في كل عام، يسلك المئات من الشباب المنتمين لفئة البدون في الكويت طرقًا برية وبحرية وجوية وعرة ومحفوفة بالمخاطر للوصول إلى عدة وجهات رغبة في تقديم لجوء إنساني لديها والحصول على هوية وجواز سفر وفرص وظيفية تغنيهم عن العيش كخارجين عن القانون في الكويت والتبعية المطلقة لـ"الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية" الذي يتحكم في تفاصيل حياتهم وتنقلاتهم وحصولهم على الوظائف أو الفرص التعليمية.

يبلغ عدد فئة البدون في الكويت بحسب الإحصاءات الحكومية الرسمية 88 ألف نسمة، لكن المنظمات الحقوقية والنشطاء البدون يؤكدون أن العدد يتراوح بين الـ120 ألف و140 ألف نسمة، كون الحكومة لا تعتبر الأشخاص الذين لا يمتلكون (هويات أمنية) من فئة البدون ولا تقيدهم في الإحصاءات الرسمية لديها، ولم يحصل البدون على الجنسية الكويتية عقب فترة الاستقلال عام 1961 لاعتبارات تتعلق بعيشهم في الصحراء ذلك الوقت كونهم مجموعات بدوية وقبلية.

ويمثل طريق الهجرة، الحل النهائي والخلاص لشباب "البدون" الذين يعانون في ظل المنع من الحصول على التعليم والوظيفة، إضافة إلى المضايقات في استخراج وثائق السفر المؤقتة التي تُصرف لهم والأوراق الثبوتية مثل الهوية الأمنية التي تشترط الجهات الحكومية على كثير منهم الإقرار بانتمائهم لدول أخرى مقابل الحصول عليها وهو ما يرفضه البدون.

تتنوع وجهات البدون في الهجرة، إذ يفضل بعضهم الهجرة إلى الدول الإسكندنافية، فيما يفضل آخرون الهجرة إلى أستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن الوجهة المفضلة والأكثر أمنًا بالنسبة لهم هي بريطانيا لسهولة قبول اللجوء هناك للقادمين من الدول الخليجية بسبب الاستعمار البريطاني لها تاريخيًا، إضافة إلى الوجود العربي الكبير في العاصمة لندن الذي يخفف شعور الغربة عن اللاجئين والوجود الخليجي المستمر هناك بفعل السياحة والعلاج.

ويبدأ البدون طريق الهجرة من الكويت عبر محاولة استصدار وثيقة سفر مؤقتة تسمى "جواز المادة 17" وهو جواز تصرفه وزارة الداخلية الكويتية للبدون الراغبين بالسفر للعلاج أو الدراسة فقط، لكن تدخل وساطات من نواب مجلس الأمة أو شيوخ قبائل أو وجهاء، يكفل لبقية الشباب البدون الذين لا يملكون إذنًا بالدراسة أو أوراقًا تفيد إصابتهم بمرض ما، الحصول على الجواز.

وبعد الحصول على وثيقة السفر المؤقتة، يلجأ الشباب لمدن مثل القاهرة أو الرباط أو إسطنبول التي تعد بوابة الوصول إلى أوروبا، حيث يتكاثر وجود المهربين الذين ينتمي بعضهم لفئة "البدون" ويدخلون الشباب إلى البلدان الأوروبية عبر جوازات عربية أو أوروبية مزورة عوضًا عن وثائق السفر المؤقتة التي لا تخولهم الدخول إلى أوروبا.

استطاع الشاب "أحمد. ش" الوصول إلى بريطانيا وتقديم اللجوء الإنساني مطلع عام 2016 بعد أن سلك طريق اللجوء المعروف انطلاقًا من إسطنبول وحتى مخيم "كاليه" المطل على بحر المانش في فرنسا، وهو آخر نقطة أوروبية يابسة قبل بريطانيا.

يُعامل اللاجئون البدون معاملة خاصة، حيث يُقبل لجوؤهم أسرع من غيرهم من الجنسيات الأخرى

يشرح أحمد لـ"نون بوست" قصة لجوئه فيقول: "في أواخر عام 2015 انتشر بين شباب "البدون" داخل الكويت خبر وجود طريق هجرة إلى أوروبا يبدأ من إسطنبول وذلك رفقة قوافل اللاجئين السوريين الذين يهاجرون بالآلاف يوميًا من تركيا إلى اليونان ومن ثم ينتشرون في أوروبا كلها، حينها جمعت مع شقيقي ما استطعنا من أموال واتجهنا إلى تركيا لأننا نملك في ذلك الوقت ولحسن حظنا وثائق سفر مؤقتة".

وفور وصول أحمد مع شقيقه وعشرات من البدون إلى تركيا، تمكنوا من التواصل مع المهربين الذين سهلوا لهم الخروج من تركيا إلى اليونان عبر قوارب مطاطية وباعوا لهم أوراقًا ثبوتية سورية مزورة، عبروا خلالها عدة دول منها مقدونيا وسلوفينيا والنمسا وألمانيا قبل أن يصلوا إلى فرنسا رفقة قوافل اللاجئين السوريين.

وتفرق اللاجئون البدون الذين دخلوا في طريق الهجرة الأوروبي، حيث ذهب أحمد مع شقيقه إلى مخيم كاليه وعاشوا في المخيمات لمدة شهر ونصف قبل أن تُحول لهم عائلتهم مبلغًا ماليًا مكنهم من دخول بريطانيا، فيما اختار البدون الآخرون الذين لا يملكون الأموال التي توصلهم إلى بريطانيا تقديم اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي مثل السويد وألمانيا.

وفور الوصول إلى بريطانيا، يُعامل اللاجئون البدون معاملة خاصة حيث يُقبل لجوؤهم أسرع من غيرهم من الجنسيات الأخرى بعد تحقيقات تُجرى لهم عن أسماء الأماكن والشوارع والمناطق في الكويت للتأكد أنهم ينحدرون منها وليس من بلد آخر خصوصًا مع وجود الكثير من اللاجئين العرب الذين يقدمون أنفسهم كلاجئين "بدون" طمعًا في الحصول على اللجوء بوقت أبكر وفق ما يقول الناشط في قضية البدون محمد الفضلي لـ"نون بوست".

وحوّل الفضلي شقته الواقعة في شارع "أجوورد" في العاصمة البريطانية لندن إلى مقر لاستقبال البدون القادمين حديثًا إلى بريطانيا، حيث يُقدم لهم استشارات قانونية عن اللجوء دون مقابل مادي، إذ يقول: "هدفي أن أرى أكبر عدد من الشباب البدون يعيشون في بريطانيا ويحصلون على جنسيتها ويستثمرون معارفهم وخبراتهم العلمية بدلًا من استنزافها دون الحصول على وظيفة مناسبة".

ويقول الفضلي إنه استقبل قبل أشهر شابًا تخرج من إحدى كليات طب الأسنان في أوكرانيا ولم يستطع الحصول على وظيفة في الكويت إلا كعامل في إحدى شركات الأثاث، مما أدى به إلى اللجوء لبريطانيا للعمل بشهادته كطبيب أسنان.

لكن في الجانب الآخر، توجد فئة غير محظوظة من البدون، وهي تلك التي لم تستطع الحصول على وثيقة سفر مؤقتة، بسبب فرض السلطات قيودًا أمنية عليها، إذ ليس بإمكانهم الخروج من البلاد، مما يوقعهم في شرك العصابات التي توهمهم بإمكانية إخراجهم من مطار الكويت رغم تشديداته الأمنية، ما يتسبب في اعتقالهم لاحقًا بتهمة محاولة الخروج من البلاد بطريقة غير شرعية.

وفي ظل عزم رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم تقديم قانون يلزم البدون بالإقرار بامتلاكهم جنسيات دول مجاورة مثل العراق والسعودية، حتى إن لم يكونوا يمتلكونها فعلًا، يأمل كثير من شباب البدون من الحكومة الكويتية توفير جوازات سفر كويتية صالحة للسفر إلى بريطانيا ولو لمرة واحدة وذلك لتقديم اللجوء الإنساني هناك.