لتزيد الأمور تعقيدًا، إذ بات الخيار العسكري وهو المستعبد طيلة السنوات الثمانية الماضية أحد الأرقام المتقدمة في ترتيب البدائل أمام المصريين.. فهل تشهد القارة مواجهة عسكرية في القريب العاجل؟

المفاوضات إلى طريق مسدود

منذ خريف العام الماضي على وجه التحديد شهد مسار التفاوضات توترات متواصلة، ربما كان باعثها الأول تعنت أديس أبابا ورغبتها الواضحة في التلاعب والالتفاف من أجل كسب الوقت لإنهاء عملية البناء والإنشاءات المطلوبة، وبعد أن تحقق ذلك دخلت في مرحلة أخرى أكثر خطورة تمثلت في مساعي بدء الملء الأول قبل التوصل إلى اتفاق نهائي مع بقية الأطراف.

وأمام ميوعة المفاوض المصري الذي اعتمد في مساره على مبدأ "حسن النوايا" نجحت إثيوبيا في كسب الوقت المطلوب لتنفيذ مخططها، لتضع مصر والسودان معًا أمام الأمر الواقع، غير أنه واقع مؤلم للمصريين الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على قبول الشروط المجحفة، خصوصًا خفض حصتهم السنوية من مياه النيل إلى ما دون 35 مليار متر مكعب سنويًا، أي أقلّ مما تطالب به القاهرة بخمسة مليارات كاملة، وأقل من الحصة المصرية الحاليّة بأكثر من 13 مليار متر مكعب، والمنصوص عليها في اتفاقية تقاسم مياه النيل عام 1959.

الكثيرون استبشروا خيرًا بدخول الولايات المتحدة على خط الأزمة، كوسيط يملك أوراق ضغط متعددة على جميع الأطراف، هذا بخلاف العلاقات القوية التي تجمع بين إدارة دونالد ترامب ونظامي السيسي وآبي أحمد، وبعد خطوات وصفها البعض بالإيجابية بداية الوساطة، إذ بات التوقيع على اتفاق نهائي مسألة وقت، تغير الوضع بصورة جذرية.

أديس أبابا تمتنع عن حضور الاجتماع الأخير لتجد القاهرة وواشنطن ومعهما الخرطوم في مواجهة اتفاق أولي يتطلب التوقيع بالأحرف الأولى، وأمام امتناع الطرف السوداني على التوقيع بحجة ضرورة موافقة الأطراف كافة، وقع الجانب المصري منفردًا بالأحرف الأولى بدعم أمريكي.

مصادر أرجعت فشل أمريكا في التوصل إلى اتفاق مرضٍ لجميع الأطراف، إلى خلاف نشب بين وزارتي الخارجية والخزانة الأمريكيتين، بشأن خطة التعامل مع الملف، منذ إسناد الرئيس ترامب المهمة إلى وزير الخزانة ستيفن منوتشين، واستبعاد وزير الخارجية مايك بومبيو.

فريق داخل الخارجية الأمريكية يرى أن القاهرة "تبالغ في تصور حجمها واستحقاق نصيب أكبر من مياه النيل"، زاعمين أنّ إثيوبيا ودول المنبع الأحق حالًّا بالدعم الأمريكي، بسبب فشل تلك الدول على مدار عقود في استغلال مياه النيل للتنمية، خصوصًا في توليد الكهرباء وتنظيم الزراعة وخلق مزارع سمكية وغيرها من الأنشطة التي ترغب في استغلالها شركات أمريكية وأوروبية وآسيوية مختلفة، وبناءً على هذه الرؤية، اعتنقت الخارجية الأمريكية فكرة أن واشنطن لا يجب أن تكون وسيطًا بموجب المادة العاشرة من اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان، وأنه يجب اقتصار دورها على "المراقبة والتسهيل".

أنصار هذا الفريق استعرضوا عددًا من الأسباب التي تؤكد عدم مشروعية أي اتفاق يعقد بوساطة وزارة الخزانة، أولها أنّ الولايات المتحدة لم تكن طرفًا في اتفاق المبادئ، وبالتالي لا توجد صلة بين ذلك الاتفاق والمفاوضات الحاليّة، تسمح لها باقتراح صيغة قد يعتبرها طرف أو أكثر خروجًا على اتفاق المبادئ.

كذلك أن الأطراف الثلاث لم تتوافق فيما بينها بعبارات صريحة على استدعائها كوسيط، لأنّ الوساطة تقتضي الرضا أولًا بالإلزام والاتفاق المسبق على الالتزام، وهذا لم يحدث في أي مرحلة من التفاوض، بجانب أن الخزانة الأمريكية ليس من ضمن اختصاصاتها الدستورية، وفقًا لقانون إنشائها، تمثيل الولايات المتحدة في اتفاقيات وساطة ذات طابع دولي، وإنما البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية.

أما السبب الرابع والأخير وهو الذي استندت إليه أديس أبابا في بيانها أمس ردًا على الموقف الأمريكي، فيتمثل في أن واشنطن لا يجوز لها التدخل لرعاية اتفاق ثلاثي يعتبر مخالفًا لاتفاق دولي أوسع، والمقصود بذلك الاتفاق الإطاري الموقت في عنتيبي عام 2010، الذي لا تعترف به كل من مصر والسودان. ويتجه هذا الرأي داخل الخارجية الأمريكية إلى ضرورة علاج مشاكل ومفارقات الحصص التاريخية في نهر النيل أولًا، قبل الاتفاق الثلاثي على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.

تصعيد مصري

بعد الموقف الإثيوبي الأخير، الممتنع عن التوقيع على اتفاق واشنطن، والماضي قدمًا في عملية الملء دون رضا بقية الأطراف، أشارت بعض المصادر إلى تشكيل القاهرة لغرفة عمليات موسعة ضمت ممثلين عن وزارتي الخارجية والري، بجانب بعض الأجهزة السيادية لبحث تطورات الموقف.

فريق ذهب إلى أن الجانب المصري وبعد مراجعة بعض خبراء القانون الدولي بصدد اتخاذ بعض الإجراءات التصعيدية ردًا على أديس أبابا، على رأسها الانسحاب من اتفاق المبادئ الموقع في العاصمة السودانية الخرطوم عام 2015، كخطوة أولى، غير أن هذا الإجراء ما زال في مرحلة التكهنات خاصة أن فكرة الانسحاب ربما تكون غير مجدية في ظل عدم وجود أي طارئ يستدعي الإقدام على هذه الخطوة بحسب المادة الخامسة من إعلان المبادئ الذي يعطي الجانب الإثيوبي الحق في التعامل مع سيناريوهات ملء السد وتشغيله وفق ظروفه، فقط عليه إبلاغ دول المصب بتلك الظروف.

فيما تأتي الخطوة التصعيدية الثانية بحسب تيار آخر في التدويل، حيث التوجه مباشرة إلى مجلس الأمن الدولي، لحسم النزاع بقرار، غير أن هذه الخطوة تتطلب تحديد مهلة زمنية للجانب الإثيوبي للتوقيع على اتفاقية واشنطن، على أن يتم التوافق عليها مع الجانب الأمريكي باعتباره المراقب والوسيط الذي أشرف على صياغة الاتفاق الأخير.

يذكر أن الخارجية المصرية وصفت بيان إثيوبيا الأخير بشأن مفاوضات السد بأنه قد شمل مغالطات عديدة، مشيرة إلى أنّ أديس أبابا شاركت في جولات عديدة واعتمدت كثيرًا من المواد المطروحة، فيما أشار وزير الخارجية المصري سامح شكري، إلى أن الجولة الأخيرة للمفاوضات كانت لضبط أمور كثيرة، لافتًا إلى أن القواعد الفنية كانت محل تفاوض عبر الأربعة أشهر الماضية ولقيت موافقة الجانب الإثيوبي.

الخيار العسكري.. هل يكون البديل؟

الصورة التي نشرها المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية على صفحته على فيسبوك بخصوص لقاء السيسي وقيادات الجيش دفعت الكثير من المتابعين على منصات السوشيال ميديا إلى الحديث عن احتمالية اللجوء إلى الخيار العسكري خاصة أن تعليمات السيسي في هذا الإطار: "أعلى جاهزية للدفاع عن أمن مصر القومي" وهي العبارة التي أثارت الكثير من التساؤلات.

ورغم أن الجانب المصري لم يتطرق - من بعيد أو قريب - لفكرة الخيار العسكري كبديل في مواجهة التعنت الإثيوبي، تفاعل الشارع مع الصورة بما يوحي وكأن الحرب باتت على بعد أقدام قليلة، هذا في الوقت الذي تباحث فيه السيسي وترامب عبر محادثة هاتفية ضرورة المضي قدمًا في المسار التفاوضي.

فكرة الخيار العسكري كانت السيناريو الثالث الذي طرح نفسه إعلاميًا في قائمة بدائل مصر ردًا على التعنت الإثيوبي، بحسب تقرير سابق لـ"نون بوست" وذلك بعد سيناريوهي الضغط السياسي والتدويل، إلا أن هذا السيناريو مستبعد من أصوات كثيرة لما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات كارثية على الجانب المصري الذي أعطى أديس أبابا الضوء الأخضر لبناء سدها من خلال الاتفاقية الموقعة في 2015.

ففي نهاية 2016 تصاعد الحديث عن اللجوء لهذا الخيار من بعض المحللين العسكريين أنفسهم، إلا أنه قوبل برفض شديد من جهات ذات صلة بالسلطات الحاكمة، وفي أكتوبر 2017 نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن مسؤول بوزارة الري رفض كشف اسمه" قوله: "الخيار العسكري لم يعد مطروحًا بعد موافقة مصر على التعاون مع إثيوبيا عام 2015".

القاهرة اليوم في موقف صعب للغاية، فخياراتها للخروج من هذا المأزق تتقلص يومًا بعد آخر، فالرهان على التدخل الأمريكي والضغط على الجانب الإثيوبي ربما لم يكن الرهان الرابح، خاصة أن أديس أبابا تحظى بدعم اللوبي اليهودي الإسرائيلي، هذا بجانب أن ترامب يعتبر إثيوبيا مركز نفوذ بلاده الأهم في إفريقيا رغم السجال الإعلامي بين سلطتي البلدين بشأن هذا الملف.

كما أن فكرة التحكيم الدولي برمتها واللجوء إلى الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي، في حقيقتها مسألة معقدة للغاية، علاوة على كونها تتطلب موافقة كل أطراف النزاع وهو ما لم يحدث، مع الوضع في الاعتبار أن انسحاب القاهرة من اتفاق المبادئ ربما يقابل بموقف إثيوبي مماثل وتعود القضية برمتها إلى المربع صفر بعدما تكون أديس أبابا قد انتهت من بناء السد.

استهداف سد النهضة بعملية عسكرية مصرية خيار محفوف بالمخاطر بالنسبة للجانبين المصري والإثيوبي على حد سواء، خاصة أن السد العالي ليس بعيدًا عن مرمى الصواريخ الإثيوبية التي هي في حقيقتها صواريخ إسرائيلية وأمريكية، هذا بخلاف ما يمكن أن ينجم عن هذه العملية من إشعال لفتيل الحرب في المنطقة بأسرها، وهو ما تتجنبه القاهرة بالفعل في الوقت الراهن خاصة في ظل تعدد الجبهات التي تحارب فيها القوات المسلحة المصرية، سواء في الشرق عبر سيناء أم الحدود الغربية في ليبيا دعمًا لقوات اللواء متقاعد خليفة حفتر.

فريق ذهب إلى أن التلويح بين الحين والآخر باستخدام ورقة الخيار العسكري هو نوع من الضغط المصري بالتزامن مع ضغط سياسي آخر عبر الوسيط الأمريكي وبعض القوى الأخرى، ولا يُستبعد دخول الصين وروسيا على خط الأزمة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يفسر مساعي القاهرة لتعميق علاقاتها مع بكين وموسكو في الفترة الأخيرة.

علاوة على هذا فإن الجانب الأمريكي لن يترك الأمور لتصل إلى نقطة المواجهة العسكرية بين اثنين من حلفائه في القارة الإفريقية، غير أن ترامب وكالعادة من المرجح أن يؤجل حسم المعركة إلى ما قبل الانتخابات الأمريكية القادمة، لاستخدامها كورقة دعائية ربما تعزز موقفه بعد الفشل الأولي الذي منيت به خطة صفقة القرن والاتفاق النووي الإيراني والسياسات الحمائية التي كان يتبعها.

وحتى ذلك الحين من المتوقع أن تشهد ساحة المفاوضات الخاصة بسد النهضة سجالًا إعلاميًا وسياسيًا بين القاهرة وأديس أبابا، سجال تكسب به الأخيرة الوقت المطلوب، وربما تتراجع خطوة للوراء لتهدئة الأوضاع، فيما يدرس المفاوض المصري خياراته البديلة للرد الذي ربما يستغله إعلاميًا هو الآخر لتدعيم موقفه شعبيًا بعد الاتهامات التي تعرض لها كونه المسؤول عما وصلت إليه الأوضاع الحاليّة، في الوقت الذي ستدفع فيه واشنطن إلى تجميد التصعيد مؤقتًا.