حالة الانفلات النقابي في تونس ليست حدثًا طارئًا أو عابرًا، بل عنصر أساسي في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في تونس منذ الثورة، فقد تحولت النقابة إلى دولة داخل الدولة، وانتصرت في كل معاركها ضد الحكومات المتعاقبة منذ الثورة وفرضت أجنداتها السياسية بقوة الاحتجاج.

إذ نرى أن هذا الانفلات سيتواصل وهو يتربص هذه الأيام بحكومة الفخفاخ في سنة 2020، سنة انعقاد مؤتمر النقابة وهو موسم رفع نسق الإضرابات للتموقع داخل المؤتمر وداخل هياكل المنظمة للفترة القادمة، رغم أن المركزية النقابية تتظاهر بأنها شريك إيجابي في الشأن السياسي من خلال مساهمتها في رسم ملامح حكومة الفخفاخ، ولكن الأمر لم يعد بيد المركزية بل بيد النقابات القطاعية التي تتجاوز دومًا حدود قياداتها المركزية كي تبرمج احتجاجاها وتضع القيادة والحكومات أمام أمر محسوم مسبقًا.

سر قوة النقابة في تونس 

لم تكن النقابة قبل الثورة تجرؤ على رفع صوتها في وجه بن علي، فقد أخضعها بأساليبه غير الشريفة وورط قياداتها في منافع شخصية، جعلتها تقف في صفه حتى الساعات الأخيرة من حكمه.

وقد تمتع بن علي بنقل المعارك إلى داخل النقابة بين القطاعات والمركزية لذلك لم تفلح النقابات المنفلتة في تحقيق شيء مذكور، بما في ذلك نقابة التعليم الثانوي (وهي نقابة داخل النقابة)، غير أنه في لحظة الثورة حولت بعض النقابات البعيدة عن العاصمة مقراتها إلى نقطة تجمع الاحتجاجات، وخاصة في مدينة صفاقس، ما سمح بنقل الثورة إلى شوارع العاصمة حتى يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011.

قامت بتنفيذ خارطة طريق من بند واحد، هو استبعاد كل منتسب لحزب النهضة من مواقع القرار السياسي والإداري تحت شعار "رفض أخونة الدولة"

بعد هذا التاريخ، حولت النقابة تلك المشاركة (المبالغ في وصفها) إلى رصيد سياسي فرضت به دورًا مركزيًا في قيادة المرحلة، فهي التي نصبت فعليًا الباجي قائد السبسي رئيس حكومة مؤقت في 2011، ثم استمر دورها عبر الاحتجاجات في المؤسسات العمومية دون الخاصة حيث تنخفض أو تنعدم التمثيلية النقابية. 

خضعت حكومات ما بعد الثورة للنقابة، بل هربت أمامها لأنها وجدت نفسها دومًا في موقع الاختيار الصعب بين انهيار مؤسسات الدولة أو التسليم، فآثرت السلامة بدافع الحفاظ على المسار السياسي في حده الأدنى، حتى صارت النقابة هي المتحكم الأول في كل المشهد وخاصة في 2013 بعد الاغتيالات السياسية وبعد نيلها جائزة نوبل للسلام التي احتفلت بها مع الرئيس الفرنسي قبل الرئيس التونسي. 

فرضت النقابة حوارًا وطنيًا انتهى بإسقاط حكومات وفرض أخرى في 2014 وكشفت عن أجندة سياسية لا غطاء نقابي لها، إذ قامت بتنفيذ خارطة طريق من بند واحد، هو استبعاد كل منتسب لحزب النهضة من مواقع القرار السياسي والإداري تحت شعار "رفض أخونة الدولة" (وهو شعار السيسي الانقلابي في مصر الذي كان انقلب وحكم بقوة الحديد والنار).

أسرار قوة النقابة في تونس بعد الثورة

تأتي قوة النقابة أولًا من خلال وجود تيار سياسي يقودها وفقًا لأجندته غير النقابية، وهو المحرك الذي استعمل النقابة لفرض شروطه على حكومات لم يكن يمكن له التغلغل فيها عبر صندوق الاقتراع.

وثانيًا، من كونها تتمادى في احتجاجها إلى أقصى حد دون تفاوض قانوني مسبق تحدده لوائح العمل النقابي، خاصة في قطاع النقل الحيوي.

حكومة الفخفاخ التي ورثت تركة ما قبلها ترتجف الآن أمام كل احتمال توتر نقابي خاصة وهي تنوي الاقتراب من معالجة معضلة الفسفاط التي تتحكم النقابات في إدارتها باسم التشغيل.

وثالثًا، بسبب مسارعة الحكومات الهشة إلى الاستسلام والاستجابة، إذ كان كل استسلام يشجع النقابات القطاعية على التمدد في المشهد باختلاق مطالب جديدة مخالفة تمامًا للقوانين المرعية، مثل مطالب توريث مواقع العمل لأبناء النقابين حتى وصل الأمر إلى أن موظفي الضمان الاجتماعي لا يدفعون مساهماتهم في الضمان الاجتماعي بحجة مماثلة قطاعية مع شركة الكهرباء والماء التي يتمتع أعوانها بمجانية الماء والكهرباء.

يجعل هذا الهروب، حكومة الفخفاخ التي ورثت تركة ما قبلها ترتجف الآن أمام كل احتمال توتر نقابي خاصة وهي تنوي الاقتراب من معالجة معضلة الفسفاط التي تتحكم النقابات في إدارتها باسم التشغيل.

هل تدخل حكومة الفخفاخ المعركة مع النقابة؟

تدلل المؤشرات المتوفرة على قناعة واضحة، لم تتخذ الحكومة موقفًا سياسيًا من النقابة بل دخلت مرحلة الحكم مستجيبة بشكل مسبق للابتزاز النقابي، فقد فرضت النقابة وزيرها للشؤون الاجتماعية في هذه الحكومة أيضًا وصار من تقاليد الحكومات أن النقابة هي من تختار الوزير الذي سيفاوضها في الصغيرة والكبيرة. وكل وزير للشؤون الاجتماعية ضمن موقعه في مكتبه بالاستجابة المسبقة للنقابة حتى صار يتكلم بلسانها لا بلسان الحكومة التي ينتهي إليها.

فضلا عن ذلك، فإن وزير الإصلاح الإداري، محمد عبو، المعني الأول بإعادة نسق العمل في الإدارة ضمن أجندة الإصلاح المعلنة مدين بموقعه وموقع حزبه في البرلمان وفي الحكومة للنقابة التي صوتت له ولحركة الشعب من وراء ستار، وهو الأمر الذي يتظاهر الجميع بتجاهله ولا يفسرون به ذوبان رصيد الجبهة الشعبية المالك الحقيقي للنقابة.

تكلم السيد عبو في أول ظهوره عن ضرورة الحزم مع موظفي الإدارة وإرجاعهم إلى الجادة بما يجعله لو نفذ برنامجه هذا في مواجهة مباشرة مع النقابات في المؤسسات العمومية التي رفضت دومًا المساس بمنظوريها. وقد عشنا مشاهد يرفض فيها الموظفون الخضوع إلى تقنية إثبات الحضور بالبصمة كي يتسنى لهم الغياب دون رقابة ونتوقع أن أي اقتراب من حق الكسل والتهاون الذي صار مكسبًا للموظف العمومي سيجعل السيد عبو يخشى اندثار حزبه.

ونرجح تبعًا لذلك أن يواصل سياسة الهروب أمام النقابات فهو أضعف من هذه المواجهة التي لن يحظى فيها بدعم زملائه في الحكومة لأن أحزابهم مثل حزب عبو /التيار تخاف بدورها من خوض هذه المعركة بما يعطي النقابة مساحة أوسع في التحكم في عمل الحكومة. 

سيكون الوضع مماثلًا في وزارة التربية حيث بدأت الإضرابات الوحشية لنقابات القيمين بالمعاهد الثانوية، وسيكون مماثلًا في النقل حيث على الوزير مواجهة مشكلة شركة الطيران المفلسة ومواجهة الفساد الفاضح في بقية الشركات الوطنية للنقل، أما في قطاع الفسفاط فإن معركة كسر العظام تنتظر الحكومة.

لا فرار من المواجهة الحتمية

لم يعد يمكن لأي حكومة في تونس أن تعمل أو تحقق نتائج في ظل وجود النقابة التي تعيق تشكله. إن البلد رهينة منذ الثورة بين يدي النقابة وأهوائها، ولا يبدو أن حكومة الفخفاخ مستعدة للمعركة الفاصلة، فقد كانت النقابة إحدى أسباب تشكلها بل السبب الأقوى وستكون بدورها رهينة عندها.

إنها معركة وطن ولكن لا نرى هذه الحكومة ولا كل مكونات الطبقة السياسية في مستواه

وأي انحراف بعمل الحكومة نحو إلزام النقابة بحدودها التقليدية وإبعادها عن أي دور سياسي في المستقبل سيفجر الاحتجاجات، ولدى النقابة ذرائع كافية لشنها، فحكومة الفخفاخ ستفاوض على المزيد من الارتباط بالمقرضين الدوليين وهو التفاوض الذي نعرف شروطه الاجتماعية، وهو ما تحسن النقابة تحويله إلى أرصدة نضالية خاصة في سنة انعقاد مؤتمرها.

وما لم تتخذ الحكومة موقفًا واضحًا غير مرتبك أمام النقابة في هذه المرحلة، فإن أي شعارات ترفعها أو برامج تعلنها ستصدم بجدار صلب تحدد النقابة سمكه وأبعاد قوته. إنها معركة وطن ولكن لا نرى هذه الحكومة ولا كل مكونات الطبقة السياسية في مستواه، فيوم كتبنا أن هذه الحكومة يشكلها الخاسرون في الصندوق من خارج نتائج الانتخابات كنا نرى التربص بالحكومة مثلما كنا نشاهد التربص بالثورة.

كل سياسي هارب من هذه المعركة لن يعمر طويلاً، وكل سياسي يتحمل كلفة خوضها سيتحول إلى زعيم وطني بثمن قاس ولكن مؤسس رمزي للديمقراطية، إلا أن هذا السياسي غير موجود في المشهد حتى الآن.